رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كأن المجلس العسكري أخطأ في العنوان حين أراد أن يستفيد من الخبرة التركية. إذ بدلا من أن يعتبر أعضاؤه مما فعله الطيب أردوغان فإنهم استلهموا تجربة كمال أتاتورك، فأعرضوا عن سكة السلامة وطرقوا أبواب سكة الندامة.
(1)
رغم ارتياحنا النسبي لنتائج الانتخابات الرئاسية فالموقف في مصر الآن كما يلي: مع قرب نهاية الفترة الانتقالية التي تحددت في الثلاثين من شهر يونيو الحالي، حدثت مفاجأة لم تكن في الحسبان. إذ بعدما قطعنا شوطا لا بأس به باتجاه تأسيس النظام الجديد (أجريت انتخابات مجلسي الشعب والشورى وتشكلت لجنة وضع الدستور «فإننا استيقظنا ذات صباح على إعلان دستوري يعصف بما تم بناؤه، حتى الطوارئ التي ألغيت أطلت علينا من باب جديد، بعد إعطاء ضباط الجيش والمخابرات صفة الضبطية القضائية بالمخالفة للقانون».
بعد الذي جرى، لم يعد في بر مصر صوت يعلو فوق صوت المجلس العسكري، فهو الذي بات يملك سلطة التشريع، وهو الآمر الناهي فيما خص التنفيذ، ثم إن سلطة المجلس فوق القانون وفوق الدستور، وهو دولة داخل الدولة ولا شأن للأخيرة به، وحتى في وجود رئيس الجمهورية فإن قراراته خاضعة لوصاية المجلس المذكور، وإذا حدثت اضطرابات في البلد استوجبت تدخل القوات المسلحة فإن موافقة المجلس العسكري شرط لتنفيذ قرار رئيس الجمهورية في هذا الصدد. ولرئيس المجلس العسكري، ضمن جهات أخرى، أن يعترض على أي مادة في مشروع الدستور لا تعجبه وإلى أن يتم الاستفتاء على الدستور، فإن من حق المجلس العسكري أن يصدر ما يشاء من قوانين، وليس لأحد أن يطعن عليها أمام أي جهة قضائية.
أما الجمعية التأسيسية الحالية التي تتولى كتابة الدستور فإن الإعلان المذكور، أعطى المجلس العسكري سلطة إعادة تشكيلها إذا ما تعثرت في مهمتها دون تحديد أي معايير في هذا الصدد، وفي هذه الحالة فإن لجنة الدستور الجديدة ستكون معينة، من قبل المجلس العسكري، وليست منتخبة من الشعب، وفي هذه الحالة لن نفاجأ إذا ما قامت اللجنة «بتفصيل» الدستور بحيث يتجاوب مع رغبات المجلس وضغوطه.
الخلاصة أننا ظللنا طوال الأشهر التي خلت ننتظر موعد الثلاثين من يونيو الذي قيل لنا إنه سيتم فيه انتقال السلطة من العسكر إلى المدنيين، لكننا فوجئنا بذلك الانقضاض الذي نقلنا من حكم العسكر إلى تحكمه كما قيل بحق.
(2)
الخائفون على الثورة لم يختلفوا على وصف ما جرى بأنه انقلاب، والخائفون منها اعتبروه منعطفا وحركة تصحيحية. وكنت ضمن من وصفوه بأنه «انقلاب ناعم»، لكني استثقلت الوصف لاحقا واعتبرته تجميلا لفعل قبيح. صحيح أنه انقلاب لم تطلق فيه رصاصة وتم بالحيل القانونية والألاعيب السياسية إلا أن أحدا لا يستطيع أن ينسى أن شعب مصر دفع ثمنا غاليا من أرواح أبنائه ودمائهم لإنجاح هذه الثورة، الأمر الذي لا يستقيم معه وصف الانقلاب عليها بأي صورة بأنه «ناعم». ذلك أن تشويه حلم شعب يظل جريمة في كل الأحوال بصرف النظر عن الأسلوب الذي اتبع في ذلك.
