رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
* يجب اتخاذ إجراءات رادعة بحق " لصوص " المشاريع
* الأمطار لم تحدث انهيارا في جدران خرسانية أو تتسبب بدخول أمطار إلى مقرات حكومية.. بل تسببت في انهيار الثقة بين المواطنين والجهات المعنية والشركات المنفذة
* لا نقبل حدوث خطأ أو تقصير في مشاريعنا الخاصة.. فلماذا نقبل ذلك في مشاريع الدولة؟
* المليارات التي صرفت على هذه المشاريع والمباني والبنى التحتية اكتشفنا اليوم أنها قد "دفنت" وذهبت أدراج الرياح
على قدر وحجم الاستياء الشعبي الذي ظهر على خلفية العيوب " الفاضحة " التي كشفتها الأمطار اليوم، كان الرضا بالتوجيهات التي أصدرها معالي الشيخ عبدالله بن ناصر آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، باحالة جميع الجهات المعنية والشركات المنفذة للمشاريع التي كشفت عيوبها الأمطار إلى التحقيق ومن ثم إلى النيابة العامة، وهو ما تم بالفعل بتحويل خمس شركات حتى الآن إلى التحقيق، وسوف تتم محاسبة الجهات المسئولة عن التقصير أو الاهمال سواء كانت حكومية أو خاصة.
هذه الخطوة تأتى ترجمة لتأكيد سمو الأمير المفدى في خطابه الأخير أمام مجلس الشورى عندما شدد سموه على أنه " لن نتسامح مع الفساد المالي أو الإداري، او استغلال المنصب العام لاغراض خاصة، أو التخلى عن المعايير المهنية لمصلحة شخصية ".
ما حدث اليوم، والعيوب التي كشفتها أمطار تعد عادية، ولم تستمر أكثر من 150 دقيقة لا يمكن وصفها بأقل من " الفضيحة "، فما حدث ليس انهيارا في جدران خرسانية، أو دخول مياه إلى مقرات حكومية، بل أكبر من ذلك بكثير.. إنه انهيار ثقة بين المواطنين وبين الجهات المعنية والشركات المنفذة للمشاريع، وهذا هو الأخطر.
نعم قرار رئيس مجلس الوزراء اشاع الأمل باعادة تصحيح الأمور، ومحاسبة المقصرين أيا كانت مناصبهم ودرجاتهم، وأيا كانت المؤسسات التي يديرونها أو مرجعية هذه الشركات المنفذة للمشاريع، فعلى قدر هذه المحاسبة والإجراءات المتخذة تجاه المقصرين، سنجنى ثمار ذلك في المشاريع التي تنفذ حاليا، أو تلك المستقبلية.
فلا يعقل أن مشاريع " مليارية " سواء كانت حكومية أو خاصة ثم لا تصمد امام أمطار عادية، وهى التي استمر تشييدها سنوات، كما هو الحال بالمطار، الذي انتظرته الدولة وانتظره المجتمع سنوات، وتضاعفت الموازنة المخصصة له مرات عدة، لتصل لنحو 17 مليار دولار، وسنوات من الانتظار، ثم تكون النتيجة ما شاهدناه اليوم.
والأمر نفسه مع مشاريع حكومية اخرى، ان كانت مدارس او مبانى حكومية، والتي تحولت إلى " برك " من المياه، ثم مشاريع البنى التحتية، التي هى الاخرى صرف عليها المليارات، فكانت النتيجة أن ظهرت " عورتها " مجددا — في هذه الأمطار.
وكذلك بالنسبة للمشاريع الخاصة التي لم يكن الكثير منها بأفضل حالا من المشاريع الحكومية، فبات الجميع — الحكومية والخاصة — في مستوى متدن من الكفاءة والجودة، وهو ما يجعلنا نتساءل: اين المشكلة؟ واين الخلل؟.
جميعنا لا يقبل أن تنزل " قطرة " ماء في منزله الشخصى إذا ما هطلت الأمطار، ولا يقبل خطأ بسيطا في مشروع خاص يديره، لكن هذا الحرص لا يظهر للأسف الشديد عندما ندير مشاريع حكومية تخدم المجتمع، ولا نعمل جاهدين وباخلاص كما لو كان هذا المشروع مشروعنا الشخصي، فنترك المتابعة والمراقبة لأطراف لا تعير أى اهتمام للجودة أو الكفاءة..، المهم ان نصيبها من " كعكة " المشروع يصلها، بل إن هناك البعض من المسؤولين يقومون بإنشاء شركات مع أشخاص آخرين، ومن ثم ارساء مشاريع ومناقصات مليونية إذا لم تكن مليارية إلى تلك الشركات الخاصة به، وفي كثير من الاحيان بأوامر مباشرة، دون حياء أو خجل، في غياب ضمير حي بالطبع.
