رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
اقتحام العسكر للمشهد السياسي ليس أمرا جديدا فقد تدخل الجيش المصري في الحياة السياسية أكثر من مرة، وأبرز المحطات التي شهدت ذلك كانت خلال الثورة العرابية 1881-1882، ثم خلال حركة الجيش عام 1952 وأخيرا خلال الانقلاب الذي نفذته القيادة العسكرية على الرئيس المنتخب في الـ 3 من يوليو 2013. ورغم أن تدخل العسكر في السياسة غير مرغوب فيه بشكل عام إلا أن ثمة اختلافات كبرى بين أهداف وأساليب وغايات كل من هذه التدخلات، وكذا في تعاطي الإعلام الرسمي أو شبه الرسمي مع كل منها، ونعرض فيما يلي لأهم مظاهر الاختلاف بين التحركين الأول والأخير، أي بين حركة عرابي وحركة السيسي.
1- انطلقت حركة عرابي أساسا من مطالب "فئوية" تخص ضباط الجيش المصري (اختلاف نظم الترقيات ومنح الألقاب بين الضباط المصريين والضباط الشراكسة)، حيث شعر الضباط المصريون أن الأجانب يأخذون أماكنهم، ويفضلون عليهم، فتحركوا لتحسين أوضاع العسكرية المصرية، والقضاء على ما كان يشوبها من تمييز لصالح العناصر غير المصرية، ولكنهم توسعوا بعد ذلك إلى تبني مطالب سياسية تخص الأمة المصرية بأسرها، من قبيل الدعوة إلى تشكيل برلمان ووزارة وطنية وجيش قوي. أما حركة السيسي فإنها انطلقت مما بدا أنها مطالب وطنية عامة، ولكنها تراجعت إلى تأكيد سيطرة القوات المسلحة على مفاصل البلاد وتعطيل الدستور والقانون. فبعد فرض حالة الطوارئ أصبحت يد قوات الأمن العسكري والشرطي مطلقة في التعامل مع المواطنين، ومقيدة للحريات، في غياب تام لمفهوم الدولة المدنية.
2- من ناحية أخرى قامت حركة عرابي ضد نظام حكم مطلق، مثله الخديوي توفيق الذي ورث السلطة عن أجداده، وتحكم في البلاد والعباد، وفقا لإرادته المطلقة، فلم يكن هناك من يحاسبه أو يراجعه، كما لم يكن ثمة فارق بين خزانة الدولة وبين جيبه الخاص. في الوقت الذي تحرك فيه الجيش في الحالة الثانية ضد رئيس شرعي منتخب، لم يصدر عنه ما يوحي بأنه ينوي الإطاحة بالديمقراطية التي جاء من خلالها إلى الحكم، كما لم تثبت ضده قضية فساد واحدة، بل ولم يثبت حتى أنه قد صرف راتبه القانوني طوال مدة وجوده في الحكم.
3- كان على رأس أهداف حركة عرابي أن يتشكل مجلس نواب منتخب من الجماهير، وأن تصبح الحكومة مسؤولة أمامه عن كل ما يخص شؤون الحكم، حتى يصبح هيئة لها نفوذها الفعلي في حكم البلاد، وأن يصبح له الحق في بحث المسائل المالية دون الأجانب، وأن يقرر أمر الدين والضرائب وفق ما تمليه مصالح البلاد. وهو ما تم بالفعل عندما تم إقرار اللائحة الشهيرة التي تعتبر بمثابة أول دستور مصري في 8 فبراير 1882. أما حركة 3 يونيو 2013 فإنها فضلا عما قامت به من حل المؤسسات المنتخبة، حيدت الجماهير بدرجة كبيرة، فلم تأخذ رأي الناس لا في تشكيل الحكومة المعينة ولا في تعيين لجنة الخمسين المكلفة بتعديل الدستور، ولا في أي من الإجراءات اللاحقة. بل إن خارطة الطريق التي تم على أساسها الانقلاب لم تطرح للاستفتاء الشعبي ولم يهتم قادة الحركة حتى بمعرفة حجم التأييد الفعلي الذي يحظون به مكتفين بشرعية امتلاكهم القوة القاهرة أو "الشرعية المسلحة" كما جاء على لسان أحد عناصرهم مؤخراً.
4- كان أحد أهم محركات الثورة العرابية إعادة الكرامة والاعتبار إلى الجندي المصري ومنع استخدامه في الأعمال التي لا تمت للجندية بصلة كحفر الترع ومد السكك الحديدية وزراعة أرض الخديوي، في الوقت الذي ارتبطت فيه حركة 3 يونيو بوضع العسكريين المصريين في غير ما أعدوا له من دفاع عن الوطن وضمان أمن حدوده، حيث أصبح من المعتاد عكوفهم على حراسة الأكمنة والإشراف على حظر التجول ومراقبة الطلبة في المدارس والجامعات. مع ما يتضمنه ذلك من احتمالات لوقوع مواجهات دامية بينهم وبين المدنيين، وهو الأمر الذي لم يعرف له التاريخ المصري الحديث مثيلاً.
