رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في الفراغ المخيم يعاد رسم خرائط العالم العربي هذه الأيام تحت أعين الجميع، بجرأة منقطعة النظير.
(١)
للمرة الثانية هذا العام نكأ الرئيس رجب طيب أردوغان جرحا غائرا في الذاكرة التركية، مثلته اتفاقية لوزان التي وقعت عام ١٩٢٣، وبمقتضاها تنازلت الدولة التركية عن ٨٠٪ من مساحتها الجغرافية، وهي الاتفاقية التي أنهت رسميا حكم السلاطين العثمانيين وبمقتضاها تخلت تركيا عن السيادة على قبرص وليبيا ومصر والسودان والعراق وبلاد الشام، المرة الأولى كانت حين اجتمع أردوغان في شهر سبتمبر الماضي مع «المخاتير» الأتراك «العمد» أما المرة الثانية فكانت يوم الأربعاء الماضي ١٩ أكتوبر أمام المؤتمر الدولي للقانون الذي عقد في إسطنبول.
كانت معاهدة لوزان هي آخر اتفاق وقع مع بلد هزم في الحرب العالمية الأولى، ورسمت الحدود الحالية لدول البحر المتوسط حتى إيران، بعد تفكك السلطنة العثمانية، وتم من خلالها الاعتراف بنظام مصطفى كمال أتاتورك مؤسس النظام الجمهوري.
كلام أردوغان أحدث صداه السريع في اليونان لأنه أشار في نقده للاتفاقية إلى أن تركيا تنازلت عن جزر قريبة «يستطيع سكانها أن يسمعوا أصوات المتحدثين في إسطنبول»، وفهم من ذلك أنه يقصد جزر بحر إيجة وتراقيا الغربية التي ألحقت باليونان وتعيش فيها الآن أعداد من المسلمين الأتراك. الأهم من ذلك أن حديثه استقبل باعتباره تلميحا إلى حقوق لتركيا في محيطها. الأمر الذي يبرر وجود قواتها في سوريا والعراق «حلب والموصل» صحيح أنه أكد مرارا على أن بلاده ليست لها أهداف توسعية، وأن العمليات التي تقوم بها خارج حدودها لا تستهدف أكثر من الحفاظ على أمن وحدود تركيا، إلا أن إيضاحاته لم توقف اللغط حول طموحات نظامه التي أيقظتها الفوضى الضاربة في محيطها وتكالب العديد من الدول على المنطقة بدعوى مكافحة الإرهاب والتصدي لمشروع الدولة الإسلامية «داعش»، (ذكر أردوغان أن عددها ٦٣ دولة). إلى جانب المشككين في الطموحات التركية، ثمة رأى آخر يشدد على أن أنقرة لا تتطلع إلى أي توسع جغرافي، لكنها متمسكة بالحفاظ على التركيبة السكانية التاريخية في محيطها، التي تضم أغلبية من العرب السنة فهي تتوجس من تحولها إلى أغلبية شيعية «في الموصل مثلا» تحسبا للنفوذ الإيراني، كما أنها لا تريد حضورا كرديا على حدودها يفاقم مشكلتها المزمنة مع حزب العمال الكردستاني.
(٢)
في حين تحارب تركيا في سوريا والعراق وتحتفظ بوجودها العسكري في «بعشيقة» فإن إيران ذهبت إلى أبعد وتمددت بنفوذها وقواتها العسكرية وخبرائها بحيث صارت أمرا واقعا وجزءا من المعادلة السياسية في سوريا والعراق واليمن إضافة إلى لبنان، حتى صرنا في سوريا والعراق بوجه أخص إزاء مشهد يعيد إلى الأذهان التناقض والصراع التاريخي بين العثمانيين والصفويين وعلى الرغم أن البلدين يحتفظان بعلاقات تجارية جيدة وسياسية هادئة، إلا أن الحاصل في سوريا ومعركة الموصل كشفا عن التعارض الواضح بين سياسات البلدين، إذ تقف إيران متحالفة مع روسيا إلى جانب نظام الأسد، في حين تقف تركيا ضده، أما في معركة الموصل الراهنة فهى تعارض اشتراك الحشد الشعبي المدعوم إيرانيا في تحرير المدينة من سيطرة داعش حفاظا على تركيبتها السكانية، كي لا تفرغ المدينة من سكانها السنة كما حدث في تكريت والفلوجة، وتتمسك بمشاركة طيرانها في حملة التحرير، إلى جانب مساندتها لقوات الحشد الوطني السنية، في الوقت ذاته فإن إيران تعارض مشاركة تركيا في التحرير وتقف وراء معارضة رئيس الوزراء العراقي لأي وجود تركي على الأراضي العراقية، ويعزز المخاوف المثارة على تركيب المدينة أن قائد الحشد الشعبي أعلن على الملأ أن قواته ذاهبة إلى الموصل للانتقام من قتلة الحسين.
