رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أدعو إلى التفرقة بين شيطنة الإخوان وبين نعي الثورة في مصر؛ إذ الشيطنة في أحسن فروضها من قبيل الاجتهاد في الفروع، أما نعي الثورة فهو في كل أحواله إنكار للأصول وافتراء على الحقيقة.
(1)
أفرق في هذا الصدد بين ثلاثة أصناف من الناس: المحبطين والناقمين والشامتين. الأولون رفعوا عاليا سقف توقعاتهم بعد نجاح الثورة، وظنوا أن الربيع سوف يستصحب الجو البديع الذي في ظله يتغير بسرعة لون الحياة، من كآبة القاتم إلى بهجة البمبي (مع الاعتذار للأغنية الشهيرة). هؤلاء يعذرون إذا استبدت بهم الحيرة وأحبطوا، خصوصا أن ما تبثه وسائل الإعلام في مصر يدفع بقوة في ذلك الاتجاه. أما الناقمون فقد دب اليأس في نفوسهم منذ اللحظات الأولى التي أدركوا فيها أن المجتمع تخلى عنهم ولم يمنحهم ثقته. ولذلك فإنهم منذ ذلك الحين وضعوا نظارات سوداء على أعينهم وما برحوا يرددون في كل حين أن الحلم صار كابوسا وأن الثورة أجهضت وانتهت، لا لشيء إلا لأن أحلامهم الخاصة لم تتحقق. حتى إن إحدى الصحف تحدثت عن فشل رئيس الوزراء الدكتور هشام قنديل فور إعلان اسمه وقبل أن ينتهي من تشكيل وزارته!.
دائرة الشامتين أوسع من المحبطين والناقمين، وأقصد بهم أولئك الذين ينتظرون الأخطاء والعثرات، فيتصيدونها وينفخون فيها ويعممونها، ليصوروا للملأ أن الثورة، وكل ثورات الربيع العربي كانت بلاء حل بالأمة، تمثل في سلسلة من الكوارث التي تعاقبت على المغرب والمشرق، حتى قرأت لأحد الكتاب الكويتيين قوله إن ما شهدته المنطقة هو «خراب» عربي ليس أكثر!
لك أن تتصور أن ذلك رأي «الفلول» من أركان ومنتفعي النظام السابق، وهو أمر قد يكون مفهوما، إلا أن ما يثير الانتباه في هذا الصدد أن ذلك أيضا موقف بعض «الأشقاء» سواء لأنهم ارتبطوا بمصالح خاصة مع النظام السابق، أو لأنهم خشوا من أصداء الربيع في أقطارهم. وهي الأصداء التي ظهرت بقوة في تعليقات تويتر وفيس بوك، وقوبلت باستنفار الأجهزة الأمنية في تلك الدول، الأمر الذي انتهى باعتقال بعض المثقفين الناشطين وإسقاط الجنسية عن المواطنين منهم، إلى جانب تلفيق التهم لهم ومحاكمتهم بدعوى تشكيل تنظيمات سرية والسعي لقلب نظام الحكم، وهو ما تابعنا بعض تفاصيله في الأسبوع الماضي.
لا أتحدث عن جماهير تندرج تحت هذا التصنيف أو ذاك لأن الأمر أهون من ذلك بكثير. إنما أتحدث عن نخب عالية الصوت بعضهم من المثقفين المتحزبين، والبعض الآخر ممن ينتسبون إلى أهل السلطان الذين أغراهم الفراغ العربي بمحاولة التمدد والبحث عن أدوار في الساحة بعدما غاب عنها الكبار.
(2)
واهم من يتصور أن الثورة المصرية بلا أخطاء، أو أنها ولدت كاملة الأوصاف. وقد دعوت في الأسبوع الماضي إلى الاعتراف بأننا جميعا ــ وبلا استثناء ــ مشوهون من تجربة الثلاثين عاما الأخيرة التي اقترن فيها الاستبداد بالفساد. وأي متابع لوسائل الإعلام المصرية طوال الثمانية عشر شهرا الأخيرة يستطيع أن يضع يديه على قائمة النواقص والثغرات في الواقع المصري. ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن إعلامنا ظل طول الوقت يتفنن ويبالغ في استعراض النصف الفارغ من كوب الثورة، الأمر الذي صور للبعض أنه ليس للكأس نصف آخر، وكان ذلك أحد مصادر الإحباط الذي سبقت الإشارة إليه. ولأن النصف الفارغ أخذ حقه وزيادة، فربما كان من الإنصاف أن نلقي نظرة على النصف الآخر المحجوب والمسكوت عليه.
