رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تشهد مدينة شرم الشيخ المصرية السبت المقبل انعقاد القمة العربية الدورية، والتي لم تعد تقدم شيئا للواقع العربي، سوى مساحات للنشر، وساعات للبث، تغطي بها وسائل الإعلام المختلفة ما لديها من مساحات، بينما على الواقع هناك أمور أخرى تجري، لا علاقة لها بما يدور في هذه القمم، التي لم تعد تغني المواطن العربي من جوع، ولا تؤمِّنه من خوف، تنعقد قمة شرم الشيخ والوضع العربي في أسوأ أحواله، والتشرذم في أوجه، والتمزق يضرب أوطاننا من مشرقها إلى مغربها، والعدو لم يعد يترقب لحظة، بل هو بالدار بات يلعب، في شرم الشيخ لن تنعقد "قمة " بل هي "غمة " عربية، كما تنطق في بعض اللهجات العربية، هذه هي الحقيقة، فما يجب أن يطرح فيها في المجمل دماء وأشلاء وأوطان سلبت..، وأجيال لا تعرف مستقبلها في ظل واقع مؤلم، على بعد مرمى حجر من اجتماع "قادة " العرب.. في غزة المحاصرة عربيا قبل إسرائيليا.. هناك أطفال يصرخون، ونساء يبكين، وشيوخ يموتون، وشباب حائرون.. والعرب يتفرجون، بل يشاركون في هذه الجرائم التي ترتكب في غزة المحاصرة، ومعبرها المغلق، على يد الأشقاء، بل على يد من سوف يتولى رئاسة القمة العربية، فهل يعقل ذلك ؟!
عام تاسع، وحروب مدمرة ثلاث مرت على هذه المدينة المحاصرة، دون أن تحرك ساكنا أو شعرة لدى المسؤول العربي، إلا من رحم ربي، فماذا سيقول القادة في اجتماع "الشرم " أمام "المايكرفونات " والأضواء الصاخبة، فيما هناك شعب يموت بفعل عربي؟ هل سيتخذ "القادة " قرارا بإنهاء هذا الحصار الجائر والظالم ؟ هل سنرى فتحا لمعبر رفح يا من ستتولى رئاسة "القمة " العربية ؟ هل سنرى أهالي غزة يدخلون مصر من معبر رفح كما يدخل اليهود إلى مصر من كل الأبواب والمنافذ ومنها معبر طابا ؟ هل ننتظر قرارا عربيا يسمح ببناء مطار وميناء في غزة ؟ غزة على مرمى حجر من دولة المقر للجامعة العربية، وعلى مسافة "السكة " من شرم الشيخ التي تنعقد بها القمة العربية، ولا يفصلها عمن يتولى رئاسة القمة القادمة إلا معبر مغلق منذ سنوات، فهل سنرى من هذه القمة "انتفاضة " حقيقية تجاه شعب غزة الذي يعاني الأمرين من العرب وإسرائيل، وربما من العرب أكثر، ومن الجوار العربي أكثر وأكثر ؟
سوريا.. عام خامس من الإجرام والقتل يتعرض له هذا الشعب المتروك لمواجهة مصيره، دون أن يقف معه أحد من الأشقاء بصورة جدية، بل على العكس هناك أطراف عربية تقف مع القاتل، دعما عسكريا، وماديا ولوجستيا، في السر أو العلن، وتم الكشف عن العديد من هذا "التآمر" ضد الثورة السورية اليتيمة، التي تركت لتواجه إجرام الأسد وحلفائه وداعميه، لم يسبق أن استخدم نظام أسلحة ضد شعبه كما حدث مع الشعب السوري، الذي سقط منه أكثر من 350 ألف قتيل، فيما أكثر من نصف الشعب ما بين نازح ولاجئ، والجامعة العربية تستكثر على هذا الشعب العظيم حتى مقعد بلاده أن يتسلمه، فمصر الدولة المستضيفة لهذه القمة حتى هذه اللحظة رفضت توجيه دعوة للائتلاف الوطني السوري الذي يمثل الشعب السوري لحضور قمة شرم الشيخ ! .
