رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. خالد بن راشد الخاطر

د. خالد بن راشد الخاطر

مساحة إعلانية

مقالات

753

د. خالد بن راشد الخاطر

هلاك الأمم.. المترفون المتسبب الأول 2-1

25 مارس 2025 , 02:00ص

لماذا كثرة المترفين لا تبعث على التفاؤل؟

قانون التدمير القرآني

1. وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا – الإسراء (16)

لطالما تفكرت وتعجبت من أمر هذه الآية!

عندما يكثر المترفون، يكثر المفسدون، وعندما يكثر المفسدون يكثر الفساد، وعندما يكثر الفساد، تنهار الدول.

«أمرنا» تحتمل عدة قراءات، ومن وجهة نظري أنها جميعا تؤدي نفس المعنى أو النتيجة في نهاية المطاف. وقد ذهب بعض المفسرين إلى القول، «أمَرْنا مترفيها» بالطاعة، ولكنهم عصوا الأمر وفسقوا. وذهب آخرون إلى قراءة «أمّرْنا مترفيها» أي جعلنا لهم الإمارة، أو سلطة اتخاذ القرار، وذهب غيرهم إلى القول « آمرَنْا مترفيها» أي أكثرناهم، والتكثير قد يقود إلى عظم الأمر والظهور والغلبة. وقد يكون ذلك فعليا (عدداً) أو معنويا (تأثيراً، بفعل سلطة المال والسياسة)، بمعنى عظم شأنهم وظهور أمرهم وتفشي نهجهم على نطاق واسع، وكلاهما يؤدي نفس المعنى أو النتيجة، فالغلبة تؤدي إلى التسلط.

* فتأمير المترفين أو تآميرهم (تكثيرهم)، يعني ظهور أمرهم وانتشاره، وهو يؤدي بالنتيجة إلى ظهور الفساد وتفشيه على نطاق واسع نظرا لطبيعة المترفين، كما سنرى.

وفي الحديث، سُئل النبي ﷺ، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال نعم إذا كثر الخبث. وسياق الحديث هنا يدل على أن وجود الصالحين لم يكن له تأثير أو لم يحل دون كثرة الخبث. وبالتالي هو غير كاف لدرء الهلاك، لأن وجودهم لم يكن له تأثير إيجابي في الحد من تفشي الخبث والانحراف الذي استوجب الهلاك. فهم صالحون، ولكن لأنفسهم فحسب، فليس لهم تأثير إيجابي على صلاح المجتمع.

*وفي المقابل «وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون». فلا يكفي أن تكون صالحا، فغلبة الخبث تؤدي إلى الهلاك، هلاك الطالح والصالح معاً. والأكثر لفتا للانتباه هنا هو ليس كيف تقرأ «أمرنا» بقدر ما هو بعدها وهم «المترفين». فهو لم يقل وإذا اردنا أن نهلك قرية أمرنا أهلها ففسقوا فيها، بل خص المترفين. فكأن الفسق هو من اختصاصهم وسماتهم. فالمترفون إن أمروا عصوا، وإن أمّروا عصوا، وإن آمروا (كثروا) عصوا.

فهم من يتحقق فيهم شرط الهلاك أو التدمير. فأمرنا هنا شاملة ومتعددة الأغراض، ولكن النتيجة واحدة، وهي الهلاك، وهذا من الإعجاز البلاغي في القرآن. فالعلة هي في المترفين وطبيعتهم، المتمثلة في الغرور والكبر، ومن ثم التمرد والعصيان، وهو سلوك شيطاني قديم.

 والأمر على أية حال لا يوجه عادةً للأمم إلا بعد استتباب الأمن والاستقرار والنمو والازدهار، والوصول إلى مستوى عال من الرفاهية (إسباغ النعم أو الترف)، التي يأتي بعدها الامتحان بإرسال الرسل ليشكر أهل القرى أم يكفروا.