حين قرأت لبعض الباحثين وصفهم للانقلاب بأنه «ما بعد حداثي» بمعنى أنه تفكيكي ومناهض للفعل الحداثي المتمثل في الثورة، وجدت أن المصطلح الأول أطلقه نظراؤهم على انقلاب الجيش التركي «السلمي» على حكومة السيد نجم الدين أربكان في عام 1997، حيث مورست عليه ضغوط لم يحتملها مما اضطره إلى الاستقالة من منصبه كرئيس للوزراء، وانتهى الأمر بالحكم عليه بالسجن وبحل حزب «الرفاة» الذي يقوده، وهو ما تم دون إطلاق أي رصاصة، وبقرار أصدرته المحكمة الدستورية العليا (أيضا!).
ليس من الإنصاف أن نقارن حصيلة الانقلاب الراهن في مصر بما حدث في تركيا في تسعينيات القرن الماضي، لأنني أجد الشبه أكبر بين الإجراءات التي اتخذها المجلس العسكري وبين ما أقدم عليه العسكريون الأتراك منذ أكثر من سبعين عاما، وهي المرحلة التي زرعت فيها بذرة تنصيب القوات المسلحة وصية على المجتمع وليست مجرد حامية لأمنه وحدوده، وهي مسألة تحتاج إلى ثقة وقراءة متأنية.
(3)
ثمة خلفية واجبة الاستدعاء عند التطرق إلى دور الجيش في كل من مصر وتركيا. فالجندية عند الأتراك لها مرتبتها الرفيعة في الوجدان العام، حتى يقال إن كل تركي يولد جنديا، وتحدثت كتب التاريخ عن النزعة القتالية التي تمتع بها الأتراك منذ ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد حتى إن قبائلهم التي عاشت في وسط آسيا دأبت على مهاجمة الصين، مما اضطر حكامها إلى بناء السور العظيم لصدهم، وظلت تلك الصفة ملازمة لهم بعد تأسيس الإمبراطورية العثمانية التي وصفت بأنها «عسكرية جهادية»، وفي مرحلة أفول الإمبراطورية التي تحولت فيها إلى رجل أوروبا المريض (القرن الثامن عشر) تكالبت عليها دول الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، وأنزلت بها هزيمة منكرة، الأمر الذي أدى إلى احتلال اسطنبول ذاتها في عام 1918، إلا أن ذلك استنفر المقاومة التركية التي قادها مصطفى كمال باشا (أتاتورك) لاحقا، واستطاعت أن تحرر البلاد من الغزاة في الفترة بين عامي 1920 و1922، وهو ما مهد له الطريق لتولي السلطة وإعلان الجمهورية وإلغاء الخلافة العثمانية في عام 1923، ولأن الجيش هو الذي أنقذ تركيا ورعى تأسيس الجمهورية فقد سوغ ذلك لقادته أن يعتبروا أنفسهم مسؤولين عن «إعادة تشكيل الأمة». وهو المعنى الذي رسخه مصطفى كمال باشا خلال سنوات حكمه التي استمرت من عام 1927 إلى عام 1938.
منذ ذلك الحين اعتبر الجيش نفسه حارس الوطن والجمهورية معا، وصار مؤسسة مستقلة عن الدولة، ولها موازنتها التي تعدها رئاسة الأركان وليس وزارة الدفاع، وترسل إلى البرلمان للموافقة عليها فقط وليس لمناقشتها.
منذ عام 1935 نص القانون على تلك الوظيفة للجيش، لكن الفكرة جرى النص عليها في الدستور عام 1960، في أعقاب أول انقلاب قام به قادة الجيش باسم الدفاع عن النظام الجمهوري وقيم العلمانية التي اعتبرت أساسا أبديا له، لا يقبل التعديل أو المناقشة.
استنادا إلى هذا الدور قام الجيش بثلاثة انقلابات عسكرية سافرة خلال السنوات 1960 و1971 و1980 وذلك غير الانقلاب «الناعم» الذي تم في عام 1997 وسبقت الإشارة إليه.
هذه الخلفية تبرز الفرق بين وضع الجيش في تركيا عنه في مصر، صحيح أنه في مصر نقل البلد من الملكية إلى الجمهورية بصورة هادئة نسبيا في عام 1952 إلا أن ذلك تم في ظروف مغايرة لتلك التي شهدتها تركيا وقاد فيها الجيش المقاومة التي أنقذت البلاد من اجتياح الحلفاء، ثم إن الجيش هناك أسس الجمهورية وبقي في قلب السياسة، في حين أنه في مصر خرج من السياسة وظل على هامشها بعد عام 1952. حتى في 25 يناير عام 2011 فإن الجيش المصري كان حارسا للثورة ولم يكن صانعا لها.