واقعة اليوم يجب ألا تمر مرور الكرام، أيا كان المتسبب فيها، فالمحاسبة والعقاب يجب ان يطول كل المتسببين في هذه " الفضيحة " غير المقبولة، فالمليارات التي صرفت على هذه المشاريع والمبانى والبنى التحتية، اكتشفنا اليوم انها قد " دفنت "، وذهبت أدراج الرياح.
نعم هناك مشاريع نفخر بها، وهناك جهود مبذولة من قبل العديد من الجهات، ومن قبل العديد من المسؤولين كذلك، فلا يمكن أن نغفل هذا الجانب، إلا أن " مأساة " اليوم أكبر من أن يُسكت عنها، فلا يمكن تبريرها تحت أى مسمى كان، ولا يمكن القبول بأى اعذار من اى جهة كانت، ويظهر ان " البحبوحة " المالية التي كانت عليها الدولة في سنوات مضت، والمخصصات المالية التي ضخت للوزارات والمؤسسات لتنفيذ المشاريع، استغلها البعض للاسف الشديد استغلالا سيئا، فاعتقد أنه بوجود الفوائض المالية يمكن التغطية على أى قصور في أى مشروع، بل على أى فساد في أى مشروع، ومن ثم تجاوز ذلك، والبدء بصفة أخرى من المشاريع فيها من الفساد ما لا يقل عن سابقه.
المطلوب اليوم الضرب بيد من حديد على كل المخالفين، و" لصوص " المشاريع، ومحاسبة كل المقصرين بمعيار واحد، واتخاذ إجراءات حقيقية مع الشركات التي تنفذ المشاريع، والاعلان عن ذلك، سواء عن الشركات المقصرة او الاجراءات التي اتخذت حيالها، وهو ما يحدث في الكثير من الدول، ففي ذلك يمثل ردعا لها ولأمثالها، ممن تسوّل له نفسه التلاعب بالمال العام، او الاستفادة من المشاريع بصورة شخصية، وحرمان كل من ثبت عليه ذلك من المشاريع، واستبعاده تماما من السوق المحلي.
البلد ورشة عمل مفتوحة، والمشاريع التي تنفذ تتجاوز 100 مليار، وهو ما يتطلب فرض رقابة مشددة، ومراجعات أولا بأول، والتأكد من جودة وكفاءة وصلاحية هذه المشاريع، بحيث لا تتكرر هذه الأخطاء، حتى لا نصحو يوما أيضا على مثل هذه " الكوارث " و"الفضائح " التي تسيء إلى صورة وسمعة دولة قطر.
كما ان الطبيعة الجغرافية لدولة قطر تؤهلها لتنفيذ مشاريع بكلفة أقل، وكفاءة أعلى، مقارنة مع دول اخرى في المنطقة أو العالم، ولكن للاسف لم نجد ذلك في السنوات الماضية، بل على العكس كانت ارقام المبالغ المالية " فلكية " للمشاريع، التي تعد الأعلى لمثيلاتها في العالم، وفي أحيان كثيرة نفس المشروع تجده ينفذ في قطر بثلاثة أو أربعة أضعاف ما ينفذ في بلدان أخرى.
البكاء على " اللبن " المسكوب غير مجد، إنما المجدي هو عدم سكب " اللبن " مرة اخرى، وعدم تكرار هذه الأخطاء " الكارثية "، والبدء بمرحلة جديدة من المحاسبة والمراقبة والتقييم والإجراءات الرادعة للمخالفين بكل صرامة وجدية، بعيدا عن المحسوبيات والواسطات، والتأكيد على أن مصلحة الوطن فوق الجميع، فليس هناك من هو فوق القانون، فالجميع سواسية، فإذا لم يكن للشخص أى وازع من ضمير، فان القوانين يجب ان تكون له بالمرصاد، لتوقفه عند حده، وتقطع الأيادى التي تمتد للمال العام دون وجه حق.
هذا العبث بالمال العام يجب ان يتوقف، وهذه التجاوزات التي اعتاد البعض عليها يجب ان يتم وضع حد لها، فالدولة والمجتمع ليسا على استعداد لدفع المزيد من التضحيات من أجل مصالح شخصية، ومنافع أفراد وشركات، لا يراعون دينا أو ضميرا.
