رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من مفارقات حياتنا في مصر أن بعض الأصوات أصبحت تنادي بإسقاط النظام الذي استجد في البلد، في حين أننا لم نتخلص بعد من النظام القديم الذي ثرنا عليه.
(1)
لم أصدق عيناي حين وقعت في ذلك الصباح على خبر يقول إن مجموعة من الناشطين أطلقوا مبادرة عنوانها «وطن بلا تعذيب»، لأنني تصورت أن هذا موضوع حسم قبل سنتين، منذ اليوم الأول للثورة. وقلت إن ثمة أهدافا للثورة تحتاج إلى وقت طويل لتحقيق (العدالة الاجتماعية مثلا)، أما مسألة التعذيب، وغيرها من الأمور التي تتعلق بالكرامة الإنسانية. فإنها من الأمور التي يفترض أن تتوقف على الفور. إلا أن الشواهد دلت على أن الأمر ليس بهذه السهولة. لأن تقارير التعذيب التي توالت خلال الآونة الأخيرة اتفقت على أن الظاهرة لا تزال مستمرة، وأن مدرسة التعذيب لا تزال تمارس نشاطها، خصوصا في الأماكن البعيدة عن الأعين (في معسكرات الأمن المركزي مثلا). على الأقل فهذا ما سجلته ثلاثة مراكز حقوقية معنية بالموضوع، هي مركز النديم والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية والمنظمة المصرية لحقوق الإنسان. وقد تابع كثيرون في الأسبوع الماضي على شاشات التلفزيون حلقة برنامج الزميل يسري فودة، التي خصصها لفضح ممارسات التعذيب التي تتم على أيدي عناصر الأجهزة الأمنية، التي لا تزال تعيش زمن وأساليب نظام مبارك والعادلي.
لن أختلف مع من يقول إن ثمة اختلافا في نطاق التعذيب في العهدين، فهو إذا كان قاعدة قبل الثورة. فإنه أصبح استثناء بعدها. وهذا حق لا ريب، يرد عليه بأننا لم نكن غاضبين على حجم التعذيب ومداه، ولكننا كنا ومازلنا نرفضه من حيث المبدأ. فقليله مرفوض ومستهجن كما أن كثيره كذلك. ذلك أن تعذيب أي مواطن هو إهانة لكل المواطنين، وقد سبق أن قلت إنه قياسا على النص القرآني الذي يقرر أن من قتل نفسا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا، باعتباره عدوانا على الحق في الحياة، فلنا أن نقول نفس الشيء بالنسبة لمن عذب إنسانا، لأن ذلك يشكل عدوانا على الحق في الكرامة، الذي كفله الله سبحانه لكل بني البشر (ولقد كرمنا بني آدم).
أيا كان حجم التعذيب الحاصل، فمجرد استمراره بعد سنتين من قيام الثورة يعد أمرا مشينا يشوه صفحتها، ويؤكد أن سياسات النظام القديم وأساليبه لم تتغير في ذلك القطاع المهم. وهو ما يثير سيلا من الأسئلة، بعضها يتعلق بتجذر تلك السياسات وصعوبة اقتلاعها، وبعضها يتعلق بموقف قيادات الأجهزة الأمنية ومدى استعدادهم لتغير تلك السياسات. ومن ثم مدى تجاوبهم مع الثورة التي قلبت نظاما كانت تلك الأجهزة سنده الحقيقي وسلاحه في مواجهة المجتمع. وهناك سؤال مهم آخر حول قدرة الرئيس على إعادة هيكلة تلك الأجهزة لتصبح أكثر تجاوبا والتزاما بقيمة النظام الديمقراطي الجديد. وهذه نقطة دقيقة وحساسة تحتاج إلى وقفة خاصة.
(2)
أستشهد هنا بما قاله الرئيس محمد مرسي يوم السبت الماضي (2/22) عن الصعوبات الجمة التي تعترض عملية إعادة بناء المؤسسات في مصر وقوله إن دونها عقبات جسام يتعين التعامل معها، ولست متأكدا من أنه يعني الأجهزة الأمنية تحديدا، أم أنه يتحدث عن موقف الجهاز البيروقراطي العتيد في مصر. لكنني أسمح لنفسي أن أقول بأن استمرار النظام السابق لثلاثين عاما متصلة، مكنه من أن يترك بصمات قوية على ذلك الجهاز، ودلت تجربة ما بعد الثورة أن تلك البصمات أعمق مما كان متصورا، كما أن امتداداته وأصابعه لم يكن من السهل بترها بمجرد سقوط رأس النظام. وهذه الامتدادات ليست كامنة فحسب، ولكنها متحركة أيضا. وغني عن البيان أن حركتها لا تصب في صالح تأسيس النظام الجديد، وإنما العكس هو الصحيح لأن القرائن المتوافرة دلت على أن تلك الأصابع الموزعة على بعض أجهزة الدولة المهمة عملت على تعويق المسيرة وليس الإسهام في انطلاقها.
