رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كان الفجر، بالكاد قد تنفس، عندما تصاعدت ألسنة اللهب، في سماء قطاع غزة، بفعل الصواريخ التي أطلقتها إسرائيل، مثل زخات الشهب، التي تسببت في احتراق الأبرياء، كاشتعال الحطب، وسط نيران الحرب، ليسقط ويتزايد على إثرها الكثير من الضحايا الضعفاء.
وفي أتون ذلك الصخب، الحارق، المخضب بلون الصهب، تتحرك أمواج تلو أخرى، من مشاعر الغضب، ويتواصل سقوط الشهداء، من الفلسطينيين الضعفاء، بين أنقاض المنازل المدمرة، وركام البيوت المحطمة، والمساكن المهشمة، التي تشهد، على ارتقاء أرواح أصحابها، إلى السماء.
أما الأحياء المكلومون، الملكومون، المقهورون، المحرومون، فأوضاعهم، تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، فلا ماء صالح للشرب يروي العطش، ولا غذاء صالح للأكل يقوي الأجساد التي أنهكها التعب والترحال، ولا وقود يسيّر الحياة، ولا كهرباء تنير الطرق وتشغل أجهزة المستشفيات، ولا كساء يستر الأجساد التي مزقتها القنابل واستهدفتها الصواريخ والمسيرات، ولا دواء يعالج الأمراض المزمنة، والمستحدثة بسبب هذا العدوان.
ولا شبكة صرف صحي، صالحة لقضاء الحاجة، ولا شعور، بالأمن والأمان، في كل زاوية، وكل مكان.
وكل يوم لهم موعد جديد، مع التهديد، والتشريد، والترهيب، والتعذيب، وأوامر النزوح، والإخلاء، إلى الخلاء.
إنها الحرب الصهيونية الغادرة، بكل أوجاعها الغائرة، التي تشنها إسرائيل على أهالي غزة، بهدف إخضاع «حماس» لشروطها، وإجبارها بالقوة العسكرية، على الإفراج عن المحتجزين لديها، وبعدها القضاء النهائي عليها.
ومع تواصل غارتها المدمرة، عبر استهدافها العشوائي المتعمد، وهجومها الوحشي المتعدد، على المدنيين الأبرياء، يتم توسيع مساحات القتل، وزيادة رقعة الموت.
هناك في غزة، الصابرة، ينشب الخوف في النفوس أظافره، وينتشر الحزن اللامتناهي في القلوب، ويكبر البؤس، الذي لا ينتهي، إلى ما لا نهاية، ويتضاعف حجم المعاناة التي تولد من رحم المأساة.
هناك، في بلد الفلسطينيين «البؤساء»، الذين لا يعرفهم «فيكتور هوجو»، ولم يكتب عنهم، روايته الشهيرة، التي نشرها عام 1862، وتناول فيها الحياة البائسة، التي عاشها الفرنسيون، بعد سقوط نابليون.
هناك في قطاع غزة، يتم قتل الأطفال والنساء، بلا رحمة، في سياق تسلسل، مسلسل سفك الدماء.
ومنذ فجر الثلاثاء، الثامن عشر من مارس الجاري، تواصل إسرائيل، فجورها العسكري، وجورها الاستبدادي من خلال فرض الظلم، والظلام، والضلال، عن طريق السلام، والاعتداء على حقوق الآخرين، والانحراف عن مقاصد وأهداف اتفاق الهدنة، التي تثبت الأحداث، وتؤكد التطورات وتوضح المستجدات، أنها هشة، أكثر منها هشاشة «الرهش»!
وسط هذا الواقع الهش، استأنفت إسرائيل عدوانها الهمجي، وما زالت تشن موجات تلو موجات، من الهجمات والغارات، بالطائرات والمسيرات، ضد الفلسطينيين، في كل الجهات، في سلوك غادر، وانتهاك سافر، لاتفاق وقف إطلاق النار، الذي تم التوصل إليه، برعاية أمريكية، وجهود قطرية، ومساعٍ مصرية.
وفي هذه اللحظات المصيرية، يحق لي أن أتساءل، لإثبات حقيقة مفصلية:
أي حضاره إنسانية، التي يتشدقون بها، وهم ينتهكون الاتفاقيات الموقعة، ويخرقون التعهدات الموثقة، والمواثيق المؤكدة، والتفاهمات الملزمة؟
وأي سلوك إنساني سليم، وتعامل سياسي قويم، يسمح لهم بقتل الآمنين، الصائمين، وبينهم المئات من المسنين؟
وأي ديمقراطية التي يتباهى بها نتانياهو، ورفاقه المتطرفون، وهم يمنعون دخول المساعدات الإنسانية، والاحتياجات الإغاثية الضرورية، التي يحرمونها عن المدنيين، ولا أقول المدانين؟
وأي نوع من الأنفس الصهيونية المريضة، التي تستخدم التجويع، والتعطيش، والتطفيش، والتهميش، سلاحاً ضد الآخرين يشهرونه، في وجوه المقهورين، المستضعفين، كوسيلة للعقاب الجماعي، والابتزاز السياسي؟
ثم يلومون «هتلر»، على حرقهم!
