رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما رمى جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني الأسبق والأكثر جدلا باستقالته على طاولة اللعب الإيرانية قبل نحو عامين، وصفتها صحيفة "ابتكار" الإصلاحية الإيرانية بالصرخة المرتعشة باعتبارها ورقة حظ بكل ما للكلمة من معنى، إما أن تصيب وإما أن تخيب، ثم لم تؤت أكلها ومضى ظريف. كان ظريف في نظر خصومه عميلا للغرب، خائضا في الثقافة الغربية حتى أخمص قدميه وحمَّلوه ما حدث في الاتفاق النووي عام 2015 باعتبار ذلك كان نتيجة مؤامرة نفذها هو مع فريقه لإضعاف إيران وتحويلها إلى دولة مهمشة إقليميا. أواخر الأسبوع الماضي لوّح رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك باستقالة لم يقدمها رسميًا، ورمى بها في طاولة تعتريها فوضى مشهد سياسي مسدود الأفق، فبدت ورقة الاستقالة أكثر من صرخة مرتعشة وأقل من مناورة محسوبة العواقب والنتائج.
لكن إلى أي بريد كانت تلك الاستقالة موجهة؟ هل كانت موجهة لمجموعة الحرية والتغيير المبعدة؟ أم أنها موجهة للمكون العسكري في السلطة الانتقالية ممثلة في الجنرال عبد الفتاح البرهان؟ أم أنها موجهة إلى الخارج لاسيما دول الترويكا (على رأسها واشنطن ولندن) الداعمة له لدرجة وصفه من البعض برئيس وزراء الترويكا، أم أن هذه الاستقالة موجهة لجميع هذه الأطراف معا؟. توقيت وصيغة خبر الاستقالة توحي بكثير من المستبطنات؛ فقبيل تسريب خبر الاستقالة للإعلام العابر للقارات قضى حمدوك اليوم السابق لتلويحه بالاستقالة في إصدار قرارات عديدة تجب ما قام به الجنرال البرهان في سياق ما أسماه بتصحيح المسار في 25 أكتوبر الماضي حيث تم بموجب ذلك إقالة حمدوك وحكومته وحاضنته السياسية قبل إعادته لمنصبه في 21 نوفمبر متمتعا بصلاحيات تنفيذية واسعة، ونظر الكثيرون لقرارات حمدوك باعتبارها خطوة في اتجاه تصفية قرارات البرهان الذي لاذ بصمت بهيم تجاه إجراءات حمدوك. وذلك قد ينفي جدية حمدوك في الاستقالة. وبموازاة ذلك تم تسريب الخبر عمدا ما يبدو لوكالة رويترز للأنباء التي ابتلعت الطعم أو أنها شريك في الهدف. فخبر تصدّره رويترز لابد وأن يكتسب صدقية عالية فضلا عن الزخم الذي من الممكن أن يحدثه الأمر الذي يدعم هدف حمدوك المستبطن والمستهدف لاعبين حول الطاولة.
بالفعل وقبل أن يتأكد حمدوك من وصول رسالته إلى وجهتها أو وجهاتها فقد أعلن تراجعه عن استقالته قبل مضي 24 ساعة على خبر رويترز، بزعم تدخل مسؤولين في الحكومة وسياسيين طلبوا منه عدم الاستقالة والاستمرار في منصبه من أجل استقرار البلاد. وإن كانت رسالة الاستقالة موجهة للبرهان فإن البرهان لم يقاوم أو يعترض القرارات التي قصد بها حمدوك محو قراراته واستفزازه بها أو حتى اختبار مدى قوة صبره على الاستفزاز ونجح بامتياز. وعليه فإن احتمال أن تكون الاستقالة موجهة لبريد البرهان احتمال يبدو ضعيفا. أما احتمال أن تكون الرسالة موجهة لبريد الترويكا، فلا يبدو كذلك واردا باعتبار أن ما بين حمدوك و"حاضنته" الخارجية أكبر من علاقة مطالب ينتظر الاستجابة وقد يضطر ممارسة ضغط ما. فالذي يربط الطرفين علاقة تنسيقية قوية، ولذا فإن حتى تسريب الخبر وتوقيته والجهة المنفذة أمر كان مقضيا ومتفقا عليه.
