رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قضية شائكة لا يستهان بها ظهرت منذ سنوات ، وكانت الجهات الأمنية والمرورية غائبة عنها بلا رقابة أو متابعة ، ونقصد تحديدا استغلال الوافدين وبعض المواطنين لمواقف السيارات المجانية التي لا تفرض عليها اية رسوم ، فتجد هؤلاء يركنون سياراتهم في مواقف المساجد والمولات والمجمعات الغذائية والتمويلية والتجارية والسكنية بجانب استغلالهم للمواقف الحكومية المجانية مثل بعض الوزارات ومواقف مستسفى حمد العام على وجه الخصوص !! .
منذ الشهرين وأنا أفكر في الكتابة حول موضوع " الوافدون واستغلالهم مواقف السيارات المجانية في شتى ربوع الوطن " مثل مسجد أبوبكر الصديق بقرب المطار ومستشفى حمد العام على وجه الخصوص ، وهي اليوم أصبحت ظاهرة عامة مسألة لا ينبغي الاستهانة بها لكونها من القضايا المغيبة عن المراقبة والمتابعة وهناك بعض الاهمال من قبل المسئولين في الدولة للأخذ بزمام المبادرة باتخاذ الاجراء المناسب تجاهها دون تردد . فقد بدأت منذ أيام الحملة التوعوية لاستغلال مواقف دور العبادة والتوعية حولها ، وان كان هذا الاجراء لا يكفي ، لان استغلال المواقف المجانية تعدت كل الحدود ، ولم تعد تقتصر على المساجد فقط ، فانت – مثلا – عندما تذهب الى " مجمع الجولف مول " أو" مجمع ازدان " في الغرافة بمدينة الدوحة تتفاحأ بان عدد السيارات "المركونة" بداخل المواقف كثيرة وتصل الى المئات ولكن عدد الزبائن بالداخل اقل بكثير مقارنة بعدد المركبات بداخل المواقف المخصصة للسيارات !! . والغريب في الامر ان خطوة ادارة المرور ووزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية حول مراقبة مواقف سيارات المساجد جاءت خطوة متأخرة ولكنها مفيدة ، وقد نبهنا الى هذا الشيء في مقالات سابقة عبر منبر جريدة الشرق وتحدثنا عن الزحمة والاختناقات المرورية غير المبررة والتي من أسبابها الاستهتار من قبل العمالة الوافدة والاجانب وبعض المواطنين بقوانين البلد وعدم الالتزام بها وبخاصة ما يتعلق بقوانين " مواقف السيارات والمركبات " التي تستغل بشكل صارخ ودون رقيب أو حسيب من رجال المرور . ونحن هنا لا نلوم المقيم فقط بل نوجه اللوم ايضا الى بعض المواطنين الذين يستغلون مواقف المساجد لوضع سياراته وشاحناته الخاصة وبورتيكبن التخييم أو طرادات الصيد البحرية ، وهذا على سبيل المثال لا الحصر.
واذا حددنا الأماكن التي تركن سياراتهم فيها دون رقابة فهي تنحصر (على سبيل المثال لا الحصر) في المواقع الآتية : المجمعات التجارية والغذائية - المولات التجارية والغذائية - مواقف الأحياء السكنية في الأحياء الشعبية - مواقف مستشفى حمد العام والعيادات الخاصة - مواقف الوزارات والهيئات والمؤسسات الحكومية - مواقف المدارس الحكومية والأهلية - مواقف البنوك والمصارف - مواقف جامعة قطر - مواقف المساجد التي تستغل بخاصة وقت سفر الاجانب الى الخارج صيفا - المواقف المحاذية لمطار حمد الدولي - مواقف المؤسسة التعليمية QF - مواقف المنطقة الصناعية - مواقف ممنوع الوقوف حتى لفترة قصيرة في ظل غياب رقابة المرور أحيانا - مواقف الساحات العامة في الاحياء السكنية خاصة في الاراضي الفضاء التي يستغلها الاجانب بشكل خاص " مثل : البتان والباكستانيين والهنود والبنغال " لتأجبر مركباتهم على الزبائن ومن مثل " الشياول والكرينات والنشاشيل والبركدونات " وغيرها ، ونجدها ماثلة امامنا في منطقة "ازغوى " بالغرافة مقابل " محطة طيبة للبترول " وهو أحد الامثلة الحية !! .. وغيرها الكثير.
