رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل يجوز نعت الليبرالية الجديدة، أو الليبرالية العولمية، أو الليبرالية المتوحشة "ديكتاتورية الأسواق" و"ديكتاتورية تقنيات الإعلام الجماهيري"، بالتوتاليتاتورية؟
دأبت الإيديولوجية السائدة في الغرب على نقد ووصف النظام الشيوعي الذي كان سائدا في روسيا ودول أوروبا الشرقية طيلة مرحلة الحرب الباردة بالنظام التوتاليتاري. وقد كان لمفهوم التوتاليتارية، الذي يعرف بالشمولية، دور كبير في إسقاط التجربة التاريخية للشيوعية. ومن أهم خصائص هذه التوتاليتارية، تميزها بعدد من الثوابت والعلامات الفارقة: الحزب الشمولي الواحد، الدور المركزي للإيديولوجية، إلغاء الحدود الفاصلة بين الدولة والمجتمع، تقديم دولة السلطة على سلطة الدولة، تضخم أجهزة القمع والإرهاب وافتراسها المجتمع، نفي مشروعية الصراعات الداخلية وتقديس مبدأ الانصهارية.
غير أنه مع انتصار إيديولوجيا النيوليبرالية، أو الليبرالية الجديدة في زمن العولمة، التي تزعزع أسس الحياة الاجتماعية في مختلف أنحاء المعمورة شمالا وجنوبا، والتي تقوم على المرتكزات التالية: الدعوة المتطرفة إلى الحرية الاقتصادية، وإنكار دور الدولة في ضبط آليات وحركة النظام الرأسمالي والتخفيف من شروره الاجتماعية (تحديدا في مجال التوزيع والعدالة الاجتماعية)، هيمنتها على المنظمات المالية الدولية (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي). وتعاملها مع البلدان النامية من منطلق التكيف وضرورته مع السوق الرأسمالي العالمي، وإبعاد الدولة وإضعافها، وترك آليات السوق لكي تعمل طليقة، برزت في العالم الغربي إيديولوجيا نقدية هي الأكثر شيوعا اليوم، إيديولوجيا مضادة للعولمة الرأسمالية المتوحشة، تصف الليبرالية الجديدة أو الليبرالية المتوحشة، بإيديولوجيا كاملة لإدارة الأزمة في النظام الرأسمالي العالمي.
فهناك اليوم في صفوف مناهضي العولمة، من يرى أن الليبرالية الجديدة تعبير عن توتاليتارية الأسواق، وعن توتاليتارية تقنيات الإعلام الجديدة، وأن الذي شجعها على اكتساحها في التطبيق مختلف مواقع الساحة العالمية، ضعف قوى اليسار، وهو الضعف الذي بلغ ذروته بانهيار دول شرق أوروبا والاتحاد السوفيتي.
ويترافق مع ازدهار الليبرالية الجديدة هذا، وحتى في البلدان الرأسمالية الأكثر تقدما، انحسار مهم لدور السلطات العامة بدءا بالبرلمان. وتخريب بيئي وتصاعد انعدام المساواة، وتسارع الفقر والبطالة، أي كل ما يمثل نقيض الدولة الحديثة والمواطنية. ونشهد أيضا فصلا جذريا بين تطور تقنيات الإعلام الجديدة من جهة، ومفهوم تقدم المجتمع من جهة أخرى.
فالليبرالية الجديدة التي جاءت مع صعود رونالد ريغان إلى السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية، ومارغريت تاتشر في بريطانيا، في بداية عقد الثمانينيات من القرن الماضي، كانت نتيجتها تعميق الفوارق الطبقية الحادة داخل البلدان الغربية عينها. فهناك اليوم 60 مليون فقير في الولايات المتحدة الأمريكية أغنى بلد في العالم. وكذلك يمكن إحصاء 50 مليون فقير داخل بلدان الاتحاد الأوروبي، أول قوة تجارية في العالم. في الولايات المتحدة يملك 1% من السكان 39% من خيرات البلاد، وعلى الصعيد العالمي تفوق ثروة 358 شخصا من أصحاب المليارات من الدولارات الدخل السنوي لـ 45% من السكان الأكثر فقرا أي 2.6 مليار نسمة.
من هنا دأبت الايديولوجيا اليسارية الجديدة المناهضة للعولمة الرأسمالية المتوحشة، على نعت هذه الليبرالية الجديدة بالتوتاليتارية. لكي نشهد في عالم اليوم قلبا واضحا لمفهوم التوتاليتارية. ولكن قبل أن نغوص في تحليل سمات النظام الرأسمالي العالمي التوتاليتاري، الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، علينا أن نميز بين الليبرالية الكلاسيكية الغربية وبين الليبرالية الجديدة المتوحشة التي يتبناها اليمين النيوليبرالي الأمريكي. التي تعبر عنها نازية بوش أفضل تعبير.