وهم بأفعالهم الإرهابية، وجرائمهم الوحشية، واعتداءاتهم الهمجية، على الفلسطينيين، يثبتون أنهم أكثر «هتلرية»، وأشد «نازية»، وأبشع «فاشية»، من ذلك المعتوه النازي.
ولا أنسى توغلهم البري، وتغولهم البربري، وتغلغلهم العسكري، الذي يطبقونه على طريقة الألماني الغازي، بامتداد محور «نتساريم»، مما يشكل خرقا خطيرا، لاتفاق وقف إطلاق النار، الذي أشعلوا فيه النار، فأصبحت محتوياته كتلة من النار، وبات يحتاج لمن يبادر، بإطفاء النار، المشتعلة في ذلك الاتفاق المنهار.
وما من شك، في أن هذا الانهيار، وذلك الدمار، يعكس النية الإسرائيلية المبيتة، والخبيثة، والخسيسة، لاستكمال جريمة الإبادة الجماعية، وإعادة احتلال قطاع غزة بالكامل، والتنفيذ التدريجي، لمخطط تهجير الفلسطينيين، خارج قطاعهم المدمر.
وفي خضم هذا الدمار، نشهد نوعا آخر من الانهيار، حيث يتواصل الفشل الدولي المخزي، والعجز العربي المخجل، عن وقف الحرب!
ومع هذا الانحدار، تترسخ الحقيقة المحزنة، المتمثلة في ضعف العرب، وعدم قدرتهم على مواجهة إسرائيل، إلا في إصدار بيانات الشجب، دون القدرة حتى على إلزامها، بالالتزام بتطبيق قواعد «الضرب»، التي يحددها القانون الدولي الإنساني.
ولعل ما يزيد من وطأة الكارثة، تواطؤ الغرب مع الطغيان، وتورط الولايات المتحدة، في دعم العدوان.
ومن المؤكد، إنني لا أخطئ العنوان، عندما أقول إن البجاحة، وصلت لدى الإدارة الأمريكية إلى درجة الإعلان، أن رئيسها، يدعم استئناف إسرائيل عملياتها العسكرية، الجوية والبرية، في غزة.
وهذا أعلنته، بكل صفاقة، المتحدثة باسم «البيت الأسود»، الملطخة جدران مكتبه البيضاوي، بدماء أطفال فلسطين.
ووسط هذا الموقف المشين، أقول بكل اليقين، وأنظر بعين اليقين، وأكشف بنور اليقين، أن المسؤول الأول، عن الواقع الحزين، الذي يعيشه حاليا أهالي غزة المسحوقون، هو «فخامة» الرئيس «الأفخم» دونالد ترامب!
وأستطيع أن أجزم ولا أزعم، أنه يتحمل المسؤولية الكاملة، عن قتل كل طفل فلسطيني، وكل أم غزاوية، وكل سيدة فقدت زوجها، أو ابنها، أو عائلتها أو معيلها، بعدما أعطى حكومة نتانياهو الإرهابية، الضوء الأخضر لشن عملياتها العسكرية، واعتداءاتها الهمجية، وممارساتها النازية، التي فتحت أبواب الجحيم وأشعلت النيران، في الاتفاق الهشيم.
وأقولها بصراحة، بل بمنتهى الصراحة، ينبغي على ترامب، أن يطأطئ رأسه خجلاً، لتورطه الفعلي والعلني في استئناف الحرب على غزة.
كما ينبغي على المجتمع الدولي، ممثلاً في الأمم المتحدة، وتحديداً ما يسمونه «مجلس الأمن» أن يقوم بطباعة جميع القرارات الصادرة منه، ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، والتي لم يتم تنفيذها، وتحويلها إلى مناديل ورقية، لتجفيف دموع المنكوبين في غزة.
والمؤسف، أن «ترامب»، الذي يسوّق نفسه على أنه داعية سلام عالمي، وأنه «سوبرمان»، الذي يحرص على إنهاء الحروب في العالم..
■ وأنه «باتمان» الذي يسعى، لترسيخ العدالة، في كامل استدارة الكرة الأرضية.