حتى مقعد "خشبي " يرفض العرب منحه للشعب السوري الذي يقاتل من أجل حريته وكرامته منذ 2011، فماذا ينتظر هذا الشعب من "الغمة " العربية ؟ بالتأكيد لا يعلق كثيرا على أنظمة "مهترئة " والبعض منها جاء على دبابة أن ينتصر له، ومن المؤكد أن هذا الشعب العظيم سيظل معلقا بالسماء أملا ودعاء ونصرة، فالشعب الذي بدأ ثورته بـ "مالنا غيرك يا الله "، سيستمر على هذا النهج إلى أن ينتصر، وسينتصر عاجلا أو آجلا، وقف العرب والعالم معه أو ترك ليواجه إجرام النظام وحلفائه وشبيحته بنفسه، فتاريخ الشعوب الثائرة أنها منتصرة، نعم قد يتأخر النصر، وقد تكون التكلفة باهظة، لكن في نهاية المطاف لاخيار أمام الطغاة إلا الرحيل ولعنات الأجيال والشعوب والتاريخ تلاحقهم، وليس هناك استثناء، كل الطغاة كانت نهايتهم "مزبلة " التاريخ، كنا نأمل أن نسمع صوت الشعب السوري في القمة القادمة، كما سمعنا هذا الصوت يجلل في القمة العربية بالدوحة 2013، حيث انتصرت لحقوق الشعب السوري، والتي قامت قطر بدعوة الائتلاف السوري لحضور القمة، ومنحته المقعد الذي تحدث من خلاله الشيخ أحمد معاذ الخطيب، وألقى كلمة مدوية، تناول معاناة الشعب السوري، ناقلا مأساة العصر بكل تفاصيلها، مبرزا جرائم النظام الأسدي التي لم يشهد لها التاريخ الحديث مثيلا، اليوم يمنع الشعب السوري من إلقاء كلمته في القمة العربية، ويخنق حتى لا يسمع أحد معاناته، ولا فرق بين نظام مجرم يقتل الشعب السوري بالبراميل المتفجرة، والصواريخ والغازات المحرمة والمجرمة دوليا، و من يمنع صوت هذا الشعب من أن ينطق ليتحدث عن معاناته، في العراق .. ماذا عساها هذه القمة أن تفعل لمكون رئيسي من الشعب العراقي يذبح اليوم؟ ويشارك في هذه الجرائم أطراف من الداخل والخارج، مشاركة علنية، التحم فيها ما يسمى بـ "الجيش " وميليشيات طائفية، لمهاجمة مكوّن رئيسي في مدن مختلفة من مدن العراق .
ماذا يحدث اليوم في الموصل والأنبار وتكريت والفلوجة وأبوعجيل وصلاح الدين والرمادي وسامراء وديالى وكركوك .. ؟ تحت غطاء محاربة الإرهاب والتنظيمات المتطرفة تشن حروب إبادة ضد مدن بعينها، ويستخدم في ذلك كل أنواع الأسلحة، تماما كما يحدث في سوريا من قبل النظام الأسدي، نفس الأساليب، ونفس التوجه، ونفس الفكر، وإن اختلفت بعض الوجوه..، والعالم يشاهد حجم الجرائم التي ترتكب بحق الشعب العراقي، بما فيها أيضا التغيير الديمغرافي للعديد من المناطق، والقتل على الهوية، والتهجير لسكان مناطق بأكملها.. دون أن يحرك ساكنا، والعرب مغيبون عما يحدث، فماذا يمكن لقمة شرم الشيخ أن تفعل لأولئك المضطهدين في بغداد الرشيد ؟ .