لكن يبدو أن الرسالة موجهة بالأصالة إلى بريد قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي) حاضنته السياسية الداخلية السابقة والتي تشوش عليه اليوم وتقوم بدور معارض شرس له حدّ من قدرته على تشكيل حكومته التي وعد بها قبل أكثر من شهر بُعيد توقيع الاتفاق السياسي مع البرهان في 21 نوفمبر الماضي. بل قد يكون البرهان مستفيدا من استقالة حمدوك إذا ما تمت، إذ إنه فعل ما عليه وأعاد حمدوك مستجيبا للضغوط الدولية لا سيما الترويكا. بل إن غياب حمدوك سيفسح له المجال لتعيين رئيس وزراء بمواصفاته، طيع لين.
حمدوك اليوم لا يشعر بقدرته على إحداث توافق سياسي مع تصاعد الاحتجاجات الرافضة لاتفاقه مع البرهان والتي تقف من وارئها قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي). وقيل إن حمدوك مستاء جداً من موقفها وتصعيدها لخطاب سياسي ضده شخصياً، ورفضها كذلك مناقشة مشروع ميثاق سياسي مقترح من شخصيات قومية يدعمه حمدوك. وتريد قوى الحرية والتغيير التي فقدت مناصبها واستئثارها بالسلطة من حمدوك أن يقف معها ضد البرهان ويتحلل من اتفاقه السياسي معه. لكن ذلك لا يبدو واقعيا ولا ممكنا. كما لم يكن حمدوك سعيدا حتى ما قبل إجراءات البرهان التي تسميها قوى الحرية والتغيير بالانقلاب، فقد كانت قوى الحرية متشاكسة ومتناحرة بشكل عطل العمل التنفيذي تماما وكشف ضعف حمدوك نفسه مما دعا البرهان للقيام بتحركه في 25 أكتوبر الذي أفقد قوى الحرية مواقعها وسلطتها التي استحوذت عليها وأقصت بقية القوى حتى تقلصت أحزاب قوى الحرية إلى 4 أحزاب فقط مهيمنة ومسيطرة.
إذن فإن حمدوك في رسالته لقوى الحرية والتغيير يعوّل على أن تعي أن استقالته ستمثل خسارة كبرى لها وهي تقاوم المكون العسكري. كما أن وجوده سيمكنه باستمرار من اتخاذ مجموعة من القرارات تساهم في تخفيف القبضة العسكرية على مفاصل الدولة. ويوحي حمدوك لقوى الحرية المعارضة كذلك أن استقالته ستجعل البرهان ورفاقه يتحركون لاستعادة السيطرة على مواضع سيطرتهم التي فقدوها بسبب عودة حمدوك.
إلى هذا فلا يتوقع أن تغيّر محاولات حمدوك شيئا في الواقع المأزوم فالرجل نفسه جزء من المشكلة وليس جزءا من الحل. فلم يعرف عن حمدوك الموظف الأممي السابق قدرات سياسية خارقة تناسب المشهد السياسي السوداني المعقد ولم يبد أي خبرة في تعاطيه مع مسؤولياته في الفترة السابقة أو حتى يتعلم من أخطائه. من الأساس بدا للكثيرين أن إعادة حمدوك لرئاسة الوزراء كانت إعادة لإنتاج الأزمة وهذا ما يبدو حادثا اليوم.
yasir_mahgoub@
الميديا الغربية تحت ضغط الحقائق
رغم ارتباط الميديا في الغرب بالنظم السياسية في عموم أدائها لوظائفها لاسيما عندما يرتبط الموضوع بالشؤون المتعلقة بالآخر،... اقرأ المزيد
975
| 08 سبتمبر 2024
صراع البحر الأحمر.. مرحلة كسر العظم
كثير من المؤشرات تؤكد أن أفريقيا هي الميدان الأكثر سخونة للصراع الدولي على الموارد، والممرات البحرية الدولية. والمتصارعون... اقرأ المزيد
792
| 01 سبتمبر 2024
تحديات ما بعد الحرب والأزمة السياسية
فيما تسابق الحكومة الأمريكية ممثلة في الحزب الديمقراطي الحاكم الزمن لاهثة لإضافة أي إنجاز خارجي تدعم به حملتها... اقرأ المزيد
1194
| 25 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3024
| 24 سبتمبر 2026