إن تبعات ما حدث من أخطاء في المشاريع التي ظهرت عيوبها في أمطار اليوم كانت مكلفة على سمعة الدولة، ومكلفة في استنزاف المال العام، ومكلفة في تدمير مقدرات المجتمع..، وهو ما يجب أن يدفع بالدولة باجراء مراجعات حقيقية، واتخاذ إجراءات رادعة وصارمة تجاه المخالفين، والضرب بيد من حديد على حاملي معاول هدم المجتمع، الذين خانوا الأمانة التي أوكلت لهم من خلال المشاريع التي يتولون الإشراف عليها أو تنفيذها.
آن الأوان لاتخاذ عقوبات مشددة، وإجراءات رادعة بحق " لصوص " المشاريع، كما هو الحال مع " لصوص " المال العام على حد سواء، فدولة القانون والمؤسسات هى التي ينشدها المجتمع، ويؤكد عليها الدستور الدائم.
دور الوسطاء في حرب إيران
من العجيب أن تواصل الولايات المتحدة الأمريكية تهديدها بضرب إيران ولا تزال المنطقة صامتة إزاء هذا التهديد الصريح... اقرأ المزيد
54
| 23 فبراير 2026
سلام عليك في الغياب والحضور
لم أفهم معنى أن يكون للطفولة ظلٌّ يحرسها من الخوف، إلا بعد أن كبرتُ واكتشفتُ أن بعض الظلال... اقرأ المزيد
33
| 23 فبراير 2026
شعاب بعل السامة
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما زالت تتساقط في فضاء واقع ما زالت فيه ترسبات أحداث... اقرأ المزيد
39
| 23 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم المنتشر في معظم مناطق قطر، حيث يرتاده كثيرٌ من أبناء الجاليات الآسيوية الكريمة، كان “راشد بن علي” يجلس مع صديقه الهندي “رفيق سراج”. عشرون عاماً ورفيق يعمل “سائقاً”، واليوم حانت لحظة الوداع. قبل أن يحزم حقائبه عائداً إلى بلاده، أراد أن يودّع “مديره السابق” بلمسة وفاء، فدعاه إلى قهوة على حسابه في هذا المجمع المعروف. راشد (مبتسماً): “رفيق، أنت يعرف، أنا ما في يجي هذا مكان، هذا كله عشان خاطر مال أنت.” رفيق (يهز رأسه): “شكرا، ما شاء الله نفر قطري كل زين، كل في طيب،… بابا راشد في سؤال: أنت وين روح اشتري أغراض بيت مال أنت؟” راشد: “أنا روح دايم (الميرة)، هذي شركة مال دوحة، لازم أنا سوي دعم.” رفيق: “أنت نفر واجد سيده، لازم يسوي دعم بلاد مال أنت.” غرق الاثنان في بحر الكلام والذكريات. وعند الوداع، غادر رفيق بدموع الوفاء، وبقي راشد وحيداً يتصفح رسائله على هاتفه. وفجأة… تيت تيت… بيب بيب… وصل “أمر العمليات” من القيادة العليا؛ “أم علي” نصيرة “الميرة”، والمنتج الوطني، قائمة طويلة من طلبات البيت لا أول لها ولا آخر، تبدأ بنص الرسالة: “إذا رحت (الميرة) جيب لنا ونبي………” نظر راشد حوله؛ الوقت ضيق والساعة متأخرة ليلاً، وهذا المجمع الذي يجلس فيه يوفر كل شيء. لكنه كان يتلفت يمنةً ويسرةً يخشى أن يُضبط متلبساً بـ”خيانة تموينية”. تلثم بغترته وقال في نفسه: “سامحيني يا أم علي يا أم الخير”. أخذ عربة التسوق متلثماً، وعند “الكاونتر” وضع الأغراض، فظهر المبلغ: 1500 ريال. ابتسم المحاسب الآسيوي وبدأ الحوار: المحاسب: “بابا، أنت في قطري؟” راشد (مستغرباً): “نعم، قطري، ليش رفيق…؟” المحاسب: “أنت في متقاعد؟” راشد: “نعم، Why…؟” المحاسب: “بابا، جيب بطاقة مال تقاعد.” أخرج راشد البطاقة متردداً وهو يتساءل، مرّرها المحاسب، وفجأة انخفض الرقم على الشاشة! المحاسب: “ما شاء الله بابا، واجد زين! أنت في خصم 5%.” توقف راشد لحظة صمت ودهشة وتلعثم… 75 ريالاً خُصمت في عملية واحدة فوراً تقديراً للمتقاعد القطري! فكّر في هذا المجمع التمويني التسويقي الخارج عن حسابات “أم علي” وتقديراتها، وكيف وجد فيه ترحيباً وتكريماً وتقديراً لم يتوقعه أبداً للمتقاعد القطري، وهو الذي لم يدخله يوماً من باب الولاء للمنتج الوطني. رفع يده للسماء وقال: “الله يسهّل عليك في حلالك يا يوسف بن علي… وجزاك الله ألف خير نيابةً عن كل المتقاعدين القطريين… عز الله إنك شنب ”. خرج راشد متلثماً ومعه “ماجلة أم علي ” إلى البيت، وهو “يحنحن” ويهوجس: أحياناً تسوقنا الأقدار إلى أماكن نتجاهلها ولم نعتدها، لنكتشف أن التقدير قد يأتي من حيث لا نحتسب… ومن “الغريب” قبل “القريب”. الأرض واسعة والناس شتى، والرزق عند الله لا عند البشر.