■ وأنه «سبايدرمان» الذي يملك قوة خارقة، تمكنه من الانتصار على خصومه وامتلاك قدرة فائقة، على استشعار مكامن الخطر، والتصدي لزعماء الشر.
■ وأنه البطل الخيالي الخارق، المسمى «كابتن أميركا»، الذي يمكنه هزيمة كل مارق، مرتديا بدلته المزينة بألوان العلم الأمريكي، وهو يحمل درعا غير قابل للتدمير، أو التكسير، أو التقشير أو التشطير.
ورغم كل هذه الشخصيات الكرتونية، التي تروجها ثقافة الخيال الأمريكي، التي يتقمصها رئيس الإدارة الأمريكية، من خلال تضخيم قدراته، وإظهار أنه البطل القاهر، والزعيم القادر على إحداث التغيير..
نجده لا يجرؤ، خلال تعامله مع إسرائيل، ورئيس حكومتها الشرير، حتى في إثبات أنه «بلوتو»، الذي يحاول القضاء، على «باباي» قبل أن يتناول السبانخ!
ولهذا نجده يتجاهل، أن هناك اتفاقاً ملزماً، تم توقيعه، بين «حماس» وإسرائيل، برعاية أمريكية، يتضمن إطلاق سراح الأسرى، على (3) ثلاث مراحل، دون الحاجة إلى استخدام العنف، وإطلاق الصواريخ، وإسالة دماء الأبرياء.
وأستطيع القول إن كل صاحب ضمير حي، يمكن أن يشهد بكل حماس، أن حركة «حماس» نفذت كل الالتزامات الواجبة عليها، وفقا للمرحلة الأولى من الاتفاق.
ثم فوجئت بمماطلة إسرائيل، وتنصل رئيس حكومتها، عن الدخول في مفاوضات المرحلة الثانية، واختلاق الذرائع وتسويق المبررات، والتهرب من تنفيذ التعهدات، بدعم وتشجيع وتأييد وإسناد من الوسيط الأمريكي!
وكان مفروضا من رئيس الولايات المتحدة، الاضطلاع بمسؤولياته الإنسانية والأخلاقية والقانونية، والضغط على إسرائيل - كما يفعل مع الأنظمة العربية - لإجبارها على الجلوس على طاولة التفاوض، من أجل الإفراج، عن بقية المحتجزين، دفعه واحدة..
بدلا من تحريضها على العدوان، وانتهاك حقوق الإنسان، وتشجيعها على توجيه جيشها لقصف الفلسطينيين، دون مراعاة صيامهم في شهر رمضان.
ومن الواضح، بل الفاضح أن ترامب بموقفه الفادح، أسقط عن وجهة قناع داعية السلام، ووضع على رأسه القلنسوة اليهودية، لتتربع فوق شعيراته الصفراء، وبات يتصرف وكأنه «تيودور هرتزل»، مؤسس الحركة الصهيونية.
وبات أسيراً لمعتقدات إسرائيلية، مليئة بالهراء، عن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، دون أدنى اعتبار، إلى حق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال، وحقهم في تحرير أرضهم، وحقهم في نيل استقلالهم، وحقهم في الحصول على استقرارهم، كما فعل الآباء المؤسسون للولايات المتحدة الذين وحدوا المستعمرات الثلاث عشرة، وقادوا حرب التحرير عن التاج البريطاني في أواخر القرن الثامن عشر ونالوا حريتهم واستقلالهم باستخدام القوة ضد السلطة البريطانية المتسلطة وبنوا إطاراً حكومياً حامياً لدولتهم الجديدة على أسس جمهورية وأبرزهم جون آدمز وبنجامين فرانكلين وتوماس جيفرسن وجيمس ماديسون وجورج واشنطن، وكل هؤلاء لعبوا أدواراً وطنية أمريكية مهمة في مقاومة ومحاربة الاستعمار البريطاني، لا تختلف عن الأدوار البطولية التي يقوم بها قادة المقاومة الفلسطينية، ضد الاحتلال الإسرائيلي، ومنهم على سبيل المثال الشهداء إسماعيل هنية والسنوار والضيف وغيرهم من قيادات النضال الفلسطيني.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
