رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(1)
ما يحاول قادة الكيان فعله الآن في غزة، من تهجير قسري لشعبها، يذكِّرني بما فعله ستالين يومًا مع شعب كامل؛ نفس السلوك الهمجي، نفس البشاعة والإجرام، وإليكم الحكاية من أولها.
(2)
منذ قديم الزمان، كان القياصرة الروس على قناعة بأن من يحكم القرم يحكم البحر الأسود، فعملوا على ذلك، حتى نجحت الإمبراطورة كاترين الثانية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر في هزيمة العثمانيين، والسيطرة على القرم.
ومنذ ذلك الحين سعى القياصرة إلى محو هوية القرم، عبر عمليات الترحيل القسري للتتار حتى تناقص عددهم من حوالي ستة ملايين نسمة، زمن كاترين الثانية، إلى أقل من ثلاثة مائة ألف نسمة حين اندلعت الثورة البلشفية.
تلك الثورة التي منحتهم ستة أعوام من الاستقلال الذاتي، قبل أن ينالهم ما نال كافة شعوب الاتحاد السوفيتي من قمع ستالين.
تندلع الحرب العالمية الثانية، يكتسح الألمان شبه جزيرة القرم في أواخر السنة الثانية للحرب، صحيح أن بعض التتار انضم إلى صفوف الألمان كرهًا في الشيوعية، وسعيًا إلى الخلاص منها، إلا أن أعدادًا كبيرة من التتار انخرطت في صفوف الجيش السوفيتي، ربما طمعًا في تقدير الرفاق، الذين لا بدَّ وأن يمنحوهم شيئًا من الحرية.
تتوالى الأحداث ليبدأ الجيش السوفيتي هجومه المعاكس ويُلحق الهزيمة بالألمان، ويسيطر على القرم، وفورًا يباشر الشيوعيون في تنفيذ أحكام الإعدام بحق كل من اشتبه به التعاون مع الألمان.
غير أن الأمر استفحل فأصبح عقابًا جماعيًّا، وقرارًا بالتهجير القسري، يصدره ستالين في الثامن عشر من الشهر الخامس لعام 1945.
فتهاجم قوات الجيش السكان في بيوتهم، وتأمرهم بالتوجه في الحال إلى محطات القطار، وليجري شحن ما يزيد عن ربع مليون نسمة منهم في قطارات شحن البضائع والماشية في رحلة دامت حوالي أربعة أسابيع، ليصل من بقي منهم حيًّا إلى المنفى، سيبيريا والأورال وآسيا الوسطي، والأربعون ألف مقاتل تتري الذين حاربوا في صفوف الجيش السوفياتي ضد الألمان حينما يعود من ظل منهم حيًّا يجد أهله قد تم نفيهم.
تمر السنوات بطيئة متشابهة.
وفي عام 1956 يعترف خروتشوف بجرائم النفي والتهجير التي ارتكبها سلفه ستالين، يطلق سراحهم من المناطق المغلقة التي كانوا معزولين فيها، غير أنه لا يسمح لهم بالعودة إلى ديارهم.
وفي عام 1968 يصدر إعلان رسمي بتبرئة تتار القرم من تهمة خيانة الوطن.
يخوض التتار نضالاً سلميًّا، مظاهرات واحتجاجات لم تكن معهودة في ذاك الحين، إلى أن تحل اللحظة المناسبة مع بوادر انهيار الاتحاد السوفيتي، ليعلن غورباتشوف حق التتار في العودة إلى ديارهم.
(3)
عام 2006 ذهبت إلى القرم، على أمل اللقاء بمن عاد من منفاه ليحكي لي الحكاية، لألتقي بعجوز محمل بالمستندات والخرائط، ليخبرني أنني سأجدهم في أطراف القرى وعلى سفوح الجبال، يسكنون فيما استطاعوا امتلاكه بعد أن عادوا ليجدوا بيوتهم مسكونة بمستوطنين روس.
ألتقي بعجائز تزيد أعمارهم عن الثمانين عامًا، يسترجعون من الذاكرة أحداثًا وقعت قبل أكثر من ستين عامًا، من حملات جماعية للتهجير، وأحكام إعدام بالجملة، ومساجد ومدارس دينية تهدم، وأوقاف تصادر، وأراض زراعية تستباح.
يصفون رحلة العذاب التي امتدت لأربعة أسابيع، كان الناس فيها أسرى العربات الحديدية للقطارات التي أقلتهم.
لا طعام ولا ماء ولا رحمة لطفل أو عجوز أو امرأة، كتل بشرية من اللحم والدم متكدسة في هذه العربات الصدئة، فإذا مات منهم من لم يحتمل، فإن الجنود يفتحون الأبواب ويقذفون بالموتى في الممرات المائية التي يمر بها القطار.
وفي المنفى يتركونهم في العراء، أو يسكنونهم في الحظائر، يجبرونهم على العمل في المزارع، يتركونهم دون طعام، يموت منهم من يموت إرهاقًا أو مرضًا، ممنوعون من مغادرة المناطق التي نقلوهم إليها، ممنوعون من التعليم، أو ممارسة شعائرهم الدينية.
كانوا يجلسون معي، يرغبون بشدة في سرد كل ما مرَّ بهم، غير أن السنين الطويلة وما لاقوه هناك أثر على ذاكرتهم.
