رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. موضي مبارك ناصر البوعينين

- دكتوراه في العلاقات الدولية

مساحة إعلانية

مقالات

291

د. موضي مبارك ناصر البوعينين

من المساءلة الفردية إلى المؤسسية

25 سبتمبر 2026 , 12:00ص

تستخدم أدبيات الإدارة مفهوم الصوامع التنظيمية لوصف حالة تعمل فيها الوحدات المتخصصة داخل المؤسسة ضمن حدودها الوظيفية بصورة تحد من تبادل المعلومات والتنسيق حول النتائج المشتركة والمشكلة ليست في وجود التخصص أو التقسيم التنظيمي وإنما عندما تتحول الحدود التنظيمية إلى عائق أمام معالجة مشكلة تتجاوز اختصاص وحدة واحدة.

عندما تعاني إحدى الوحدات التشغيلية نقصًا مستمرًا في القوى العاملة، بالتزامن مع اكتفاء أو فائض في وحدات أخرى، لا تعود المشكلة مرتبطة بحجم القوى العاملة وحدها، وإنما بكيفية توزيعها، ومواءمة الكفاءات مع الاحتياجات الفعلية. وقد تبدو حركة النقل أداة لمعالجة العجز، إلا أن نقل الموظف دون مراعاة التوازن بين الوحدات وملاءمة خبرته ومهاراته لطبيعة المهمة أو المرحلة التي سينتقل إليها، قد لا يعالج النقص، بل يعيد توزيع الاختلال أو يفاقمه. ومن هنا يصبح السؤال أوسع من مساءلة موظف بعينه: هل تكمن المشكلة في نقص الموارد البشرية ذاتها، أم في قدرة النظام الإداري على تحديد الاحتياج وتوزيع الكفاءات، وتحريكها إلى المكان الذي تتوافق فيه قدراتها مع متطلبات العمل؟

وقد تنظر كل وحدة تنظيمية إلى الجزء الذي يقع ضمن اختصاصها، الإدارة المركزية، سد الشاغر، تغطية الاحتياج، توزيع المهام، واستكمال الإجراءات، ولكن السؤال الذي قد يضيع بين هذه الاختصاصات هو: من يملك النتيجة الكلية؟

وهنا يبرز سؤال آخر: ما أثر الممارسة الإدارية على الاحتفاظ بالموظفين؟ وهل يمكن لبعض ممارسة إدارة القوى العاملة ولو دون قصد، أن يحول بيئة العمل من بيئة جاذبة إلى بيئة طاردة لها؟

وفي المقابل، تبدو مساءلة الموظف الفرد أكثر وضوحًا وسهولة، إذ يمكن قياس حضوره وغيابه والتزامه وأدائه، ولكن عندما تستمر المشكلة عاما بعد عام، يصبح السؤال: من يُساءل عن استمرار المشكلة ذاتها؟ فكما يُساءل الموظف عن التزامه وأدائه، ينبغي أن يقابل ذلك مساءلة مؤسسية عن قدرة الإدارة على توفير الشروط التنظيمية اللازمة لأداء العمل ومعالجة الاختلالات المؤثرة في استمرارية الخدمة.

تقدم التجربة البريطانية نموذجًا يمكن الاستفادة من منطقه في هذا السياق، إذ تدعم الوظائف الحكومية (Government functions) التعاون داخل المؤسسات وعبر حدودها التنظيمية، من خلال جمع القدرات والخبرات والعمليات حول احتياجات مشتركة، بما يدعم الاتساق وتحسين الأداء والنتائج، ويعكس هذا التوجه منطقًا يقوم على إتاحة القدرة المناسبة في المكان المناسب وفي الوقت المناسب، بدل بقاء القدرات والخبرات مقيدة بالحدود التنظيمية للوحدات التي تتبعها.

ولا يتطلب ذلك إلغاء اختصاصات الوحدات المختلفة وإنما على بناء آليات أفقية تسمح بتكاملها عندما تتجاوز المشكلة حدود الاختصاص الواحد، مع مرونة في تحريك الكفاءات وفق الاحتياج وتجميع الخبرات حول المشكلات المشتركة.

غير أن إنشاء آليات للتنسيق أو تشكيل فرق مشتركة لا يكفي في ذاته دليلًا على نجاح المعالجة، فقد تُشكَّل لجنة، ويُعقد اجتماع، وتُعالج مجموعة من الطلبات، لكن السؤال الأهم يظل: هل حُلَّت المشكلة بالفعل؟ فإذا استمرت، أو عادت مرة أخرى، أو انتقلت آثارها إلى وحدة أخرى، فإن ذلك يستدعي الانتقال من قياس الإجراءات إلى المساءلة عن النتائج: كم استغرق حل المشكلة؟ وهل تكررت؟ وما أثر الحل على الاحتفاظ بالموظفين وهل انتهت المشكلة أم انتقلت إلى موقع آخر؟

تتجاوز المعالجة الفعالة للمشكلة الاستجابة لها بعد وقوعها إلى القدرة على استباقها، فإذا كانت المؤسسة تمتلك بيانات عن حركة القوى العاملة، ومعدلات النقص والغياب والنقل والدوران الوظيفي، فإن تكرار المشكلة يفترض أن يتحول من واقعة تشغيلية متجددة إلى مؤشر يمكن رصده وتحليله والاستفادة منه في توقع الاحتياجات والتدخل المبكر، وهنا تبرز الحوكمة الاستباقية بوصفها انتقالًا من الاستجابة للمشكلة بعد وقوعها إلى الاستعداد لها قبل أن تتحول إلى أزمة متكررة. فالحوكمة الجيدة لا تقاس فقط بقدراتها على تحديد المسؤول بعد وقوع الخلل، وإنما بقدرتها على بناء نظام يتعلم من تكرار المشكلة، ويستبق أسبابها، ويمنع تحولها إلى مشكلة مزمنة، وعندها لا يعود تكرار المشكلة مجرد واقعة تشغيلية تستدعي إجراًء جديدًا، بل يصبح مؤشرًا يستدعي مراجعة الطريقة التي تُدار بها المشكلة من أساسها.

مساحة إعلانية