ومع كل أسف نجد ان الكثير يبحث عن المواقف المجانية ، فهم يتهربون من دفع الضرائب والرسوم باي شكل من الاشكال ، وفي ظل انعدام الرقابة والتعامل معهم بحزم ساد هذا التهاون واستطاعوا استغلال المسألة بشكل يقوم على التلاعب بالقوانين لانه لا يوجد من يسهم في توعيتهم ومن ثم ردع من يخالف القوانين !! . وقد سمعت الكثير عن استغلال الاجانب لمواقف السيارات المجانية ، بل ان بعضهم يدفع رشوة للعاملين عند مداخل البوابات في المولات والمجمعات ومواقف المستشفيات والعيادات والاماكن العامة والخاصة الاخرى لكي يتمكن هذا الوافد من وضع سيارته لعدة ايام وقدد تمتد لاسابيع او عدة اشهر والعلم عند الله ، وبخاصة عند السفر للخارج ، ونحن لا نستبعد مثل هذا التلاعب لان الاجنبي يخدم الاجنبي (ان صحت هذه النظرية) ما دامت الامور سائبة بلا رقابة وفي ظل عدم وجود آلات تصوير تكشف هذه التجاوزات في أغلب مواقف السيارات في الدولة !! .
ولعل دور إدارة العلاقات العامة كوجهة للاعلام والتوعية المرورية بوزارة الداخلية كان طوال السنوات الماضية غائبا ولم يتم تفعيله بما هو مطلوب تجاه مسألة مواقف السيارات ، او كان دورا نائما - ان صح التعبير - في التعامل مع هذه الظاهرة التي تمثل مشكلة عويصة كان العلاج لها غير متوافر رغم بساطة الحلول ، فوسائل الاعلام المختلفة تمثل الان اداة مهمة يجب ان تكون حاضرة في تنوير الرأي العام تجاه مثل هذه القضايا ، كما ان التوعية يجب ان تكون باكثر من لغة موجهة للاجانب فنحن لدينا عرب وغير عرب ولدينا جاليات بثقافات مختلفة ، وهنا لابد من وضع استراتيجية اعلامية مدروسة بهذا الخصوص بمشاركة الخبراء والاكاديميين من الاعلاميين بهدف نشر الوعي واستخدام الاعلام بشكله الصحيح ، وهذه تعارف بين الخبراء باسم " سياسة الاعلام الأمني " في نشر الاستقرار ، مع التنبيه الى بعض المظاهر السلبية التي اجتاحت مجتمعات منطقة الخليج مؤخرا مثل : " ظاهرة الارهاب والافكار المضللة " التي انتشرت كانتشار النار في الهشيم ، وكذلك مثل مساوئ اختلال التركيبة السكانية ، مع احتواء اية سلبيات اخرى متوقعة ، وياتي عامل استغلال مواقف المركبات من الوسائل التي يتم استعمالها لتحقيق اي غرض سيء !! . ولهذا يجب ان نكون على صلة بالاحداث الاخيرة التي وقعت في المجتمعات الاخرى ، فالهاجس الامني هو الشغل الشاغل اليوم لكل الدول لاتخاذ مثل هذه الاحترازات ، لان التهاون في مثل هذه المسائل عواقبها وخيمة. وما من شك ان اتخاذ افضل الاجراءات الامنية من قبل الجهات المسئولة يسهم بشكل مباشر في نشر الاستقرار ، ويجعل الجميع يشعر دائما بالطمانينة . ولهذا فلابد من توجيه كلمة شكر واشادة بجهود رجال المرور والامن في نشر الاستقرار في النفوس ، فتحية تقدير لجهات وزارة الداخلية والامن العام وامن الدولة على رعاية هذا الجانب المهم . ودولة قطر كانت وما زالت من الدول المتقدمة في الجوانب الامنية ، وتمتلك خبرة طويلة في هذا المجال ، ولعل شيوع الاستقرار فيها يجعل الكثير من الاجانب يتوجه اليها بهدف المعيشة ،. ولهذا فلابد لكل دول الخليج العربي اليوم من العيش تحت هاجس الأمن ، فنحن لا تنتابنا اليوم محنة معينة ، ولكن يجب ان نعيش في ظروف تتطلب الحذر واتخاذ الحيطة تجاه تقلبات الاحداث السياسية في المنطقة.
ومن هنا : فاننا نقترح بشأن حل أزمة المواقف واستغلالها بشكل غير قانوني بان تخصص بعض المساحات في الاماكن المزدحمة بالسكان لوضع السيارات والمركبات والشاحنات فيها مع فرض بعض الرسوم الرمزية بالساعة او باليوم ، واعتقد بان الدولة ستستفيد من هذا المقترح من ناحيتين اساسيتين هما : ان ازمة المواقف قد يتم القضاء عليها او تخفيفها على الاقل بشكل مبدئي ، والناحية الثانية ان المردود المادي سيكون معقولا ومجزيا للدولة ، هذا من ناحية ، ومن ناحية اخرى فان وزارة الداخلية مطالبة بزيادة عدد رجال المرور والدوريات وتوظيفهم نظرا للحاجة الماسة للعدد الكافي في ظل هذه الظروف المفاجئة وغير الطبيعية في التركيبة السكانية !! .
** كلمة أخيرة :
استغلال مواقف السيارات المجانية يجب ان تتعامل معه ادارة المرور بوزارة الداخلية بكل حزم بما يحقق مصلحة البلد ومنح هذه المواقف لمن يستحقها لا لمن يستغلها !!.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
6192
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2775
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2487
| 02 يونيو 2026