ما يهمنا في الأمر أن العراق أصبح تحت السيطرة الإيرانية وأنه يعاد تشكيله من جديد جغرافيا وعرقيا ومذهبيا. وهو ما يحدث الآن بدرجات متفاوتة في سوريا وفي اليمن، وبعد ترشيح الجنرال عون المؤيد من حزب الله لرئاسة لبنان فإن ذلك يصب في صالح النفوذ الإيراني الذي لم يعد ممكنا تجاهله هناك.
لا غرابة والأمر كذلك أن يصبح لإيران دور وكلمة في رسم خرائط المنطقة، الأمر الذي فرض لها مكانا في المؤتمرات الدولية التي تعقد لذلك الغرض، ومن المفارقات التي تثير الانتباه في هذا الصدد أن حين رتب أمر مؤتمر بحث مستقبل سوريا في لوزان أخيرا «منتصف أكتوبر» فإن إيران هي التي اقترحت على الولايات المتحدة إشراك مصر فيه، وذكرت صحيفة الجارديان البريطانية أن وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف نقل الطلب إلى وزير الخارجية الأمريكي جون كيرى.
(٣)
الفراغ الحاصل فتح شهية الأكراد لتحقيق حلم دولتهم بعدما مزقتهم اتفاقية سايكس بيكو في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وإذا كان إقليم كردستان العراق قد صار مهيأ للاستقلال الآن، فإن الفوضى التي ضربت الدولة السورية شجعت أكرادها على إعلان النظام الاتحادي في إقليم الجزيرة الذي يمثل ثلث الأراضي السورية ويقع شمالي البلاد «يضم ثلاث محافظات هي الرقة ودير الزور والحسكة» وإلى جانب إعدادهم لدستور الدولة الفيدرالية التي يتطلعون إليها، فإنهم شكلوا بدعم أمريكي فصيلا عسكريا باسم قوات سوريا الديمقراطية، وكان تمدد تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» عاملا مهما وراء تسليح الأكراد الذي استهدف وضع حد لمخططات ذلك التنظيم، وكان لتلك القوات إسهامها المقدر في تحرير بلدة «كوبانى» «عين العرب» من سيطرة داعش الذي تم بغطاء جوى أمريكى.
حين شكل أكراد العراق وحدات حماية الشعب وأنشأ أكراد سوريا قوات بلادهم الديمقراطية، فإن تطلعات إقامة الدولية الكردية لم تعد أحلاما راودت البعض، وإنما صارت لها شواهدها على أرض الواقع، ولأن الكتلة السكانية الأكبر من الأكراد في المنطقة تقيم في تركيا «عددهم نحو ١٤ مليونا» فإن الأجواء المحيطة رفعت من معنويات حزب العمال الكردستاني الذي يتعلق بذلك الأمل ويحارب لأجله منذ أكثر من أربعين عاما، الأمر الذي كان له صداه لدى الحكومة التركية، خصوصا أن نشاط الأكراد السوريين يتم متاخما لحدودها الجنوبية.
تحريك الملف الكردي بالصورة الراهنة إذا قدر له أن يستمر فإن من شأنه قلب حقائق المنطقة وإعادة رسم خرائطها علما بأنهم يتوزعون على أربع دول أساسية إذا أضفنا إيران إلى سوريا والعراق وتركيا، وفي هذه الحالة فإن الحدود الجديدة لن ترسم بغير الدماء الأمر الذي يطلق شرارات فوضى لا يعلم حدودها إلا الله.