ولأنه لا وثائق مصورة تثبت ما جرى، فإن رسامًا ماهرًا منهم، وُلد في المنفى، جمع حكايات ورسمها في لوحات تسجل الحدث المرعب.
(4)
انصت لحكاياتهم، وأتخيل في ذهني المشهد عند الترحيل القسري، صرخات العسكر وسياطهم تفزع الصغار والكبار، ينسون كل شيء سوى أن يصحبوا معهم مفاتيح بيوتهم، ووثائق تثبت ملكيتهم لأراضيهم، ومصاحفهم العتيقة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4512
| 06 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
4059
| 07 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم يمنحك القبول الذي تنتظره؟ وكم مرة شعرت أنَّ قيمتك ترتفع أو تنخفض تبعا لنظرة الآخرين؟ في زمن أصبحت فيه المعايير خارجية، ينسى كثيرون أن القيمة الحقيقية لا تستأجر من الآخرين، ولا تُمنح بقرارٍ من أحد، بل تُبنى من الداخل وتبقى رغم كل التقلبات. ولو سألنا عن ماهية القيمة المستأجرة، فسنجدها في أن يربط الإنسان قيمته برضا الآخرين، فيعيش أسير تقييماتهم، يعلو حين يُقبل، وينهار حين يُرفض، وهنا تحديداً يبدأ الصراع القاهر مع الذات، حيث تصبح الحياة سلسلة محاولات لإرضاء الخارج، بدل فهم الداخل. ولتوضيح الأمر ليبدو المشهد أكثر وضوحاً، هو أنَّ كثيرين يتأرجحون على سلّم تقييم الآخرين، دون وعي كافٍ بذواتهم، ما يجعلهم في حالة استنزاف دائم، رغم أنَّ كثيراً من تجارب الحياة لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، فإن استعادة القيمة من الداخل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية، تعيد للإنسان توازنه، وتحرره من عبء تقييم الآخرين. ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التأمل النظري، بل تمتد إلى ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، إذ تشير أبحاث إلى أن ربط تقدير الذات بعوامل خارجية—كالمظهر أو القبول الاجتماعي أو الإنجاز—يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، مقارنةً بمن يستندون إلى ما يُعرف بـ تقدير الذات الداخلي القائم على القيم الشخصية والمعنى، والتي لا تتأثر وفق نظرة الآخرين التي يصدرونها إلينا وفق الموقف أو وفق أمزجتهم. هذا التفريق ليس جديداً، فقد ميّز كارل روجرز أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس بين "الذات الحقيقية" و"الذات المشروطة"، موضحاً أن الإنسان كلما عاش وفق شروط الآخرين طلبا للقبول، ابتعد عن ذاته الأصلية، ودخل في حالة اغتراب نفسي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تُستنزف شيئاً فشيئاً. وفي السياق ذاته يذهب نثانيل براندين الذي تحدث عن الأركان الستة لتقدير الذات، أن الذات لا تبنى من خلال ما نحصل عليه من اعتراف خارجي، بل من خلال شعور داخلي بالكفاءة والاستحقاق، يتشكل عبر ممارسات عملية يومية تهدف إلى تعزيز الثقة والقيمة الذاتية، كالعيش بوعي، تقبل الذات، تحمل المسؤولية الذاتية، توكيد الذات، العيش بهدف، والنزاهة الشخصية، وأنَّ إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجريات حياته هو أحد أهم مصادر التوازن النفسي، هذا الإيمان لا يُمنح من الخارج، بل يتشكل عبر التجربة، والتكرار، وتحمل المسؤولية، بمعنى آخر، القيمة لا تُستورد من الخارج بل الشخص هو مصدرها. وهنا يتضح جوهر المسألة ويكشف أنَّ المشكلة ليست في المحيطين بنا، بل في المكان الذي نضع فيه أنفسنا بالنسبة لهم، حين تصبح نظرة الآخر مرآتنا الوحيدة، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وحين نُعلّق قيمتنا على قبول متقلب، نُدخل أنفسنا في معادلة خاسرة؛ لأن هذا القبول الخارجي أو المعتمد على الآخرين بطبيعته غير ثابت، ولا يمكن التحكم فيه. فالسؤال من نحن بدون القيمة الممنوحة لنا من الخارج!؟، وماذا يبقى منَّا عندما يغيب تصفيق الآخرين؟، فالإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية التحرر من القيمة المستأجرة، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه، لا ينتظر تعريفا من أحد، ولن يعتمد على نظرة الآخرين له. هُنا عليك أن تُذكّر نفسك، باستمرار، أنَّ قيمتك لا تُقاس بحجم الإعجاب الذي تحصده، ولا بعدد الألقاب التي تحملها، بل بمدى صدقك مع ذاتك، وبالدور الذي تؤديه في محيطك مهما بدا هذا الدور صغيراً، فالأثر الحقيقي لا يُقاس بضجيج الفعل، بل بما يتركه من معنى. ختاماً.. قد لا تستطيع التحكم في كيف يراك الآخرون، لكنك تملك بيدك أن تختار كيف ترى نفسك، وهذه في حقيقة الأمر الأكثر صعوبة، لكنها الحقيقة التي تستقر في عمق الوعي متوسدة عقولنا وتمتد إلى جنبات حياتنا.
2112
| 05 مايو 2026