قبل نحو ثلاثة أسابيع (في 9/ 9) نشرت صحيفة التحرير تعليقا لافتا للانتباه لزميلنا الأستاذ طارق الشناوي، قارن فيه بين لقاء المثقفين للرئيس محمد مرسي في 6 سبتمبر الحالي، وبين لقاء عشرة منهم مع الرئيس السابق قبل ثلاثة أشهر من خلعه (في 30 سبتمبر عام 2010). وذكرنا بأن ثلاثة ممن حضروا اللقاء مع الدكتور مرسي كانوا ممن وقع عليهم الاختيار لمقابلة الرئيس السابق. وقال إن الثلاثة الذين التقوا الدكتور مرسي انتقدوه، وقالوا له: «إنه يتحدث عن مدنية الدولة في حين أن ما يجري على أرض الواقع يؤكد أن الدولة تتجه في كل مظاهرها نحو الأخونة». وقارن الأستاذ الشناوي بين جرأتهم في مواجهة الدكتور مرسى. وصمتهم أثناء لقاء الرئيس السابق، وكيف أن بعض المثقفين قالوا في حضرته كلاما يخجل المرء من ذكره الآن، ومنهم من ظهر في أحد البرامج التليفزيونية بعد اللقاء، وظل يمتدح الرجل ويتغزل في خفة ظله وتواضعه. في حين أنه لم يكن بمقدور أي واحد منهم أن يفتح أمام الرئيس السابق فمه بكلمة نقد لعملية التوريث.
اعتبر الأستاذ طارق الشناوي أداء المثقفين بأنه «شجاعة زائفة»، لكنني خرجت من قراءة تعليقه بخلاصة إضافية وثيقة الصلة بنصف الكوب الملآن للثورة الذي نحن بصدده، لست في وارد التحفظ على نفاق بعض المثقفين وبطولاتهم الزائفة التي يدعونها الآن، لكنني قرأت في المقارنة بين اللقاءين تجسيدا للفرق بين الحاكم الإله والمواطن الحاكم. وكيف أن المثقفين تعبدوا للأول وانحنوا أمامه وعادوا إلى بيوتهم صامتين وحذرين. أما الثاني فقد هاجموه وانتقدوه وعادوا إلى بيوتهم فخورين ومطمئنين. ثم صاروا يتباهون في العلن بمواجهة الرئيس والتحفظ على أدائه.
ما الذي يعنيه ذلك؟. هو يعني أن الثورة أسقطت القداسة عن السلطان فضلا عن السلطة، وتلك نقلة تاريخية بكل المعايير. لقد صار السلطان واحدا من الناس وليس فوق الناس. وأفرق هنا بين القداسة الناشئة عن الخوف، وبين الهيبة القائمة على الاحترام. وأزعم أن رفع القداسة عن السلطان استصحب على الفور سقوط حاجز الخوف، واستعادة المجتمع لجرأته وثقته في نفسه. لا يقل عن ذلك أهمية أن يؤدي إسقاط القداسة والتعامل مع السلطان باعتباره واحدا من الناس، إلى استبعاد فكرة تأبيد السلطة أو توريثها. وفتح الباب واسعا لأي واحد من الناس لكي يتطلع لرئاسة الدولة. وهو ما شهدناه في مصر حين وجدنا أحد الشبان الطموحين يؤكد بين الحين والآخر أنه رئيس مصر القادم، لكن ذلك ليس كل شيء، لأنه لا يزال في الجعبة ما يستحق الذكر والتنويه.
(3)
لم أصدق أذني حين سمعت حفيدا لي عمره تسع سنوات يقارن أثناء الانتخابات الرئاسية بين المرشحين الدكتور مرسي والفريق شفيق. وفهمت أن الموضوع كان محل مناقشة بين زملائه في المدرسة الابتدائية، وكان ذلك من الإشارات الدالة على عودة الروح إلى الشعب المصري الذي عاد أخيرا إلى السياسة بعدما أسقط من الحسبان وأقصى منها، وهذه العودة أسقطت بطاقة الـ99% من الأصوات التي ظل السلاطين يشهرونها في وجوهنا كل حين، كما أسقطت احتكار العسكر للسلطة، وطوت صفحة اللون الواحد والحزب الواحد، وأغلقت الأبواب أمام «تقاليد» تزييف الانتخابات لصالح حزب السلطان وحوارييه. وتلك لعمري نقلات أخرى مهمة في تاريخنا السياسي.