-تاريخ للعرب والإسلام لا يمكن أن نقرأه ثم نضعه على الهامش - ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ - أدعو لأفق إستراتيجي لا يبقى فيه اليمن إذا استعاد استقراره خارج منظومة مجلس التعاون - علي عبد الله صالح قرر منحي أعلى وسام يمني لكنه أرجأ تسليمه لي لزيارة قادمة لم تتم - صنعاء مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس - اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى لا يحتاج اليمن إلى من يبحث له عن مكان في التاريخ؛ فمكانه سبقنا إليه القرآن الكريم حين حدثنا عن سبأ وما أنعم الله عليها: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾، وسبقنا إليه الحديث النبوي الشريف: «الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية». وبين «البلدة الطيبة» و«الحكمة اليمانية» يمتد تاريخ بلد لا يمكن أن نقرأ تاريخ العرب والإسلام ثم نضعه على الهامش. سبأ ومأرب وحِمْيَر ليست أسماء من ذاكرة بعيدة، وإنما شواهد على حضارة ضاربة في القدم، وعلى أرض عرفت العمران والزراعة والتجارة. ولم يكن حضور اليمن في الإسلام عابرًا أو متأخرًا؛ فقد وفدت قبائله إلى رسول الله ﷺ ودخل أهله في الإسلام، وبعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن معلّمًا وقاضيًا. ومن اليمن خرج رجال وقبائل حملوا الإسلام والعربية معهم إلى الأمصار، وأسهموا في الفتوحات وفي بناء المجتمعات العربية والإسلامية التي نشأت بعدها. وظل اليمن حاضرًا في حواضره العلمية والتجارية والثقافية، من صنعاء وزبيد إلى حضرموت وعدن. وجيلي عرف اليمن من التاريخ، ثم عرفه من السياسة. فقد كنا نتابع منذ شبابنا التحول من الملكية إلى الجمهورية، والتدخل المصري لمساندة النظام الجمهوري الجديد، وما أعقب ذلك من أحداث جعلت اليمن حاضرًا بقوة في المشهد العربي. كنا نسمع بأسماء رجاله ونقرأ عن صراعاته وتحولاته، قبل أن تتيح لي الظروف أن أعرف اليمن عن قرب، وأن أعرف كثيرًا من رجاله. وكانت نقطة التحول في علاقتي المباشرة باليمن عام 1994، عندما جرت محاولة فصل الجنوب عن الشمال. كنت يومها وزيرًا للإعلام في دولة قطر، وكان لقطر موقف واضح في مساندة وحدة اليمن، في وقت كانت فيه مواقف خليجية أخرى مختلفة. وكان الإعلام أحد ميادين تلك المواجهة السياسية، حتى انتهت الحرب ببقاء الوحدة. وفي تلك المرحلة، ومن قبلها ومن بعدها، أتيح لي أن أعرف وأعمل مع عدد من الشخصيات اليمنية البارزة على اختلاف مواقعها واتجاهاتها؛ عرفت حسن اللوزي، الذي كان وزيرًا للإعلام، وجار الله عمر، الذي كان وزيرًا للثقافة، والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، والرئيس علي ناصر محمد الذي بدأت علاقتي به في دمشق، ومحسن العيني، أحد أبرز الشخصيات اليمنية، الذي عرفته زميلًا سفيرًا في واشنطن واستمرت علاقتنا حتى وفاته، ومحمد سالم باسندوة الذي عرفته زميلًا سفيرًا في الأمم المتحدة قبل أن يصبح رئيسًا للوزراء، والدكتور عبدالكريم الإرياني، وغيرهم كثير. رحم الله من توفاه الله منهم وأطال في أعمار الأحياء. ودعاني الرئيس علي عبدالله صالح إلى زيارة اليمن، فعرفته عن قرب ونشأت بيننا علاقة ود. وفي إحدى المرات قال لي إنه قرر منحي أعلى وسام يمني، لكنه سيؤجل تسليمه إلى الزيارة القادمة حتى يضمن عودتي إلى اليمن. ومرت الأيام، وتقلبت الأحوال، وتغيرت الدنيا، ورحل الرئيس، وبقي الوسام حيث كان. ولعل في هذه الحكاية الصغيرة شيئًا من حكاية السياسة نفسها: نؤجل بعض الأشياء إلى الغد، ثم يأتي الغد مختلفًا عما تصورناه. ولم تكن معرفتي باليمن مقصورة على السياسة ورجالها. عرفت بعض كبار مبدعيه، وفي مقدمتهم عبدالله البردوني وعبدالعزيز المقالح، ودعوتهما