رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لقد باتت مشكلة الإرهاب التي عانت منها تركيا لمدة 40 عامًا، قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى نقطة الحل، وذلك بالتزامن مع التصريح الذي صدر عن "عبد الله أوجلان"، في 21 مارس 2015 (يوم النوروز). خاصة أن الجمهورية التركية خاضت كفاحًا طويلًا ضد منظمة "البي كا كا"، خلال القرن الماضي، ودفعت خلال ذلك الكفاح ثمنًا باهظًا.
المشكلة تكمن في المفهوم الذي تأسست عليه الجمهورية
إن المشكلة الأساسية، كانت تكمن في المفهوم الذي تأسست عليه الجمهورية التركية، حيث تأسست استنادا إلى الهوية التركية، ما أفرز رفضًا لباقي الهويات العرقية واللغوية الموجودة في داخلها، إضافة إلى أن نظام الجمهورية، الذي دوَّن عبارة "ما أسعد من قال إني تركي"، على أهم الميادين والساحات العامة، وعلى أهم الكتب الرسمية، لم يأخذ أوضاع المواطنين الذين لا ينتمون إلى "العرقية التركية" في الجمهورية بعين الاعتبار. ورغم التأكيد المستمر على أن "التركية" لا تشكل مفهوم انتماء عرقي، بل هي اسم جامع لشعب متعدد الأطياف، إلا أن المشكلة حافظت على زخمها واستمراريتها في هذا الصدد.
في الواقع، لم يُسمَح بالتحدث باللغة الكردية والكتابة بها في تركيا لسنوات طويلة، كذلك لم يسمح باستخدام الكلمات الكردية أيضًا، بل حتى أن الجنرال "كنعان أفرين"، الذي قاد عام 1980 انقلابًا عسكريًا، واستولى على السلطة في تركيا، ذهب إلى حد القول بأنه لا وجود لشعب كردي، وأن الأكراد أنفسهم من أصول تركيّة.
لقد شهدت المنطقة في تلك المرحلة، تعاظمًا للحس القومي، وتنامياً للمفاهيم التي تمجّد الهوية العرقية، حيث ذهب البعض – مثل الجنرال كنعان أفرين – إلى تقديس عرقه، واعتباره النموذج الأسمى، وإنكار وجود الهويات الأخرى، أو التقليل من شأنها.
مشكلتنا تكمن في مفهوم "الدولة القومية"
إن مشكلة "الدولة القومية"، التي هي إحدى مفرزات الثورة الفرنسية، باتت تشكل مشكلة تواجه العالم بأسره، سيما أن تفكك الدولة العثمانية، وانقسامها إلى 64 دولة قومية، جاء أصلاً بعد الثورة الفرنسية، وتحت تأثيرها. ورغم أن مفهوم "الدولة القومية"، يعتبر من المفاهيم التي ترفضها الحضارة الإسلامية وتنتقدها بشدّة، إلا أن ذلك المرض وللأسف، قد ألم بالحضارة الإسلامية وسبب لها خسائر كبيرة، وها نحن اليوم نعيش مشاكل حقيقية وخطيرة ومزمنة، أفرزتها الأفكار والتيارات القومية العربية، والتركية، والفارسية، والكردية وغيرها..
إن ظهور منظمة "بي كا كا" قبل 40 عامًا، كان بسبب مفهوم الدولة القومية، الذي تجاهل الشعب الكردي وأنكر وجوده، وحرمه من لغته، وثقافته، وقد نمت تلك المشكلة على مدار 40 عامًا، واتسعت رقعتها، لتصبح مشكلة إقليمية، ثم لتتحول إلى أزمة تدخلت فيها قوات دولية، كما أن مشكلة الإرهاب التي استمرت 40 عامًا، حصدت أرواح نحو 40 ألف شخص، وتسببت في تعرض الآلاف لجروحٍ مختلفة، فضلاً عن الخسائر الكبيرة التي تعرض لها الاقتصاد التركي.