ليبيا.. هذا الشعب الذي استطاع أن ينهي حكما فرديا قمعيا دام 42 عاما، لم يترك ليقرر مصيره، وجدنا من يحاول العبث بالساحة الليبية، لينهي ثورة هذا الشعب الأبي، أحفاد عمر المختار، ليرجع عقارب الساعة إلى عهد الاستبداد والقمع، ولكن بوجوه جديدة، فتمت صناعة شخصيات "حفترية " لتخلط الأوراق، وتضرب الثورة، وتسقط بالتالي تطلعات الشعب الليبي بالمستقبل، وقام بعض العرب بدعم هذه المجموعات المصنوعة بهدف ضرب الثورة الليبية، وإعادتها للمربع الأول، هذه ربما كانت ملفات البعض منها بات مقررا على القمم العربية، لكن هناك ملفا جديدا وغاية في الأهمية دخل على أجندة القمة العربية القادمة، ألا وهو الملف اليمني، حيث أقدم الحوثيون على انقلاب عسكري على الشرعية في اليمن، وسيطروا على مفاصل الدولة في العاصمة وعدد من المحافظات والمدن، وهم اليوم يزحفون إلى عدن، التي يتخذها الرئيس هادي مقرا، فماذا سيكون الموقف العربي ؟ .
لست متفائلا بموقف عربي حازم يعيد الأمور إلى نصابها في اليمن، والتصدي بكل حزم للعبث والفوضى التي دفع بها الحوثيون، الذين وجدوا في " غفلة " من الزمن دعما لارتكاب هذا الجرم من أطراف عربية للأسف الشديد، حتى وصل بنا الحال إلى ما هو عليه اليوم، ميلشيات الحوثي اليوم هي التي تسيطر على الوضع ميدانيا في العاصمة صنعاء ومدن يمنية أخرى، فهل سيكون للعرب موقف في قمتهم القادمة ؟ .
في المشاهد الثلاثة.. سوريا.. العراق.. اليمن.. تصدرت إيران المشهد بكل تفاصيله، عبر دعم عسكري ميداني مباشر، أو لوجستي، أو مادي، وفي العواصم الثلاثة اجتمع كل أنواع الدعم الإيراني، إن كان للنظام السوري، وأعلنت إيران أكثر من مرة على لسان قادتها أنها لو لم تكن هي بالساحة السورية لسقط نظام الأسد، وفي العراق الأمر ذاته، وهي اليوم في اليمن عبر الحوثيين وذراعه أنصار الله، كما هو في لبنان حزب الله .
لم أشأ أن أذكر إيران عند الحديث عن كل ملف، فهي باتت العنصر المشترك في الملفات الثلاثة، وأصبحت تتحدث علانية عن حضورها وتواجدها عسكريا وأمنيا ومخابراتيا، وتسيير رحلات لنقل الأسلحة والجنود والخبراء، ولم يعد هذا الأمر سرا، فما هو رأي القادة العرب فيما وصل إليه الحال في هذه العواصم ؟ .
أتساءل
ما الفائدة من قمة تعقد وغزة محاصرة ؟!
ما الفائدة من قمة تعقد وإسرائيل تواصل التهويد والاستيطان ومصادرة الأراضي ؟!
ما الفائدة من قمة تعقد والميليشيات هي التي تتحكم في العراق ؟!
ما الفائدة من قمة تعقد والتهميش والإقصاء ضد مكون رئيسي في العراق بات مسلكا رسميا ؟!
ما الفائدة من قمة تعقد ومقعد سوريا لا يشغله الائتلاف السوري الممثل الرسمي للشعب، هذا إن لم نفاجأ بتسليم المقعد للنظام السوري بعد كل هذه الجرائم البشعة التي ارتكبها بحق شعبه ؟!