* ولم نسمع بقرى أو بأمم أهلكت وهي فقيرة، بل غنية مترفة متكبرة، كعاد التي قالت من أشد منا قوة، وثمود التي نحتت الجبال بيوتاً، وفرعون ذي الأوتاد. ولكن المشكلة هي في الوصول إلى مرحلة الترف، التي يصل معها الإنسان إلى مرحلة الغرور والكبر، والتمرد والعصيان، الذي يقود بالنتيجة إلى الجحود وكفر النعمة. ويبدو أن في الأمر متلازمة. فالتكليف أو الأمر لا يتم إلا بعد استتباب الأمن والاستقرار، والرخاء والازدهار، ولكن المعضلة هنا هي أنه مع الوصول لهذه المرحلة، يكون المجتمع قد وصل إلى مرحلة الترف أيضا، أو أنتج طبقة لا يستهان بها من المترفين، يكون لها تأثير أو شأن في المجتمع وفي قيادته وتوجيهه، وعلى الأرجح أنها ستقود في الاتجاه الخاطئ، وسترفض التكليف وتعصى التوجيه الإلهي، وهذه طبيعة بشرية، فمع الغنى والترف، يأتي الكبر والغرور، والتمرد، والعصيان والجحود، كما سيتضح من آيات أخرى، وهذا هو أصل المشكلة، وهي «الجحود»، أي «الكفر».

* والخلاصة، أن الترف أدى إلى الفسق، الذي استوجب التدمير. والفسق هو الخروج عن الطاعة (أو التمرد والعصيان) للإفساد على وجه الخصوص، وبطبيعة الحال لابد أن يكون الأمر بالطاعة بالمعروف. وهنا نقطتان، أو خطآن جسيمان يقع فيهما المترفون. الأول، وهو العصيان أو التمرد بسبب الترف، وهو كفر للنعمة والمنعم، عوضا عن الطاعة والشكر، والثاني هو الإفساد، وكلاهما يؤديان إلى الهلاك والتدمير، ولكن الفساد قد يكون هو السبب المباشر أو الأداة المباشرة للتدمير.

* 2. وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون – المؤمنون (33)

نحن نعلم أن المصير في الحياة الآخرة، مرتبط بالحياة الدنيا، فالذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة، كانوا من المترفين في الحياة الدنيا، ولو لم يكن ذلك سبباً مهما في كفرهم، لما ذكر في سياق الآية القرآنية، فكأن هناك استدراكا أو إضافة مهمة في الآية تقول ان الترف كان هو سبب كفرهم. والسياق هنا يشير إلى أن الكفر المقصود، هو أحد احتمالين، إما كفر مباشر بالله سبحانه وتعالى، وبالتالي يتبعه التكذيب باليوم الآخر، أو تكذيب بالبعث واليوم الآخر دون الكفر بالله (ككفار قريش)، وكلاهما كفر. ولكن العامل المشترك في الآيتين هو الترف. فالمترفون، إن كانوا كفارا فهم لن يؤمنوا، وإن كانوا مؤمنين فسيفسقون، وفي كلتا الحالتين هذا جحود للنعمة وخروج على المنعم وعدم اعتراف له، والجحود كفر، وفي كلتا الحالتين المترفون هم من سيقودون التمرد والمقاومة ضد الإصلاح والتغيير. والكفر هو أيضا عامل مشترك في الحالتين، ففي الآية الثانية هو كفر واضح، وفي الأولى، فسق سببه الترف. ففي الآية الثانية الترف أدى إلى كفر صريح، وفي الآية الأولى أدى إلى الفسق، والفسق هو الخروج عن الطاعة، للإفساد على وجه الخصوص (كما فسق إبليس عن أمر ربه ثم ما تبعه من إمعان واستمرار في المعصية إلى يوم البعث). وهذا السبب أشمل من الكفر المباشر بالله أو باليوم الآخر أو بكليهما، أي أنه ليس بالضرورة أن تكون القرية أو الأمة كافرة بالله أو باليوم الآخر لتدمر، بل قد تكون مؤمنة بهما، ولكن إذا توفرت فيها شروط التدمير، وهي الفسق، دمرت، لقوله تعالى «ففسقوا فيها، فحق عليها القول» أي توفرت أو تحققت فيها الشروط، «فدمرناها تدميرا».

* وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون – الزخرف (23)

وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنّا بما أرسلتم به كافرون – سبأ (34)

وهنا حسم أمر المترفين بشكل واضح ودون استثناءات، فهم لا يؤمنون، وهم من سيتصدون للمنذرين إن كانوا كفارا، وللمصلحين إن كانوا غير كفار، بالتكذيب والمقاومة، بكل الحجج والأساليب. فالخلاصة، أن المترفين إن كانوا كفارا، لن يؤمنوا، وإن كانوا مؤمنين فسيفسقون، وإن أمروا عصوا، وإن أمّروا عصوا، وإن آمروا (كثروا) عصوا. فهم من يتحقق فيه شرط الهلاك والتدمير، وسيؤدون إلى هلاك غيرهم معهم.

* ما هي مشكلة المترفين؟ الكبر والجحود

3. كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى – العلق (6)

الغنى أدى إلى الطغيان، والطغيان هو تجاوز الحد، في كل شيء. هنا الغنى يؤدي إلى الغرور والكبر الذي يقود للتمرد على (أمر) المنعم، وهو طغيان، لأنه ما كان ينبغي له تجاوز ذلك الحد مع من أوجده، وأنعم عليه وأغناه. وهو لم يقل ان الإنسان كان طاغية عندما كان فقيراً، بل فقط بعد أن استغنى. وهو جحود، عوضا عن شكر النعمة والمنعم، والجحود هو الإنكار، أي الكفر، ويبدو أن هذه هي طبيعة الإنسان. وهي مشكلة إبليس أيضا، فالغرور قاده إلى التكبر على أمر الله ومعصيته، وعدم السجود لآدم لأنه كان يرى نفسه أفضل منه، ولكن الله هو الذي خلقه وخلق آدم، فلا فضل له. فالمشكلة في نهاية المطاف هي الغرور والكبر، والترف أو الغنى مجرد سبب.

* وهذه مشكلة أزلية مع الإنسان، فالمال والسلطة، كلاهما أو أحدهما، يقودانه إلى الغرور والكبر. ومن أبرز الأمثلة على ذلك فرعون، الذي أوتي السلطة، وقارون الذي أوتي المال. ففرعون أوتي الملك والسلطة ولكنه أنكر فضل، بل ووجود من خلقه، فكفر، ولكنه لم يكتف بذلك، بل ادعى الألوهية لنفسه من دون من أوجده، وهو بهذا تجاوز كل الحدود «طغيان مطلق» ولذلك كان التوجيه لموسى «اذهب إلى فرعون إنه طغى». أما قارون الذي أوتي المال والثروة، فقد قال بوضوح، إنما أوتيته على علم عندي، أي جحد فضل المنعم عليه، واغتر بنفسه، وهو كفر، وغيرهم من أمثله الطغاة والمفسدين كثير على مر العصور، ولكن لا يتعظ بعضهم بالآخر.

* فمن لم يؤتِ النعمة حقها من الشكر (وهو الاعتراف بها للمنعم، ومن ثم طاعته فيها)، فهو جحود بها، والجحود هو الكفر، والكفر كما يقول الشاعر الجاهلي مخبثة لنفس المنعم. فنعود لنفس المشكلة، وفي نفس الدائرة مع الإنسان، وهي الكفر، بالله أو بنعمه، وقليل من عبادي الشكور.

لاحظ في الآية الثانية أن الذين تمردوا هم المترفون، وغالبا هم الطبقة الرأسمالية السياسية (صاحبة المال والسلطة) المتمكنة في كل مجتمع عبر العصور، والسبب هو الكبر والغرور، بسبب المال والسلطة، وخشيتها من فقدان وضعها أو منافستها فيه أو حتى مشاركتها فيه، وفي النهاية هذا نوع من الكبر والغرور والعنصرية، لأن هؤلاء يرون أنفسهم فوق غيرهم وأفضل منهم، وأن لهم الأحقية في احتكار ذلك الوضع دون غيرهم من خلق الله، ويستكثرون مشاركة أحد فيه حتى وإن كانوا أهلاً لذلك، وهذا الصراع هو الوضع السائد عبر العصور، وهو وضع طبيعي مع كل دين أو ثورة أو محاولة إصلاح أو تغير جذري في النظام الاجتماعي أو الاقتصادي لأي مجتمع.

 

مساحة إعلانية