إلى المشاركة في فعالياتنا الثقافية. وفي زيارتي هذه رتبت الرئاسة جلسة أدبية فنية حضرها عدد من الأدباء والفنانين، لا تزال في ذاكرتي بما عكسته من ثراء الأدب والفن اليمنيين. وفي لحظة عفوية تبادلت ووزير الثقافة الزي؛ ألبسته العقال العربي، وألبسني العمامة والخنجر اليمنيين. صورة صغيرة، لكنها قالت يومها عن القرب بيننا أكثر مما تقوله كلمات كثيرة. اما اليمن الذي رأيناه فله حديث آخر.. رأيت في صنعاء فنًا معماريًا لا أعرف له شبيهًا؛ مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس. ورأيت في إب وما حولها طبيعة يعجز الوصف عن إعطائها حقها. صعدنا طرقًا متعرجة بين الجبال، ورأيت الفلاحات اليمنيات يتسلقن المرتفعات، يسقين الحقول ويقطفن الثمار، حتى وصلنا إلى غداء أقيم في قمة جبل تحيط به مناظر أقرب إلى الخيال. واستقبلنا عند مدخل المدينة وجهاؤها بملابسهم التقليدية المتنوعة، في مشهد من الألوان والهيبة والجمال، ثم جاءت المائدة اليمنية بما لا يقل ثراء عن المكان. وأقول ذلك وقد جلت العالم شرقًا وغربًا: في اليمن تنوع طبيعي قلّ أن تجده مجتمعًا في مكان واحد؛ شواطئ جميلة، وسهول ووديان، وجبال تكتسي بالخضرة، وأرض زراعية خصبة، وتراث عمراني نادر. ومن يرى كل ذلك يتساءل بألم: كيف استطاع هذا القدر من السياسة والصراع أن يفعل كل هذا ببلد منحه الله كل هذا القدر من الجمال؟ لقد حاصرت الحروب والسياسة اليمن طويلًا، حتى كاد ضجيجهما يحجب حقيقته وعظمته؛ فاختُزل بلد الحضارة والتاريخ والإنسان والجمال في أخبار الصراع، وغاب اليمن الحقيقي خلف أزماته. لكن أهمية اليمن لا تقف عند التاريخ والجمال والإنسان. فالجغرافيا منحته موقعًا لا يستطيع اليمنيون ولا جيرانهم ولا العالم تجاهله. إنه في جنوب الجزيرة العربية، ويشرف على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس والبحر المتوسط. وما جرى في السنوات الأخيرة أكد مرة أخرى أن اضطراب اليمن لا يبقى داخل حدوده، وأن أمن البحر الأحمر والملاحة والتجارة الدولية يتأثر بما يحدث فيه. ولهذا فإن تجاهل اليمن لا يضر باليمن وحده. من يترك جنوب الجزيرة العربية مضطربًا لا يستطيع أن يطمئن إلى استقرار بقيتها. لقد علمتنا تجارب العقود الماضية أن اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي تأتي ردًا على تطور هنا أو أزمة هناك. قد توقف معالجة طارئة جولة من الصراع، لكنها لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى. وما لم تكن هناك رؤية شاملة تعالج بناء الدولة ووحدتها واقتصادها وتنميتها، وتعيد للإنسان اليمني ثقته بمستقبله، فسنبقى ندور في دائرة إدارة الأزمات بدل الخروج منها. كما أن اتساع المشكلات والانقسامات الداخلية يفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية. وهنا لا بد من كلمة صريحة إلى أهل اليمن أنفسهم: إن مستقبل اليمن لا يصنعه الآخرون، والمسؤولية الأولى تبقى على اليمنيين؛ أن يقدموا اليمن على ما عداه، وأن يتحرروا من الارتهان والارتباط بالأجنبي أيًّا كان، وأن يجعلوا وحدتهم الوطنية فوق اختلافاتهم. فالارتهان للخارج وصفة داء لا دواء؛ إذ يستعين بك ما دامت له فيك حاجة، فإذا انقضت حاجته انقضى اهتمامه بك، وبقي الوطن وحده يدفع الثمن. وليس المطلوب أن يختلف اليمنيون أقل، بل ألا يجعلوا من اختلافاتهم أبوابًا تعبر منها مصالح الآخرين. فالوحدة الوطنية لا تلغي التنوع، وإنما تحميه وتحمي اليمن معه. وفي المقابل، تقع