هذه نقطة مهمة وحساسة، ينبغي أن يشار إليها بقدر ما ينبغي عدم التفصيل فيها لأسباب أرجو أن تكون مفهومة. وهذه المعادلة تسوغ لي أن أكتفي بالإشارة إلى أن أطرافا في بعض أجهزة الدولة تبنت مواقف وثبت ضلوعها في ممارسات مناهضة للنظام الجديد. تشهد بذلك قصة الضابط رفيع الرتبة الذي يعمل في أحد الأجهزة السيادية وألقي القبض عليه في مظاهرات الإسكندرية. كما تبين أن هناك اختراقات غير محمودة لبعض تلك الأجهزة لم توفر شعورا كافيا بالاطمئنان إلى تمام ولائها. وهذه الملابسات تستدعي إلى أذهاننا فكرة «الدولة العميقة» التي عرفتها تركيا، ولا تزال حكومة حزب العدالة والتنمية منذ عشر سنوات تحاول تتبع خيوطها وكشف أصابعها المبثوثة في مفاصل الدولة وأجهزتها الحساسة. ذلك أن خبرة الأشهر التي خلت والممارسات التي تمت خلالها أكدت بما لا يدع مجالا للشك وجود ركائز للدولة العميقة في مصر، جمعت أشتات الذين أضيروا من قيام الثورة وخصوم التوجه الإسلامي. وهؤلاء خليط من رجال الأجهزة الأمنية وأعضاء الحزب الوطني الذي هيمن طوال عهد مبارك الذين تحولوا إلى مراكز قوة في تلك المرحلة، فضلا عن بعض رجال الأعمال المحسوبين على ذلك النظام، إضافة إلى شخصيات نافذة في عالم البلطجة. وثمة لغط مثار حول مصادر تمويل الناشطين في ذلك المجال، داخلية كانت أم خارجية.
(3)
قبل أسابيع قليلة نشرت إحدى الصحف أن الدكتور هشام قنديل رئيس الوزراء سمح لرجال الشرطة أن يستخدموا الرصاص الحي ضد المتظاهرين. وفوجئ الرجل بذلك لأن الخبر كان مكذوبا من أساسه، فقدم بلاغا إلى النيابة العامة ضد الجريدة طالبا فيه التحقيق في ادعائها. وقال لي إنه استغرب ليس فقط لإقدام الجريدة على اختلاق الخبر، ولكن لأن بلاغه لم يتم التحقيق فيه، الأمر الذي دفعه إلى الاتصال بوزير العدل ليستفهم منه عن سبب تجاهل بلاغه. نفس الشيء حدث مع وزير التنمية المحلية الدكتور محمد علي بشر الذي نقلت الجريدة ذاتها على لسانه اتهامه للحكومة بأنها عاجزة، ولأن الكلام لم يصدر عنه، فإنه قدم بلاغا مماثلا إلى النيابة. لقي نفس مصير بلاغ الدكتور هشام قنديل.
هذا النوع من الأخبار المكذوبة، أصبح أحد الأسلحة المستخدمة في تسميم الأجواء وإشاعة البلبلة في المجتمع. إذ منها ما يسعى إلى استثارة الجيش وإقحامه في الصراع السياسي والتلويح بإقالة قادته وفي مقدمتهم الفريق عبدالفتاح السيسي وزير الدفاع، ومنها ما يتحدث عن مخططات أخونة الشرطة والجيش، أو يروج للتقارير التي تستهدف التخريب والترويع تارة، واغتيال بعض الشخصيات تارة أخرى. ولحبك العملية فإن ذلك يتم من خلال اصطياد مجهولين أو ملتاثين يتبنون هذه المواقف. هذا بخلاف الشائعات عن «قطرنة» مصر، وبيع قناة السويس لقطر، وتسليم سيناء لحركة حماس، وغزو إيران لمصر، وقد سمعت من مسؤول بالدولة أن رئيس الجمهورية الإيرانية أحمدي نجاد حين جاء إلى القاهرة للمشاركة في القمة الإسلامية، فإنه أحضر معه 70 مليون دولار محملة في حقائب وسلمها إلى السفارة الإيرانية بالقاهرة لاستخدامها في مخططات الغزو والاختراق المزعومة. ولم تدهشني الشائعة بقدر ما استغربت تصديق الرجل لها، وهو المسؤول المحترم.