لقد كانت الدول الغربية، الداعم الأكبر لمنظمة "بي كا كا"، حيث زودت تلك الدول سراً المنظمة بالأسلحة، وقدمت لها الدعم المالي والإعلامي والسياسي، لقد أدرك الرئيس التركي الراحل والذي يعتبر أحد أهم السياسيين في تركيا "تورجوت أوزال" تلك الحقائق، وبذل جهوداً مكثفة لحل تلك المشكلة، إلا أنه لم يتمكّن من الحصول على النتيجة المرجوّة آنذاك.
متى بدأت المشكلة الكردية تتجه نحو الحل؟
عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا عام 2002، وجد أن "المشكلة الكردية"، تشكل واحدة من المشاكل المهمة التي تقف في مواجته. نظر رجب طيب أردوغان، إلى المشكلة الكردية من وجهة نظر إسلامية، وأكّد بشكل مستمر على أنه لا وجود لأفضلية عرقية بين الشعوب، واتجه نحو إيجاد حلّ للمشكلة الكردية على مراحل، كما اتخذ خطوات فعلية، منذ عام 2005، على صعيد قبول الهوية الإثنية الكردية، وإزالة الحظر الذي فرض على اللغة الكردية في العهود السابقة، فضلاً عن سلسلة من الإجراءات التي فتحت المجال للنشر والطباعة باللغة الكردية واستخدامها في وسائل الإعلام.
استطاع أردوغان التخلص من القيود والمحرمات التي لازمت تركيا طيلة نحو قرنٍ من الزمن، حيث تم استخدام اللغة الكردية في التلفزيون الوطني التركي ال (تي آر تي)، وبثّت الأخبار باللغة الكردية في وكالة الأناضول للأنباء. لقد امتلكت تلك الخطوات أهمية خاصة، حيث شكلت نهاية فعلية لسياسة الإنكار والصهر القومي، اللذين مورسا على مدى سنوات طويلة.
البدء بعملية ترميمٍ وتطبيعٍ اجتماعي
إن المسافة التي تم قطعها في تركيا، خلال السنوات العشر الأخيرة، على طريق إيجاد حلّ للمشكلة الكردية - التي تعود جذورها وتراكماتها إلى السنوات المائة الماضية - تظهر بأن الحل بات قريباً، أكثر من أي يومٍ مضى، إضافة إلى أن أردوغان، أظهر إرادة قوية، من أجل إيجاد حلّ لتلك المشكلة، وتَحمَّل جميع المخاطر الانتخابية، التي ما كان لسياسي آخر تحملها، في الوقت الذي حصل فيه على أصوات ودعم الشريحة الأوسع من القوميين الأتراك.
في السياق نفسه، أود الإشارة إلى نقطة هامة نوه إليها زعيم منظمة البي كا كا، "عبد الله أوجلان"، في الرسالة التي قرئت خلال الاحتفال بمناسبة عيد النوروز، في مدينة "دياربكر" جنوب شرقي تركيا، يوم 21 مارس الجاري، حيث قال: "نقف اليوم على عتبة مرحلة تاريخية مهمة، وكما أن نضال حركتنا المليء بالآلام خلال السنوات الأربعين الماضية، لم يذهب سدى، فقد وصل أيضاً لمرحلة لا يمكن الاستمرار فيها بنفس النهج". لقد تمكن أوجلان من رؤية انسداد الطريق وعدم إمكانية الوصول إلى حل من خلال اعتماد العمل المسلح، وهكذا نستطيع القول إن مشكلة منظمة آل "بي كا كا"، التي تعتبر واحدة من أهم المشاكل التي عانت منها تركيا والشرق الأوسط، قد اتجهت نحو التخلص من السلاح والعنف، إلا أن التأثيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية لتلك الحقبة ستستمر لسنوات عديدة.