على محيط اليمن مسؤولية لا تقل أهمية. فلا ينبغي أن ننظر إلى اليمن بوصفه عبئًا ينبغي تحمله، أو مشكلة أمنية ينبغي احتواؤها. اليمن، إذا استقر وأحسن استثمار طاقاته، مكسب كبير للجزيرة العربية: بثروته البشرية، وموقعه، وأرضه، وإمكاناته الاقتصادية والزراعية والسياحية، وتاريخه وحضارته. والخطر ليس في اليمن، وإنما في أن نتركه للفقر والانقسام والاضطراب والتدخلات الأجنبية. ومن بين دول المنطقة تبقى المملكة العربية السعودية الأكثر اتصالًا باليمن جغرافيا وتاريخًا، والدولة المركزية في مجلس التعاون، واستقرار اليمن من استقرارها وأمنه من أمنها. وقد قدمت المملكة لليمن الكثير، لكنني أتطلع إلى أن يأخذ هذا الدور بعدًا استراتيجيًا أبعد؛ فلا يقتصر على التعامل مع الأزمات حين تقع، بل يقود، بالشراكة مع اليمنيين ودول المنطقة، مشروعًا طويل المدى يدعم وحدة اليمن واستقراره، ويساعد في تنميته وبناء مؤسساته، ويهيئه للاندماج المتدرج في محيطه الطبيعي في الجزيرة العربية. وإذا كنا نتطلع إلى المملكة العربية السعودية لتقف إلى جانب اليمن وتأخذ بيده نحو الاستقرار والاندماج، فمن حقها أيضًا أن تجد من اليمنيين تقديرًا لذلك، وأن تُقابل اليد الممدودة بيد ممدودة، والثقة بالثقة. لقد آن لنا أن نفكر في اليمن بمنطق المستقبل لا بمنطق الأزمة. ولِمَ يبقى اليمن، إذا استعاد استقراره وتماسكت دولته، خارج منظومة مجلس التعاون؟ ولماذا لا يكون الأفق الاستراتيجي هو تهيئته يومًا ليصبح جزءًا كاملًا من هذه المنظومة؟ عندها لن يكون الأمر مجرد إضافة دولة إلى مجلس قائم، وإنما خطوة نحو إطار أكثر تعبيرًا عن جغرافية المنطقة ووحدة مصالحها. وقد يأتي يوم نتساءل فيه: إذا أصبح اليمن جزءًا من هذه المنظومة، أفلا يكون «مجلس التعاون لدول الجزيرة العربية» اسمًا أصدق تعبيرًا عن حقيقتها الجديدة؟ هذه ليست دعوة عاطفية، ولا حلمًا يتجاهل صعوبات الواقع. إنها رؤية تنطلق من درس كررته الأحداث: اليمن مكسب كبير إذا احتُضن واستقر وأصبح جزءًا فاعلًا من محيطه، وخطر جسيم على الجميع إذا أُهمل وترك نهبًا للانقسام والفقر والتدخل الخارجي. لقد ظللنا طويلًا نسأل ماذا نستطيع أن نفعل لليمن. وربما حان الوقت لنطرح السؤال بصورة أخرى: ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ فاليمن لم يكن يومًا هامشًا في تاريخها، ولا ينبغي أن يبقى هامشًا في مستقبلها. لا تكتمل الجزيرة العربية دون اليمن..
4218
| 23 أغسطس 2026
ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو حاجة المؤسسات المستمرة إلى قيادات جديدة، في وقت لا يكفي فيه انتظار ظهور قائد جاهز. فهل القيادة موهبة فطرية، أم قدرة يمكن بناؤها وتطويرها؟ ولفهم ما إذا كان القائد يُولد أم يُصنع، لا بد أولاً من التعرف إلى الصفات التي تقوم عليها القيادة. ومن أبرزها وضوح الرؤية؛ فالقائد يرى الاتجاه قبل أن ينشغل بالتفاصيل، ويستطيع أن يحوّل رؤيته إلى هدف واضح يفهمه الناس ويعرف كل منهم دوره فيه. وعندما يحين وقت القرار يستمع، ويجمع المعلومات، ويدرس البدائل، ثم يحسم اختياره ويتحمل نتائجه. فإذا تعثرت الأمور، لا يسارع إلى إلقاء اللوم على الآخرين أو البحث عن موظف يدفع ثمن قراره؛ بل يعترف بالخطأ، ويصحح المسار، ويحمي فريقه من الاتهام غير العادل. فالقيادة لا تعني أن يكون القائد مصيباً دائماً، بل تعني القدرة على الاختيار وتحمل المسؤولية والتعلم والتصحيح. غير أن القرارات وحدها لا تكفي لقيادة