كنت قد رصدت تلك الوقائع في أحد الأعمدة قبل عشرة أيام، وقلت إنها صدى للمعارك التي خاضها إعلام مبارك، الذي أدار ظهره لما يقوم به الأمريكيون والإسرائيليون في مصر، واعتبر أن خصومته ومعركته الإستراتيجية هي ضد الإسلاميين في الداخل وضد حماس وإيران وقطر في الخارج. وأردت بذلك أن أنبه إلى أن إعلام مبارك لا يزال حاضرا وفاعلا في مصر بعد الثورة، وأن أبواقه لا تزال تواصل بثها في ذات المسارات التي حددها نظامه، الأمر الذي لم يمكن للأصوات الوطنية والمستقلة من أن تعبر عن الواقع الذي استجد بعد الثورة، وفاقم المشكلة أن بعض معارضي النظام لجأوا إلى تطبيع علاقاتهم مع إعلام مبارك، فاستخدموا منابره لرفع أصواتهم وتوصيل رسالتهم، وتصور بعضهم أنه يدافع عن أهداف الثورة، في حين أنه يتحرك في حضن الثورة المضادة.
(4)
ما سبق ذكره يسلط بعض الضوء على جوانب من مخلفات النظام القديم وصعوبات إقامة النظام الجديد، ولست أشك في أن تلك الخلفية لها أثرها في تعقيد حسابات الرئيس محمد مرسي وبطء حركته وربما في تردده. ولا أعرف بالضبط إلى أي مدى أثرت على قراراته. وفي هذا الصدد فلا مفر من الاعتراف بأننا لا نكاد نرى في تلك القرارات ما يعبر حقا عن تطلعات الثورة، ذلك أنها وباستثناء قرار حل المجلس العسكري بدت إصلاحية في عمومها، ومن ذلك النوع الذي يمكن أن يصدر عن أي حكومة حسنة النية، ودونما حاجة إلى ثورة تطيح برأس النظام وتزلزل قواعده، وتسيل فيها دماء ويسقط شهداء كثر جراء ذلك.
ذلك كله لا يعفي الرئيس محمد مرسي وإدارته من المسؤولية، لأنه من الطبيعي أن تواجه الثورة تحديات داخلية وخارجية (دولية وإقليمية) أثناء سعيها لإقامة النظام الجديد. وفي هذه الحالة تقاس الكفاءة بمعيار قدرة النظام الذي أفرزته الثورة على مواجهة تلك التحديات. ورغم أن ثمانية أشهر من حكم الرئيس محمد مرسي لا تكفي للحكم على تجربته، إلا أن خبرة الأشهر الثمانية كشفت عن ثلاث ثغرات أو عورات أساسية أحسب أنها عوقت بدورها التقدم صوب إقامة النظام الجديد، وهذه العورات تتمثل فيما يلي: غياب الرؤية ــ قلة الخبرة ــ سوء التقدير. وبسبب غياب الرؤية وجدنا الرئاسة تمضي على ذات الطريق الذي رسمه النظام السابق، وذلك أوضح ما يكون في السياسة الاقتصادية التي علقت الآمال على الاقتراض من صندوق النقد الدولي وعلى دور رجال الأعمال في صناعة القرار السياسي. وبسبب الخبرة ارتبكت عملية صناعة القرار ولم تنجح الرئاسة في مخاطبة الرأي العام والتواصل معه. الأمر الذي غيب الشفافية عن الكثير من ممارساتها. وبسبب سوء التقدير انقسم الصف الوطني وفشلت مساعي التوافق مع بقية القوى السياسية، الأمر الذي أضعف موقف الرئيس بل أضعف موقف الثورة كلها سواء في مواجهة فلول النظام السابق أو قوى الضغط في الخارج.
الأفق ليس مسدودا كما يبدو لأول وهلة. إذ لا يزال أمام الرئيس مرسي مهمتان لكي يتقدم على طريق إقامة النظام الجديد. الأولى عاجلة تتمثل في إطلاق مبادرات تستلهم روح الثورة وأهدافها خصوصا ما تعلق بتحقيق العدل الاجتماعي ومواجهة مشكلتي العشوائيات والبطالة، أو ما تعلق بتطبيق الحد الأدنى والأقصى للأجور، أو باستصلاح الأراضي وتوزيعها على الفلاحين...الخ. أما المهمة الثانية والآجلة فتتمثل في تفكيك مؤسسات الدولة القديمة وإعادة هيكلتها، والعمل على استثمار الطاقات والخبرات والإمكانيات الوطنية المحلية واعتبارها قاطرة التنمية والاستقلال الاقتصادي. وهذه مجرد أمثلة استلهمتها مما سمعته من خبراء ناقشتهم في مخارج الأزمة التي تمر بها مصر، في المقدمة منهم الدكاترة حازم الببلاوي ومحمد محسوب وعماد الدين شاهين وحامد الموصلي. ولست أشك في أن الإنصات إليهم هم وأمثالهم يمكن أن يثري محاولة العثور على ضوء نهتدي به في مسعى إسقاط نظام مبارك، وإجهاض الدعوة للانتحار ووأد النظام الجديد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5742
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4926
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3093
| 24 سبتمبر 2026