والآن، تقف تركيا على عتبة مرحلة جديدة، ينزل فيها أفراد الميليشيات التابعين للمنظمة من الجبال، فيما يخرج آخرون من محبسهم، لتبدأ عملية دمج أولئك الأشخاص بالحياتين الاجتماعية والسياسية، إن هذه المرحلة لن تكون سهلة أبدًا، وعلينا عدم إغفال المصاعب والمشاكل التي ستتمخض عنها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، وما رافقها من إجراءات أحادية قام بها المجلس الانتقالي ( المنحل ) أربكت المشهد السياسي والأمني، ومن الواضح أن اليمن يتجه اليوم بعزم وإرادة، نحو مرحلة أكثر هدوءا واستقرارا.هذه الفترة رغم قصر مدتها إلا أنها كانت حافلة بالأحداث التي شكلت اختبارا صعبا لتماسك الدولة وقدرتها على الصمود، وأيضا لحكمة القيادة السياسية في إدارة لحظة شديدة الحساسية، داخليا وإقليميا.إن خطورة ما جرى في محافظتي حضرموت والمهرة لم يكن مقتصرا على تعميق الانقسام الاجتماعي أو إثارة الحساسيات المحلية، بل تجاوزت ذلك إلى تهديد وحدة البلد ووحدة مجلس القيادة الرئاسي وتماسك الحكومة، وإضعاف جبهة الشرعية برمتها في لحظة لا تحتمل فيها البلاد أي تصدّعات إضافية. هذا الوضع الصعب مثل تحديا حقيقيا كاد أن ينعكس سلبا على المسار السياسي العام، وعلى قدرة الدولة على مواجهة التحديات الوجودية التي لا تزال قائمة وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي والإنساني المتردي وانقلاب جماعة الحوثي. وخلال هذه الأزمة، برز بوضوح مدى أهمية الموقف الدولي، الذي ظل رغم كل التعقيدات قائما على مقاربات موضوعية ومسؤولة تجاه الملف اليمني. فقد حافظ المجتمع الدولي على موقف موحد داعم للحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، وهو مكسب سياسي ودبلوماسي بالغ الأهمية كان مهددا بالتآكل نتيجة تداعيات الأزمة الأخيرة. ومن المهم التأكيد على أن الحفاظ على هذا الدعم والزخم الدولي المساند للحكومة لم يكن نتاج صدفة عابرة، بل هو ثمرة جهد سياسي ودبلوماسي منظم وواع، أدرك حساسية المرحلة وخطورة أي انزلاق غير محسوب نحو الصراع داخل مظلة الحكومة، مرسخا قناعة دولية بضرورة دعم الشرعية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على استعادة الدولة وصون الاستقرار. اليوم تمضي القيادة السياسية والحكومة في مسار تصحيحي شامل، يستهدف احتواء تداعيات الأزمة ومعالجة جذورها، وهو مسار يحظى بتأييد شعبي واسع، ودعم كامل وواضح من الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. وبالحديث عن دعم أشقائنا في مجلس التعاون بقيادة السعودية فإنه من المهم أن نشير إلى أن هذا الدعم لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مساندة ظرفية مرتبطة بأحداث معينة، بقدر ما هو ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات الأمن الإقليمي والاستقرار السياسي، وتشابك المصالح بين اليمن ومحيطه الخليجي. نعم، إن أهمية الدعم الخليجي لليمن تتجاوز بطبيعتها البعد الاقتصادي أو الإنساني، لتتصل مباشرة بجوهر المعادلة الأمنية والسياسية في المنطقة. فاستقرار اليمن والاستثمار في دعم مؤسساته الشرعية يظل الخيار الأكثر حكمة لضمان أمن جماعي مستدام، قائم على الشراكة والمسؤولية المشتركة. ولكي تتمكن الحكومة ومجلس القيادة من استعادة زمام المبادرة، وتعزيز حضور الدولة، فإن اليمن أحوج ما يكون اليوم إلى موقف خليجي داعم على مختلف المستويات، سياسيا، واقتصاديا، وأمنيا، لأن هذا الدعم يشكّل الطريق الأكثر واقعية لضمان استقرار الأوضاع، واستعادة الثقة، وانتشال اليمن من أزماته المتراكمة، بعيدا عن الحلول المؤقتة أو المعالجات التي لا تنفذ إلى جوهر المشكلات التي تعاني منها بلادنا. وعلى المستوى الداخلي، شكلت الأزمة الأخيرة فرصة لإعادة تذكير جميع المكونات والقوى السياسية بأولويات اليمن الحقيقية، وبالمخاطر الأساسية المحدقة به. فالصراع الجانبي، وتغليب الحسابات الضيقة، لا يخدم سوى مشاريع التقسيم والإنفلات ومشروع الحوثي، الذي لا يزال التهديد الأكبر لمستقبل اليمن، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على الجميع للتحرك وفق برنامج واضح، يعيد ترتيب الأولويات، ويضع إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة في صدارة الأهداف، وصولا إلى مرحلة لا يكون فيها اليمن رهينة للسلاح أو المشاريع الخارجة عن الدولة، وإنما دولة مستقرة، شريكة لمحيطها، وقادرة على إدارة شؤونها بإرادة وطنية جامعة.