ما الفائدة من قمة تعقد ولا تحقق للشعب الليبي أهداف ثورته ؟
ما الفائدة من قمة تعقد واليمن يعيش عبثا وفوضى وزحفا عسكريا من ميليشيات سيطرت على مفاصل الدولة وأبعدت الشرعية ؟
ما الفائدة من قمة تعقد والأزمات الاقتصادية الطاحنة تلف المواطن العربي من أقصاه إلى أقصاه ؟
ما الفائدة من قمة تعقد والبطالة بين الشباب العربي تجاوزت 25% ؟
ما الفائدة من قمة تعقد والأمية تنتشر في العالم العربي بأرقام مخيفة ؟
ما الفائدة من قمة تعقد والشقيقة مصر تعيش أوضاعا غير سوية، وانشقاقا غير مسبوق في المجتمع، ووضعا اقتصاديا لا تحسد عليه ؟
إنها قمة العبث العربي بكل أسف.. نعم ففي الوقت الذي يعيش العرب مخاطر متعددة، ومهددات أمنية، يدفع البعض لخلق "أعداء " من الشعب نفسه، فيما أعداء الأمة يسرحون ويمرحون في الداخل والخارج، ويستقبلون بالأحضان من قبل البعض.. إلى هذه الدرجة وصلنا من الهوان .
وقفة
قصيدة جميلة للشاعر أحمد مطر تصف حال الأمة، عبر حوار مع ابنه، أقتطع منها بعض الأبيات.. يقول:
فهمت الآن ياولدي لماذا قلت لا تكبر ؟!
فمصرٌ لم تعُد مصراَ
وتونس لم تعد خضرا
وبغدادُهي الأخرى
تذوق خيانة العسكر
وإن تسأل عن الأقصى
فإن جراحهم أقسى
بني صهيون تقتلهم
ومصر تغلق المعبر
وحتى الشام يا ولدي
تموت بحسرةٍ أكبر
هنالك لوترى حلبا
فحق الطفل قد سُلِبا
وعرِض فتاةِ يُغتصبا
ونصف الشعب في المهجر
صغيري إنني أرجوك لا تكبر
فأُمتنا ممزّقةٌ
وأمتنا مقسّمةٌ
وكل دقيقة تخسر
وحول الجيد مشنقةٌ
وفي أحشائها خنجر
ماذا لو صمتت الشبكة؟
في أحد المشاهد المفصليّة المبكّرة من فيلم Leave the World Behind، لا ينفجر شيء، ولا تُعلن حرب، ولا... اقرأ المزيد
126
| 10 مارس 2026
سينتهي كل شيء يا ناصر
اعذروني ولكني لم أجد شخصا يتتبع كل صوت ينطلق جراء اعتراض صاروخي أو سقوط شظايا أو انطلاق أجهزة... اقرأ المزيد
165
| 10 مارس 2026
الخليج بين نارين
لا شك أن إيران تمثل خطرا لا يستهان به. ولا شك أيضا أن الكيان الصهيوني بكل أذرعه الإرهابية... اقرأ المزيد
162
| 10 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما أضيف إلى "مان" من أفلام الخيال العلمي التي أنتجتها هوليود، كلها من مخرجات الحداثة، التي تغالي في قيمة الفرد، وتسرّب إلى الجماهير مفهوم الفرد المخلّص الذي ينقذ المجموع بعيدا عن الحل الجماعي. الركون إلى فكرة انتظار الفرد المخلص وأن شخصًا ما أو عدة أشخاص بيدهم الحل لكل أزماتهم ومشكلاتهم، هي آفة يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وكلما تفاقمت أزمات مجتمع منها كلما ازداد تعلقا بفكرة الفرد المخلص، سواء كان هذا الانتظار والترقب ناتجا عن انتظار تقلبات المناخ السياسي التي يمكن أن تسفر عن ظهور شخصية تقود المجتمع إلى بر الأمان، أو كان هذا الانتظار والترقب متعلقًا بالنبوءات الدينية. لكن أين عمل المجموع؟ أين الحلول الجماعية؟ هنا يكون الخرق والتصدع الفكري. نعم لا نستطيع أن ننكر المسؤولية الفردية، ولا قيمة الجهد الفردي، فرب فكرة فردية عاشت الأمم والبشرية في ظل ثمارها، والمخترعات والاكتشافات تمت معظمها عن طريق أفراد، لكن هذه الجهود الفردية لم تكن لتؤتي ثمارها لو لم تجد حاضنة اجتماعية أو علميةوجهودا جماعية تقوم بها وتعمل عليها. حتى أنبياء الله ورسله، لم يأت أحدهم ليمسح على رؤوس الناس فيتغير وجه الحياة، بل بذلوا جهودهم من أجل إيجاد الثلة المؤمنة التي تقوم بأعباء تبليغ الرسالة بعمل جماعي يرتكز على منهج رصين. وفي سورة الكهف، نقرأ في خواتيمها قصة ذي القرنين، ذلك الملك الصالح الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، هذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تحمل توجيهات إدارية قوية في معالجة الأزمات، أبرزها التوازن بين الحل الفردي والحل الجماعي، وعدم الركون إلى فكرة الشخص المخلص. يأتي ذو القرنين قومًا تمثلت أزمتهم في الهجمات والغارات الهمجية لقوم يأجوج ومأجوج، الذين يتدفقون من بين الجبلين فيعيثون في الأرض فسادًا. عندما عاينوا قوة وبأس ذلك الملك رأوا فيه الشخص المخلّص الذي يمكن أن يرفع عنهم ما هم فيه من معاناة، ومن أجل ذلك طلبوا منه حمايتهم على أن يجعلوا له جُعلًا من المال. الشاهد من القصة، أن ذا القرنين ترفّع عن أخذ المقابل، لكنه أشركهم معه في العمل، وجعلهم جزءًا من الحل لا الاكتفاء بوضعية المتفرج، فحدّد لهم خطة عملية يعملون عليها بأيديهم تحت مراقبته وإدارته ورعايته. أمرهم بجمع قطع الحديد ووضعها بعضها فوق بعض بين السدين، إلى أن يحاذي الحديد رؤوس الجبلين طولا وعرضا، ثم أمرهم بأن يضرموا فيه النار، حتى إذا اشتعل كله أمرهم بصب النحاس المذاب عليه حتى يزداد صلابة، فلا يستطيع المعتدون المرور من بين السدين أو تسلق هذا المرتفع الشاهق. كانت الفكرة فردية من قِبل ذي القرنين، لكن التنفيذ كان بأيديهم، ليخرج العمل في النهاية جماعيًا بامتياز، لا يقوم به فرد وحده مهما بلغت قوته، وتلك هي كلمة السر في عمليات النهوض أو مواجهة الأزمات. لقد استوقفنتني حكاية جاءت بها كتب الطبقات والتراجم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لأصحابه يومًا: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- وأتصدق به، ثم قال: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح. لقد أدرك عمر قيمة الرجال والعمل الجماعي، فلم يتمن شخصًا مثل أبي عبيدة، ولكنه تمنى أشخاصًا وجمعًا مثل أبي عبيدة، فهكذا الأوطان تنبى بجهود جماعية، حتى وإن قادها الفرد وأرشدها وأنار لها الطريق. ومع كل حدث ساخن في المنطقة يعمد فئام من أمتنا إلى إسقاط نبوءات الساعة الواردة في النصوص النبوية وتنزيلها على الواقع بلا روية، وخاصة المتعلقة بظهور المهدي المنتظر، يستبشرون وهم قعود لا يبذلون ولا يعملون، كل بضاعتهم انتظار المخلص، لكنهم لا يعلمون أن المهدي لن يقود أمة من الكسالى الضائعين، بل يأتي ليحكم أمة عرفت الطريق، تحتاج فقط إلى من يكون رأسًا فيها.