بعد الثورة ما عاد الحكم قدرا مكتوبا ووقفا على أناس دون غيرهم، وإنما صار اختيار الناس وقرارهم. ولأنه أصبح كذلك، فإن الحكام ما عادوا فوق المساءلة والحساب، على الصعيدين السياسي الذي بات مفروغا منه، والجنائي الذي أصبح سيفا مُصْلَتًا على رقاب الجميع دون استثناء. والبلاغات التي أصبحت تنهال على مكتب النائب العام كاشفة عن المخالفات التي ارتكبها المسؤولون في ظل النظام السابق، تعد إنذارا لكل مسؤول آخر في النظام الحالي. ذلك أن الناس لم يتخلصوا من عقدة الخوف فقط، وإنما صاروا مفتوحي الأعين وشديدي الحساسية إزاء ممارسات السلطة بجميع مؤسساتها ورموزها.
إطلاق سراح المجتمع واستعادته لحيويته رتبا مجموعة أخرى من النتائج المهمة، في مقدمتها ما يلي:
*التأكيد على نجاعة التغيير السلمي وجدواه، الأمر الذي أغلق الأبواب أمام دعوات استخدام العنف في إحداث ذلك التغيير، وهو ما اعترف به المتحدثون باسم الحركات الجهادية والمجموعات القتالية التي لجأت إلى العنف في ظل النظام السابق لأسباب عدة في مقدمتها انسداد قنوات التغيير السلمي.
* استعادة قيمة تظاهر الجماهير وخروجها إلى الشوارع والميادين، للتعبير عن احتجاجها بطريق سلمي، ورغم أن هذه القيمة يساء استخدامها في بعض الأحيان لكن ذلك لا ينفي وجودها، علما بأن إمكانية ترشيد ممارسة تلك الاحتجاجات وترشيد تعامل السلطة معها تظل مفتوحة في المستقبل.
* استيعاب التيارات الإسلامية في ساحة العمل السياسي المشروع، الأمر الذي يساعدها على إنضاج مشروعها وتطوير خطابها من ناحية، كما أنه يفتح الأبواب لإمكانية الإفادة من طاقاتها لتحقيق الصالح العام، الأمر الذي يطوي صفحة التنظيمات السرية بعد طي صفحة العنف.
* حين أثبت المجتمع حضوره وأصبح صاحب الكلمة في تقرير مصير السلطة فإن ذلك كان إيذانا بإنهاء حكم الأقلية واستعادة الأغلبية لحقها الذي سلب منها خلال العقود التي خلت. ولم يعد سرا أن احتكار الأقلية لصدارة السلطة والمجتمع خلال تلك الفترة لم يمثل انقلابا على الديمقراطية فحسب، وإنما أسهم أيضا في العبث بهوية المجتمع الحقيقية أدى إلى مسخ تلك الهوية وتغريبها، ومن ثم تزويرها في بعض الأحيان. وهي الصورة التي جرى تصحيحها بعد الثورة، حين أجريت الانتخابات بحرية ونزاهة وجاءت النتائج محددة لحجم وأوزان مختلف القوى المجتمعية والسياسية الموجودة على الساحة.
(4)
ذلك كله يحسب للثورة وليس للإخوان. وكنت قد أشرت في الأسطر الأولى إلى أن الثورة أصل والإخوان فرع، والثورة ملك لكل الشعب في حين أن الإخوان مجرد جزء وفصيل من الشعب. لذلك فإنني تمنيت أن يظل ذلك التميز واضحا ومحسوما لدى الجميع. إلا أن البعض تسرعوا وخلطوا بين الاثنين، حين حملوا الثورة بمشاعرهم وحساسياتهم إزاء الإخوان فحاكموها وأدانوها، حتى إضاءاتها وإشراقاتها تجاهلوها، فظلموا الثورة وبخسوها حقها. حتى قرأنا نعيها في بعض كتابات المحبطين فضلا عن الناقمين والشامتين.
لا أدافع عن أخطاء وقعت، وإنما أدعو إلى الاعتراف بها والاعتذار عن بعضها، ولا أجد مبررا لليأس والقنوط مادمنا ملتزمين بقيم الحرية والديمقراطية، وقابضين على حقنا في المشاركة والمساءلة. وأذكر أن زمن احتكار السلطة ولَّى وأن الثورة أدخلتنا عصرا جديدا آيته احتكار الشعب للشوارع والميادين وللفضاء السياسي كله.
صحيح أن هذا الكلام انصب على مصر بالدرجة الأولى، لكنني أستطيع أن أقول بثقة إنه ينسحب على دول الربيع العربي أيضا، ولا يفوتني أن أذكر بأن الربيع ليس مقصورا على خمس أو ست دول فقط، لكن رياحه العطرة اجتاحت العالم العربي بأسره، وثبتت رؤيته في تلك الدول الخمس والست، لكننا نشم رائحته ونقرأ رسائله القصيرة والمحجوبة في بقية الدول.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1021
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4356
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3180
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1224
| 28 سبتمبر 2026