1749
| 14 يناير 2026
بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري أمام السنغال، جاءت ليلة نصف النهائي لتؤكد أن كرة القدم لا تعترف إلا بالعطاء والقتال على أرض الملعب. قدمت مصر أداءً مشرفًا وأظهرت روحًا قتالية عالية، بينما كتب المغرب فصولًا جديدة من مسيرته القارية، مؤكدًا تأهله إلى النهائي بعد مواجهة ماراثونية مع نيجيريا امتدت إلى الأشواط الإضافية وحسمت بركلات الترجيح. المباراة حملت طابعًا تكتيكيًا معقدًا، اتسم بسرعة الإيقاع والالتحامات القوية، حيث فرض الطرفان ضغطًا متواصلًا طوال 120 دقيقة. المنتخب المغربي تعامل مع هذا الإيقاع بذكاء، فحافظ على تماسكه وتحكم في فترات الضغط العالي دون ارتباك. لم يكن التفوق المغربي قائمًا على الاستحواذ وحده، بل على إدارة التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق في المباريات الكبرى. تجلّى هذا التوازن في الجمع بين التنظيم الدفاعي والقدرة على الهجوم المنظم. لم يغامر المغرب دون حساب، ولم يتراجع بما يفقده زمام المبادرة. أغلق اللاعبون المساحات وحدّوا من خطورة نيجيريا، وفي المقابل استثمروا فترات امتلاك الكرة لبناء الهجمات بهدوء وصناعة الفرص، ما منحهم أفضلية ذهنية امتدت حتى ركلات الجزاء. في لحظة الحسم، تألق ياسين بونو، الذي تصدى لركلتي جزاء حاسمتين بتركيز وثقة، وهو ما منح المغرب بطاقة العبور إلى النهائي وأثبت حضوره في اللحظات المصيرية. على الصعيد الفني، يواصل وليد الركراكي تقديم نموذج المدرب القارئ للمباريات بإدارة متقنة، ما يعكس مشروعًا قائمًا على الانضباط والواقعية الإيجابية. هذا الأسلوب أسهم في تناغم الفريق، حيث أضاف إبراهيم دياز لمسات فنية ومهارات فردية ساعدت على تنويع الهجمات وصناعة الفرص، بينما برز أشرف حكيمي كقائد ميداني يجمع بين الصلابة والانضباط، مانحًا الفريق القدرة على مواجهة أصعب اللحظات بثقة وهدوء، وخلق الانسجام التكتيكي الذي ساعد المغرب على التقدم نحو ركلات الجزاء بأفضلية ذهنية واضحة. ولا يمكن فصل هذا الإنجاز عن الجمهور المغربي، الذي شكّل سندًا نفسيًا هائلًا، محولًا المدرجات إلى مصدر طاقة ودافع مستمر. كلمة أخيرة: الآن يستعد المغرب لمواجهة السنغال في النهائي، اختبار أخير لنضج هذا المنتخب وقدرته على تحويل الأداء المتزن والطموح المشروع إلى تتويج يليق بطموحات أمة كروية كاملة.