2826
| 08 مارس 2026
في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار خط الدفاع الأول للاستقرار، فجوهر هذا المبدأ واضح ومباشر، الخلاف السياسي لا يبرر تهديد أمن الدولة المجاورة، ولا تحويل التوترات إلى مواجهات عسكرية، وعندما تُستبدل لغة الحوار بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فإن المشهد يتغير من خلاف دبلوماسي إلى خطر إقليمي مفتوح. حسن الجوار ليس بالضرورة التطابق في المواقف، بل يعني احترام الحدود والسيادة والامتناع عن أي تصرف يعرّض المدن أو المنشآت الحيوية للخطر. فلكل دولة الحق في أن تشعر بالأمان داخل أراضيها، وأن تحمي بنيتها التحتية وسكانها من أي استهداف مباشر أو غير مباشر. هذه قاعدة بديهية في العلاقات الدولية، لأنها تمس حياة المدنيين قبل أن تمس الحسابات السياسية. ما فعلته إيران من قصف منشآت داخل قطر، واستخدام صواريخ وطائرات، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد رسالة سياسية. استهداف البنية التحتية أو المرافق الحيوية يمثل تصعيدًا عسكريًا يضع المنطقة أمام احتمالات حرب خطيرة، فحين تُطلق الصواريخ وتنطلق الطائرات، لا تُصيب هدفًا ماديًا فحسب، بل تُصيب معها الثقة والاستقرار والأمن الإقليمي. الأخطر من ذلك أن مثل هذه الانتهاكات تجر دول الجوار إلى دائرة حرب المواجهة المباشرة وقد تتوسع سريعًا لنطاقات لا حد لها. فالهجمات بالصواريخ أو الطائرات لا تبقى ضمن إطار ثنائي، بل تفرض على الدول المجاورة اتخاذ إجراءات مقابلة، وهكذا تتحول حادثة واحدة إلى سلسلة ردود أفعال متلاحقة، قد تدفع المنطقة بأسرها إلى حافة مواجهة دامية. المنطقة الخليجية شديدة الترابط سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، أي تصعيد عسكري فيها يكون شرارة تحرق الأخضر واليابس. المنشآت المستهدفة ليست مجرد مبانٍ، بل مراكز طاقة واتصالات ومطارات وخدمات تمس حياة الملايين. وعندما تُستهدف، تتأثر سلاسل الإمداد، وتضطرب الأسواق، وتتراجع الثقة في استقرار الإقليم. وهذا ما يجعل أي عمل عسكري يتجاوز الخلاف السياسي ليصبح تهديدًا عالمياً مباشراً. من حق أي دولة أن تختلف مع جارتها في الرؤية أو التحالفات أو المواقف الإقليمية، لكن ليس من حقها البتة أن تنقل هذا الخلاف إلى مستوى استخدام القوة وحرب مفتوحة. فالصواريخ لا تحل النزاعات، والطائرات لا تبني جسور تفاهم. بل على العكس، هي أدوات ترفع منسوب القلق، وتزيد احتمالات سوء التقدير، وتفتح الباب أمام سيناريوهات يصعب احتواؤها. إن استمرار مثل هذه التصرفات يضع قطر ودول الجوار أمام معادلة صعبة إما القبول بواقع أمني مضطرب، أو الدخول في سباق تصعيد لا يخدم استقرار المنطقة. وفي الحالتين يكون الثمن باهظًا على الجميع. لذلك فإن التمسك بمبدأ حسن الجوار لم يعد خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة إستراتيجية لتجنب الانزلاق إلى حرب لا يريدها أحد. وختامًا استهداف المدن والمنشآت بالصواريخ والطائرات لا يمكن تبريره تحت أي خلاف سياسي وتحت أي ذريعة مهما كانت. بل إنه يمثل خطوة تدفع المنطقة نحو حافة مواجهة أوسع. الحفاظ على الأمن الإقليمي يبدأ باحترام سيادة الدول وحدودها، وبتغليب لغة التهدئة على منطق القوة. دون ذلك، يصبح الجوار ساحة صراع بدل أن يكون إطارًا للتعايش والاستقرار.
2478
| 04 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. [email protected]
2304
| 09 مارس 2026