1014
| 16 فبراير 2026
مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد لله الذي بلغنا شهر الصيام والقيام، يحلّ علينا ونحن في شوق كل عام لهذا الضيف العزيز، الذي جعله الله محطة لتزودنا بالتقوى والزهد، والسكينة تعلو فيه الهمم، وتنكسر فيه حدة الشهوات والتعلق بملذات الحياة. وهذا كله من الحكم التي من أجلها فُرض الصيام تصديقًا لقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) [البقرة] وضع الله سبحانه وتعالى التقوى غاية للمسلم، التي من أجلها فُرض الصيام، فهي ثمرته الحقيقية التي يصل بها إلى بلوغ المرام، وبها يتعلم الإنسان ويتدرب ويتعوّد على ضبط شهواته، ومراقبة ربه في السر والعلن. في رمضان فرصة عظيمة لنجدّد العهد مع الطاعة، ونقوي تواصلنا وعلاقتنا بالخالق سبحانه وتعالى. فعلى الرغم من أن فريضة الصيام لا تتكرر إلا مرة في العام، إلا أن لها أثرًا عظيمًا في القلوب، وتغييرًا عميقًا في السلوك لمن أحسن استغلال هذه الأيام واغتنام نفحاتها. والصيام في المجمل من أجل الأعمال، وأعظمها أجرًا، ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به) رواه البخاري. فإبهام جزاء الصوم من الله تعالى يعد تشريفًا لهذه العبادة لم تنله عبادة أخرى. كل هذا الفضل والرفعة في الصيام على إطلاقه، فكيف بصيام الفريضة، الذي أوضح لنا النبي الكريم ﷺ ثوابه العظيم، فقال: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه. فاللهم وفقنا لصيام هذا الشهر الكريم احتسابًا، وأعنّا فيه على بلوغ التمام، وارزقنا في هذا الركن الثمين العفو والمغفرة، وزودنا يا الله بالتقوى والإخلاص في القول والعمل، يا رب العالمين.