البشر. فالقائد يحتاج إلى فهم نفسه وضبط انفعالاته وإدراك مشاعر الآخرين، وهو ما وصفه عالم النفس دانيال جولمان بالذكاء العاطفي. وقد تهدم كلمة قاسية في لحظة غضب ثقة بُنيت خلال سنوات، بينما يستطيع القائد المتزن أن يختلف ويحسم من دون أن يهين أو يجرح. وتمنح النزاهة هذه الصفات معناها؛ فالناس قد تعجب بذكاء المسؤول، لكنها لا تثق به إذا طبّق المعايير بحسب الأشخاص. لذلك يكون القائد عادلاً، واضحاً في قراراته، بعيداً عن المحاباة. كما يحسن الاستماع، ولا يخشى أصحاب الكفاءة، بل يختار من يكمله ويمنحه فرصة للمبادرة وتحمل المسؤولية. وعندما يصبح القرار الصحيح غير مريح أو غير شعبي، تظهر شجاعته الأخلاقية في تقديم المصلحة العامة على رغبته في إرضاء الجميع. هذه الصفات ليست حكراً على أشخاص يولدون باستعدادات فطرية، بل يمكن تنمية معظمها بالتعلم والتجربة. ويرى الباحث وارن بنيس أن «القادة يُصنعون ولا يولدون». ولا يعني ذلك تجاهل الاستعداد الفطري؛ فبعض الأشخاص يمتلكون الجرأة أو قوة الحضور وسهولة التواصل، لكن هذه المزايا تحتاج إلى التهذيب. فالجرأة بلا حكمة قد تصبح تهوراً، والثقة بلا وعي قد تتحول إلى غرور، والحزم بلا عدل قد ينتهي إلى تسلط. ووفقاً لنموذج مركز القيادة الإبداعية (CCL)، وهو مؤسسة دولية متخصصة في أبحاث وتطوير القيادات، فإن معظم التعلم القيادي يأتي من المهام والتجارب الصعبة، ثم من العلاقات المهنية والتوجيه، بينما تمثل الدورات الرسمية الجزء الأصغر. وهذا يفسر لماذا لا تُصنع القيادة في قاعة التدريب وحدها. فحين تكلف المؤسسة موظفاً واعداً بإدارة مشروع يتطلب تعاون عدة إدارات، وتمنحه صلاحية حقيقية، ثم تراجع معه قراراته ونتائجها، فإنها تدربه عملياً على التنسيق وحل الخلافات وتحمل المسؤولية، وبذلك تتحول القيادة من معرفة نظرية إلى ممارسة حقيقية. لهذا تبدأ صناعة القادة باكتشاف من يمتلكون القيم والاستعداد للتعلم، ثم منحهم مسؤوليات متدرجة، وإشراكهم في قرارات حقيقية، وتعريضهم لمواقف تتطلب الاختيار وتحمل النتائج. وهم يحتاجون إلى توجيه صادق يكشف نقاط القوة والضعف، وإلى بيئة تسمح بالخطأ المسؤول، لكنها لا تتسامح مع الإهمال. إن إعداد القادة ليس ترفاً إدارياً، بل ضرورة تضمن استمرار المؤسسة وتجددها. فالمؤسسة التي تنتظر قائداً جاهزاً قد تنتظر طويلاً، أما التي تستثمر في موظفيها وتختبر قدراتهم، فإنها تصنع خياراتها بنفسها. قد يبدأ القائد بموهبة، لكنه يكتمل بالتعلم والتجربة والمحاسبة. ولذلك فالسؤال الأجدر بالمؤسسات ليس: أين نجد قائد الغد؟ بل: ما الذي نفعله اليوم لصناعته؟
2148
| 23 أغسطس 2026
بين سوق واقف في قلب الدوحة ومدينة لوسيل في شمالها خمس وعشرون دقيقة بالسيارة. هذه هي المسافة على الخريطة. أما ما تقطعه في نفسك وأنت تقود بينهما، فرحلة بين قطر وقطر، وأظنها تختصر قصة تحولاتنا كلها. نظن أن العمارة شأن هندسي، وأن الحجر جماد لا رأي له. وهذا وهم. كل مخطط سكني هو قرار في العلاقات الإنسانية قبل أن يكون قرارًا في الخرسانة. حين تحدد عرض الشارع، فأنت تحدد هل سيسلّم الجار على جاره أم سيراه من خلف زجاج سيارته. وحين تختار موقع المسجد، فأنت تقرر ما إذا كان الأذان سيصل إلى الناس في بيوتهم أم سيحتاجون إلى عربة ليبلغوه. الجماد ليس صامتًا، بل يقول شيئًا كل يوم، ونحن نسمعه ولا ننتبه. في واقف، الممرات ضيقة. وهذا الضيق ليس عيبًا في التصميم، بل هو التصميم نفسه. الممر الضيق يجبرك على