(٤)
والعالم العربي ممدد تتفاعل فيه عوامل الفوضى والتقسيم برز دور موسكو في سوريا، وصعد عاليا فوق جثة الشعب السوري بحيث أصبح نظام دمشق رهين الوافدين والإيرانيين من ناحية والروس من ناحية.
الإيرانيون توسعوا أفقيا في العالم العربي والروس توسعوا رأسيا في سوريا، وكل طرف كانت له إستراتيجيته، الإيرانيون كانت لهم أهدافهم السياسية والأيديولوجية، والروس كانت لهم حساباتهم السياسية وطموحاتهم العسكرية، وتحت بصر العالم العربي أطلق العنان للطرفين فمارس الإيرانيون كل ما بدا لهم في ساحات القتال والحسينيات التي انتشرت في قلب المجتمع ذي الأغلبية السنية، وجربت روسيا أسلحتها الجديدة وعززت قواعدها البحرية والبرية ولم تتردد في تدمير مدينة مثل حلب وسحق أهلها والمقاومين فيها بغير شفقة ولا رحمة. وهو ما لم يحرك شيئا في العالم العربي في حين علت أصوات الدول الغربية مطالبة بمعاقبة روسيا على جرائمها، ومن المفارقات المحزنة أنه في حين كان الروس يواصلون تدمير حلب فإن قواتهم كانت تجرى مناورات على «مقاومة الإرهاب» في الصحارى المصرية، وفي الوقت ذاته صادرت الحكومة البريطانية أموال بعض المؤسسات الروسية في بنوكها عقابا لها على ما فعلته في حلب.
في هذه الأجواء لم تكتف إسرائيل بحالة الاسترخاء الإستراتيجي التي لم تشهد مثلها في تاريخها، ولم تكتف بإطلاق أسرع حملة للاستيطان ولا بتدمير احتمالات القوة العسكرية السورية وتقليم أظافرها، وإنما ذهبت إلى أبعد. إذ تطلعت إلى إحياء مشروع سكة حديد الحجاز الذي بدأه السلطان عبد الحميد قبل ١١١ عاما ثم أجهضته بريطانيا، إذ أعلن في إسرائيل عن مشروع لتطوير السكة الحديد والإعداد لربطها بالمحيط الإقليمي، وبمقتضاها سيتم ربط ميناء حيفا بجسر الشيخ حسين في الأغوار الشمالية ثم يواصل مسيره إلى الأردن حيث مدينة إربد لينتهي إلى العاصمة عمان. وقيل إن الهدف من ذلك هو خدمة سكان المنطقة، إلا أن أهدافه البعيدة ليست خافية حيث ما عاد سرا أن العودة إلى إحياء خط الحجاز هي مدخل محتمل للدبلوماسية الإسرائيلية إلى شبه الجزيرة العربية، خصوصا بعدما لاحت في الأفق نذر التطبيع وشواهده، التي كشفت ما كان مستورا وجاريا في الظل، وحين انكشفت المساعي العربية في هذا الصدد، لم يكن مستغربا أن يكشف الإسرائيليون عن جانب من مخططاتهم لترجمة التطبيع إلى واقع ملموس للجميع.
لم أتحدث عن داعش والمنظمات الإرهابية التي برزت في الساحة العربية خلال سنوات التشرذم والفوضى لأنها مجرد فقاعات عارضة بلا مستقبل في العالم العربي فضلا عن أنها من أعراض الأزمة وليست سببا لها، لذلك اعتنيت بما هو إستراتيجي في التحولات الجارية وهي التي تبعث على الدهشة والحزن والاكتئاب ليس فقط لأنها وقعت ولكن أيضا لذهولنا إزاءها، الأمر الذي أقنع اللاعبين بأن الفراغ المخيم أخرج العرب من معادلة الزمان، بحيث أصبح مصيرهم بأيدي القوى الكبرى، ومستقبلهم يقرره اتفاق واشنطن وموسكو.
إن الذين عملوا على إجهاض الربيع العربي حين سعوا إلى قتل الحلم، فإنهم استبدلوه بالفراغ الذي تمدد فيه كل من هب ودب. وكانت تلك هي النتيجة.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2630
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1006
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
657
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8925
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4845
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4149
| 23 سبتمبر 2026