876
| 18 فبراير 2026
لقد نظم المُشرع القطري الجرائم التي يتم ارتكابها عبر الوسائط الإلكترونية والعقوبات المقررة لها والإجراءات التي تتم بشأن مكافحتها ضمن القانون رقم 14 لسنة 2014 بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية، وقد أناط من أجل ذلك بجهاز النيابة العامة مهام جمع الأدلة والإثباتات حول ملابسات ارتكابها، وأوكلها سلطة التحقيق من أجل بيان الحقيقة بشأنها. ونظرا لخصوصية هذا النوع من الجرائم التي يختلف فيها مسرح الجريمة عن باقي الجرائم الأخرى، فإن إجراءات التحقيق وجمع الأدلة المثبتة لها بدورها تختلف عن الإجراءات الواجب اتباعها عند الاستقصاء عن الجرائم الأخرى. والمقصود بمسرح الجريمة هنا هو العالم الافتراضي الذي يمكن وُلُوجه عبر وسيط إلكتروني سواء عبر الإنترنت أو أي وسيلة أخرى تحقق من خلالها الفعل الجرمي الذي يصبح موضوع بحث من طرف النيابة العامة، ومن هنا تبدأ هذه الأخيرة في التقصي عن نسبة الجريمة الإلكترونية للشخص موضوع الاتهام، وتصبح مهمتها تحديد مدى إمكانية ولوج ذلك الشخص إلى الوسيط الإلكتروني موضوع الجريمة، وهل ثبت لديها حقا ارتكابه للفعل موضوع البحث والتحقيق أم لا. ولا يمكن حدوث ذلك إلا إذا سمح القانون للنيابة العامة بالتحري والاطلاع على علاقة ذلك الشخص بالوسائط الإلكترونية، والاستعلام عن الوسائل التي يستخدمها في حياته الاعتيادية وربطها بالجريمة، حتى وإن كان ذلك يبدو فيه مساس بحياته الشخصية وأموره الخاصة به، لأن الوسائل التقليدية للبحث والتحقيق لن تفيد في الوصول إلى الحقيقة. إن بعض الجرائم الإلكترونية من أجل كشف غموضها والوصول إلى فاعليها لا يكفي فقط الاطلاع أو الاستعلام عن الوسائط الإلكترونية والوسائل الخاصة بالمتهمين، بل يستدعي الأمر أحيانا بحثا معمقا من طرف النيابة العامة لن ينجح إلا عن طريق الاحتفاظ بتلك الوسائل وحرمان المتهم منها لغاية انتهاء التحقيق بشأنها، مثل الهواتف المحمولة أو أجهزة الحاسوب أو أية وسيلة أخرى يشتبه ارتكاب الجريمة بواسطتها، بل أحيانا يتطلب البحث والتحقيق إلزام المتهم بترك حساباته على بعض مواقع التواصل مفتوحة ورهن استعمال جهات التحقيق، بل قد يكون ملزما بتزويدهم باسم المستخدم وكلمة المرور. تأكيدا لذلك فقد نصت المادة 18 من القانون رقم 14 لسنة 2014 على حق النيابة العامة في أن تأمر كل مشتبه في ارتكابه جريمة إلكترونية بتسليم أية أجهزة أو أدوات أو أية معلومات مثل بيانات المرور تفيد في الكشف عن حقيقة الجريمة، وليس له حق مواجهتها بالخصوصية أو السرية حتى لو تعلق الأمر بأسرار المهنة، اعتبارا لكون البحث والتحقيق في الجريمة الإلكترونية من النظام العام الذي يهدد المجتمع، وهو أولى بالحماية من المصلحة الشخصية أو السرية المهنية للمشتبه فيه، واعتبارا كذلك لكون النيابة العامة بصفتها ممثلة المجتمع لن يضر اطلاعها على المعطيات الشخصية للمتهم في شيء، بل المفترض أن حدود اطلاعها وبحثها سوف تتم في إطار ما يهم الجريمة موضوع الاتهام، ولا يهمها الاطلاع على باقي ما يخص حياة المشتبه فيهم. ولم يحدد القانون مددا معينة للاحتفاظ بالأجهزة المشتبه باستخدامها في ارتكاب الجرائم الإلكترونية مثل الهواتف المحمولة وأجهزة الحاسوب، إذا لا نجد التنصيص على أدنى مدة أو أقصاها، بل ترك المشرع المجال مفتوحا، لكنه من الناحية المنطقية فإن الاحتفاظ بتلك الأجهزة مدته مرتبطة بمدى الانتهاء من التحقيق بشأنه، فإذا تبين للنيابة العامة على سبيل المثال أن الهاتف المحمول المحتفظ به لا يحمل أي دليل أو شبهة تدين المتهم أو تفيد في الوصول إلى المتهم الحقيقي وإيضاح معالم الجريمة، يمكنها أن تعيده لمن يخصه بمجرد تأكدها من ذلك سواء تم ذلك خلال ساعات أو يوم أو أكثر، أما إذا ظهر لها أن ذلك الهاتف يحتاج مزيدا من الاستعلامات أو إعادة مخزون محذوف منه، أو الاستعانة بخبرة بشأنه وأن الأمر يتطلب أياما أو شهورا فإنه يجوز لها الاحتفاظ به طيلة تلك المدة. وإذا كانت للنيابة العامة حرية مطلقة بالتحفظ على الأجهزة والوسائل والبيانات التي تساهم في حل خيوط الجريمة الإلكترونية، فهي ملزمة في المقابل بالمحافظة على تلك الأشياء التي تحت تحفظها، بحيث لا يجوز لها محو بيانات أو تعديل معلومات أو تغييرها أو المساس بها لحين صدور قرار من الجهات القضائية بشأنها.
816
| 16 فبراير 2026