الفرق الآخر المهم أن الجيش في تركيا كان يتدخل في السياسة من منطلق أيديولوجي متذرعا بالدفاع عن العلمانية الكمالية، أما في مصر فلم يكن للأيديولوجية أي دور في تحرك الجيش الذي ظل ملتزما بحسابات المصلحة الوطنية فقط.
(4)
قصة الجيش التركي والسياسة رصدتها بالتفصيل رسالة دكتوراه قدمت إلى كلية آداب عين شمس في عام 2008 وحصل بها الدكتور طارق عبدالجليل على شهادته مع مرتبة الشرف وقد استفدت من تلك الرسالة غير المنشورة أغلب ما ذكرت، إلا أنني استكملت صورة تجربة العسكر هناك بالرجوع إلى كتاب «تركيا الأمة الغاضبة» الذي ألفه الباحث التركي كرم أوكتم وترجمه إلى العربية الأستاذ مصطفى مجدي الجمال. ومن أهم ما وقعت عليه في هذا الكتاب إبرازه لدور الدولة العميقة في صناعة المشهد التركي خلال الثمانين سنة التي خلت، والمؤلف يطلق عليها «الدولة الحارسة» التي قامت على تحالف الجيش مع القضاء والبيروقراطية ذلك أن الجيش في الانقلابات التي تمت كان يقوم بالمهمة السياسية والدور العسكري، لكن ذلك لم يكن يكتمل ويحقق مراده دون إسهام القضاء وتجاوب أجهزة الإدارة البيروقراطية، إن شئت فقل إن القضاء والبيروقراطية ظلا طوال العقود الخالية من الأدوات التي استخدمها الجيش في تسويغ ممارساته وبسط سلطاته. ويسجل المؤلف أنه في تسع حالات استخدم الجيش المحكمة الدستورية في حل 9 أحزاب إسلامية وكردية في الفترة ما بين عامي 1971 و2009. (هل يذكرك ذلك بالوضع الراهن في مصر)؟
لم تنتقل تركيا من الجمهورية الكمالية إلى مشارف الجمهورية الديمقراطية إلا بعد عام 2003 حين تولى السلطة حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان، الذي ساعدته ظروف مواتية على إخراج الجيش من قلب السياسة وفك تحالف القضاء والبيروقراطية. إذ مكنته الأغلبية التي حصل عليها حزبه من الحصول على أغلبية البرلمان وتشكيل حكومة متماسكة وليست ائتلافية، وساعده ذلك على الاستجابة لدعوة الاتحاد الأوروبي إلى ضرورة إضفاء الصفة المدنية على مجلس الأمن القومي الذي يقرر السياسة العامة للدولة، باعتبار ذلك من شروط قبول تركيا ضمن عضوية الاتحاد (المجلس كان يضم 12 عضوا بينهم سبعة من العسكر، أي الأغلبية لهم» وقد تم تغيير التركيبة بحيث أصبحت الأغلبية للمدنيين، كما أن دور المجلس أصبح استشاريا فقط، ولا وجه للإلزام فيه، وحين تم تصحيح ذلك الوضع صار بمقدور الحكومة أن تمارس سلطتها متحررة من القيود والضغوط وقوى ذلك مركزها في التصدي لأركان الدولة العميقة ممثلة في منظمة «آرجنكون» التي تحدثت عنها في مرة سابقة.
أذكر بأن مجلس الدفاع الوطني الذي أعلن المجلس العسكري عن تشكيلة في مصر خلال الأسبوع الماضي ضم 16 عضوا بينهم 11 من العسكريين «أغلبية» وإذا أضفت إلى هذه المعلومة خلاصة الإعلان الدستوري الذي صدر في 17/6 التي عرضتها في بداية هذا النص، فسوف تكتشف أن المجلس العسكري أعادنا إلى أجواء الستينيات في تركيا، وهو الوضع الذي لم تتحرر منه هناك إلا بعد مضي أربعين عاما.
لست متأكدا من أن ما فعله المجلس العسكري كان مجرد خطأ في العنوان أو خطأ في قراءة التاريخ، ومع ذلك فإن أكثر ما يهمني هو إجابة السؤال: كم عدد السنوات التي سنحتاجها لكي نتحلل من وصاية العسكر، لنتمكن من بناء مصر الديمقراطية التي من أجلها قامت الثورة؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12165
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10515
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3684
| 22 أكتوبر 2026