1443
| 16 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات كان من المفترض أن تترك أثرًا دافئًا في قلوبنا، لكننا كثيرًا ما نمرّ بها مرور العابرين. لا لأن اللحظة لم تكن جميلة، بل لأننا لم نمنحها انتباهنا الكامل، وانشغلنا بتوثيقها أكثر من عيشها. نعيش زمنًا غريبًا؛ نرفع الهاتف قبل أن نرفع رؤوسنا، ونوثّق اللحظة قبل أن نشعر بها، ونلتقط الصورة قبل أن يلتقطنا الإحساس. لم نعد نعيش اللحظة كما هي، بل كما ستبدو على الشاشات. كأن وجودنا الحقيقي مؤجّل، مرتبط بعدسة كاميرا، أو فيديو قصير، أو منشور ننتظر صداه. نخشى أن تمر اللحظة دون أن نُثبتها، وكأنها لا تكتمل إلا إذا شاهدها الآخرون وتفاعلوا معها. كم مرة حضرنا مناسبة جميلة؛ فرحًا، لقاءً عائليًا، أو جلسة بسيطة مع من نحب، لكن عيوننا كانت في الشاشة، وأصابعنا تبحث عن الزاوية الأفضل والإضاءة الأجمل، بينما القلب كان غائبًا عن المشهد؟ نضحك، لكن بوعيٍ ناقص، ونبتسم ونحن نفكر: هل التُقطت الصورة؟ هل وثّقنا اللحظة كما ينبغي؟ نذهب إلى المطعم، أو نسافر إلى مكان انتظرناه طويلًا، فننشغل بالتصوير أكثر من التذوّق، وبالتوثيق أكثر من الدهشة. نرتّب الأطباق لا لنستمتع بطعمها، بل لتبدو جميلة على صفحاتنا، ونصوّر الطريق والمنظر والغرفة، بينما الإحساس الحقيقي يمرّ بجانبنا بصمت. نملأ صفحاتنا بالصور، لكننا نفرّغ اللحظة من معناها، ونغادر المكان وقد وثّقناه جيدًا… دون أن نكون قد عِشناه حقًا. صرنا نعيش الحدث لنُريه للآخرين، لا لنعيشه لأنفسنا. نقيس جمال اللحظة بعدد الإعجابات، وقيمتها بعدد المشاهدات، ونشعر أحيانًا بخيبة إن لم تلقَ ما توقعناه من تفاعل. وكأن اللحظة خذلتنا، لا لأننا لم نشعر بها، بل لأن الآخرين لم يصفّقوا لها كما أردنا. ونسينا أن بعض اللحظات لا تُقاس بالأرقام، بل تُحَسّ في القلب. توثيق اللحظات ليس خطأ، فالذاكرة تخون أحيانًا، والسنوات تمضي، والصورة قد تحفظ ملامح ووجوهًا وأماكن نحب العودة إليها. لكن الخطأ حين تصبح الكاميرا حاجزًا بيننا وبين الشعور، وحين نغادر اللحظة قبل أن نصل إليها، وحين ينشغل عقلنا بالشكل بينما يفوتنا الجوهر. الأجمل أن نعيش أولًا. أن نضحك بعمق دون التفكير كيف ستبدو الضحكة في الصورة، أن نتأمل بصدق دون استعجال، وأن نشعر بكامل حضورنا. ثم – إن شئنا – نلتقط صورة للذكرى، لا أن نختصر الذكرى في صورة. بعض اللحظات خُلقت لتُعاش لا لتُوثّق، لتسكن القلب لا الذاكرة الرقمية. فلنمنح أنفسنا حق الاستمتاع، وحق الغياب المؤقت عن الشاشات، فالعمر ليس ألبوم صور، بل إحساس يتراكم… وإن فات، لا تُعيده ألف صورة.
852
| 13 يناير 2026