ما هو جوهر الايديولوجيا الليبرالية؟
ظهرت الأفكار الليبرالية في عصر التنوير وحتى الثورة الصناعية (1750 – 1850)، وهي تشكل منارة مضيئة وعظيمة في تاريخ تطور البشرية. فالليبرالية متناقضة جذريا مع الأيديولوجيا الإقطاعية، أي أنها ضد فكرة الماوراء حين أكدت على موضوعية الطبيعة والمادة. وهي ضد الوحي والميتافيزياء حين أكدت على العقلانية والعلم. وهي ضد الاستبداد حين أكدت على الحرية وهي ضد سحق الفرد وامتصاصه في المجموع، حين أكدت على أولوية الفرد. فقد جاءت الليبرالية كانتصار باهر على النظام الإقطاعي الذي ساد في العصور الوسطى، وهو النظام الذي كان يستند على الاستبداد والعبودية وقهر حرية الفرد وحقوقه وشكل حينذاك بمؤسساته وقيمه وعلاقاته عائقا أمام تطور الرأسمالية في ظهورها.
وهكذا فإن الأفكار الليبرالية هذه شكلت منظومة للإيديولوجية متكاملة لليبرالية، التي عبرت عن مرحلة تاريخية محددة، هي مرحلة الرأسمالية الوليدة والصاعدة، وعن اتساق متطلبات تقدم البشرية مع متطلبات صعود الطبقة البرجوازية. ولم يكن من الممكن انتشار الأفكار الليبرالية في مختلف دول القارة الأوروبية، وفي الولايات المتحدة الأمريكية لو لم تكن متفقة إلى أبعد الحدود مع حرية الفرد التي قادته إلى محاربة الاستبداد على الصعيد السياسي، وإلى العقلانية على الصعيد المعرفي، وإلى العلمانية، وتحرير المرأة، والديمقراطية التي تشكل التخطي الديالكتيكي لهذه الليبرالية.
وقد ارتدت المبادئ الليبرالية هذه طابع فتوح دائمة للبشرية، رست في أساس المجتمعات الحديثة (حتى إذا تجاوزت الليبرالية). إلا أن حرية المشروع الاقتصادي التي بدت في ظل المجتمع التقليدي، بمنزلة مبدأ عقلاني، يحرر ولا يضطهد. ويطلق قوى الإنتاج، أصبحت فيما بعد تظاهرة لا عقلانية، وأداة للاستغلال ولمزيد من التفاوت الاجتماعي على حد قول ياسين الحافظ في كتابه عن التجربة التاريخية الفيتنامية.
أما الليبرالية الجديدة، فقد جاءت بمنهاج جديد لإدارة الرأسمالية في زمن العولمة، وقد كشفت عن عدد من الحقائق أهمها:
1-تتسم العولمة الرأسمالية المتوحشة الحالية باستقطاب الرساميل والتدفقات الاستثمارية، وبالتالي بتركيز الثروة والرأسمال في البلدان الرأسمالية الصناعية المتقدمة، خاصة في الولايات المتحدة.
2-يزداد إفقار العالم الثالث وتهميشه وتتخذ عمليات نهبه السافرة والمقنعة طابعا همجيا.
3- تلعب الولايات المتحدة الأمريكية دورا رئيسيا في صياغة هياكل القوة الاقتصادية من خلال قوتها السياسية والعسكرية. ومنذ فرضت الولايات المتحدة الأمريكية هيمنتها المطلقة على النظام الدولي الجديد في ظل القطبية الأحادية، حاولت أن تصيغ العالم على شاكلتها ومثالها. ونشر سلطتها في العالم الفوضوي الذي وصفه هوبس. والولايات المتحدة لا تثق بالقانون الدولي ولا بالمواثيق الدولية. وهي تنظر إلى تحقيق الأمن. كما الدفاع عن الليبرالية الجديدة. عبر حيازة القوة العسكرية واستخدامها. وهي تزداد ميلا إلى العمل العسكري في شكل أحادي الجانب. وترفض المبادرات أو القرارات التي تتخذ تحت راية مؤسسات دولية على غرار الأمم المتحدة مثلا. وتشك في القانون الدولي وتؤثر العمل خارج نطاقه حين ترى ذلك ضروريا – كما هو الحال في حربها المرتقبة على العراق- أو حتى مفيدا لمصالحها فحسب.
ولقد ارتبط صعود الليبرالية الجديدة في الولايات المتحدة وأوروبا منذ الثمانينيات وحتى يومنا هذا بتولي اليمين المتطرف أو اليمين النيوليبرالي مقاليد السلطة. وهو اليمين الذي لا يعبأ مطلقا باعتبارات العدالة الاجتماعية وأهمية التوظيف الكامل في عصر العولمة. يقول اغناسيو رامونيه في كتابه " الجغرافية السياسية للفوضى " إن سادة العالم الجديد، ما عادوا يتمثلون برؤساء الدول ورؤساء الوزارات وزعماء الأحزاب السياسية وقادة التكتلات البرلمانية، بل بمديري الشركات المتعددة الجنسية ورؤساء مجالس الإدارة وأرباب الرأسمال المالي وكبار المضاربين في البورصات والأسواق المالية. وليست الدول هي التي تملي سياساتها على رجال الصناعة والمال، بل هؤلاء هم من يملون على السياسيين السياسة المطلوب تنفيذها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2235
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1125
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
645
| 12 أكتوبر 2026