الاحتكاك بالناس، وعلى السلام عليهم، وعلى شمّ روائح البخور والتوابل. الدكاكين متلاصقة بلا أسوار، وبعضها مفتوح بلا حارس. الوزير والغفير يمشيان على الأرضية الخشنة نفسها، ويجلسان على الدكة الخشبية نفسها. والشراء هناك ليس تمريرًا لباركود على جهاز صامت، بل مكاسرة وسوالف وسؤال عن الأهل. المسجد في القلب لا على الهامش، والسكينة تغشى الجالسين على كثرة الزحام. مكان صُمّم كله ليقول «نحن»، لا «أنا». ولوسيل شيء آخر. أبراج شاهقة وزجاج نظيف وشوارع عريضة وحدائق مرتبة وعمارة تستحق الإعجاب حقًّا. لكن الشوارع العريضة تفصل الناس. أنت لا تمشي مع أحد، بل تمشي بجواره أو تراه من نافذتك. كل برج جزيرة مستقلة بخدماتها وحراستها، وأنت لا تعرف من جارك. المسجد موجود، لكنه صغير أو مخفيّ إلى جانب المولات وملاعب الغولف والمقاهي. والصوت الطاغي ليس الأذان، بل موسيقى الفعاليات وأزيز السيارات الفارهة. وحين تجلس في مقهى هناك، فالغالب أن جلستك ليست للحديث العميق، بل ليكون المكان خلفيةً مناسبة لصورة تُنشر بعد قليل. والمواطن يعيش بين المدينتين هجرةً يومية. في لوسيل يرتدي قناع الحداثة، ويتحدث الإنجليزية، ويقدّس الكفاءة والسرعة، ويريد أن يراه العالم متطورًا. وفي واقف يخلع القناع ويبحث عن الدفء واللمّة والأكل باليد، وعن شعور بأنه ما زال هو. لوسيل تمنحه الرفاهية وتتركه يشعر ببرد روحي، وواقف تمنحه الدفء ولا تصلح لإدارة مستقبله. فهو لاجئ دائم بين زمنين: لا يستطيع أن يستقر في ماضٍ قد مات، ويخاف أن يستقر في مستقبل بلا روح. وليست هذه رحلة في العمران وحده. الأسرة التي كان العشاء فيها موعدًا مقدسًا صارت جناحًا وشاشة لكل فرد. والسوق الذي كان البيع فيه سوالف ومكاسرة صار مكانًا لا تشتري فيه بضاعة بل صورة عن نفسك. والدِين الذي كان نظام تشغيل لليوم كله صار شعيرة تُؤدّى ثم يُغادَر إلى حياة أخرى. المدينتان لا تصنعان هذا الانشطار، بل تكشفانه. الحجر مرآة، والصورة التي فيه هي صورتنا. وهنا موضع الخطأ الذي أخشاه: أن يُقرأ هذا الكلام حنينًا. لست أدعو إلى هدم لوسيل والعودة إلى الدكاكين الطينية، ولا أظن أحدًا يريد ذلك جادًّا. لوسيل إنجاز يستحق الفخر، والعودة إلى الوراء ليست خيارًا مطروحًا أصلًا. لكن الفخر بالمبنى لا يعفينا من السؤال عن المعنى الذي يسكنه، وليس في الدنيا قانون يقول إن الحداثة تشترط البرود. المطلوب مدينة ثالثة في صورة حياة تناسبنا وتجمع شتاتنا. نأخذ من لوسيل تقنيتها ونظافتها وكفاءتها وسعتها، ونأخذ من واقف روحها ومركزية مسجدها وفضاءاتها التي تُمشى على الأقدام وتلاصق بيوتها ودفء جيرتها. مدن حديثة بقلب فريج قديم. وهذا ليس شعرًا، بل قابل للقياس والاشتراط. فليكن من شروط اعتماد أي مخطط سكني جديد أن يحقق حدًّا أدنى من الكفاءة الاجتماعية: ممشى مظلل يُستعمل في الصيف لا في الصوَر، وساحة التقاء في قلب الحي لا على أطرافه، ودكة جلوس، ومسجد في المركز تبلغه على قدميك في دقائق. وليكن للأحياء مؤشر عزلة يُنشر ويُتنافس عليه، كما تُنشر مؤشرات الطاقة والاستدامة. فما دمنا نقيس استهلاك المبنى للكهرباء، فمن الإنصاف أن نقيس أثره في علاقات ساكنيه. نحن نحتاج إلى عمارة تعيد الناس بعضهم إلى بعض. وحتى نبلغ هذه المعادلة، سيظل المواطن يقود سيارته في ذلك الطريق السريع بين المدينتين، بين الأصالة والحداثة، باحثًا عن روحه التي أضاعها في زحام رحلة التطور. ما أبعدها من خمس وعشرون دقيقة.
1950
| 19 أغسطس 2026