5- أمريكا والغرب لم يكونوا بعيدين عن حركة الجيش في 1881، ويكفي أن نذكر أن أحد أسباب قيام الثورة الأولى، كان هو التدخل الغربي في أمور الجيش المصري، ويذكر المؤرخون أن العديد من الضباط الأمريكيين كانوا ضمن صفوف الجيش المصري في تلك الفترة حتى أن عرابي عزا هزيمة المصريين في معركة الحبشة الشهيرة إلى خيانة أحد الضباط الأمريكيين واتصاله بالقساوسة الأحباش وإطلاعهم على كافة تحركات الجيش المصري. أما في حركة 3 يونيو فنجد علاقة حميمة بين قيادتها وبين الأمريكيين. ولا يجد قادتها أي غضاضة في التصريح بأن ما قاموا به كان بالتنسيق مع القوى الخارجية، وأنه كان يتم إطلاعهم على تفاصيل الانقلاب قبل تنفيذها أولا بأول.
6- في الثورة العرابية التقى الوطنيون والعسكر على هدف موحد تمثل في تخليص البلاد من سيطرة الخارج الاقتصادية، والتي ترجمت حينها لأكثر من مظهر كان أشدها إيلاما للكرامة الوطنية هو إنشاء "صندوق الدين العام"، الذي كان يضم مراقبين أجانب من الإنجليز والفرنسيين. تحرك الجيش ضد نظام الحكم الذي ورط البلاد في هذه التبعية المالية، والذي أراد أن يجعل مصر قطعة من أوروبا فأغرقها في الديون. أما حركة الجيش الأخيرة فقد تمت ضد الرئيس الذي نجح في تحقيق فائض في الموازنة لأول مرة منذ نصف قرن، وامتلك طموحا لتحقيق الاستقلال الاقتصادي للبلاد ينتج بموجبه المصريون غذاءهم ودواءهم وسلاحهم.
7- أما بالنسبة لكيفية تعاطي الإعلام مع كل من الحركتين، فيظهر البحث في الوثائق والصحف القديمة أن الإعلام عارض الثورة الأولى وتحيز ضدها منذ قيامها بل ورفض تسميتها ثورة واعتبرها فتنة، ووصف عرابي نفسه بالعاصي والذليل والحقير، وشبه زميله محمود سامي البارودي باشا بالسامري الذي خان موسى (عليه السلام)، وتبارت الصحف وقتها في الحديث عن بطولة الانجليز الذين هزموا جيش العصاة، واشتطت كبرى الصحف المصرية (الأهرام) فذهبت إلى أن العسكر المصرية لا يصلحون للجندية أصلاً. وعلى العكس احتفى الإعلام بأحداث 3 يوليو، حيث اعتبرها ثورة مكتملة الأركان، حتى أنه خلع على من قام بها صفة البطولة ورفعه لرتبة فوق مستوى البشر العاديين. المثير في الأمر أنه بعد أن دار الزمان دورته، انتصف لعرابي وثورته التي وقفت في وجه البغي والظلم، ووضع خديوي مصر في الموضع الذي يستحقه هو وأعوانه، وفضح حلفاء الاستعمار ممن طبلوا له وزمروا. الكثيرون يترقبون المشاهد القادمة لمعرفة مصير التحرك الأخير للعسكر، آملين ألا يطول انتظارهم حتى يروا ما سيؤول إليه أمره وأمر من قاموا به وأيدوه.
الجماعات المسلحة من غير الدول
في الوقت الذي يسلط فيه الإعلام العالمي الضوء على تنظيم الدولة الإسلامية (المعروف إعلاميًا باسم داعش)، وغيره من... اقرأ المزيد
2317
| 13 يناير 2016
العنف مؤذِّن بضياع الاستقرار
من الشائع أن تعوِّل أنظمة الاستبداد على العنف كأداة للحفاظ على استقرارها ومكاسبها السياسية، وذلك لما تعتقده هذه... اقرأ المزيد
936
| 06 يناير 2016
العلمنة الشاملة وعنف الدولة
يثير العنف الأهوج الذي تمارسه أنظمة الاستبداد بحق مواطنيها العديد من الأسئلة، فضلاً عما يثيره من استنكار وتقزز... اقرأ المزيد
831
| 30 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5742
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4926
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3072
| 24 سبتمبر 2026