رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أبدأ هذا المقال مترحما على أرواح أربعة من شباب أمن تونس قتلوا في عملية إرهابية جدت الأسبوع الماضي، كما آسف لأحداث مؤلمة شهدتها بلادي في صدام بين مواطني قرية ذهيبة الحدودية وبين قوات الأمن، ذهب ضحيتها شاب في العشرين من عمره الغض اسمه صابر المليان وجرح فيها شباب عديدون ومرت العدوى إلى محافظات حدودية هي بن قردان وطاطاوين ثم خرج شباب متظاهر في العديد من المدن المهمشة، مطالبين بالتشغيل لهم وبالتنمية لجهاتهم والسبب الظاهر الأساسي هو منع مواطني هذه الحدود من التعامل التجاري التقليدي القديم مع الجارة ليبيا والناس هناك من الجانبين ينتمون إلى نفس القبائل ويشتركون في نفس المصير. أما السبب الخفي والحقيقي، فهو استمرار العمل بنفس القوانين الظالمة عوض ما وعدني به أحد المرشحين للرئاسة سليم الرياحي من بعث مناطق التجارة الحرة على طول الشرائط الحدودية تعمل في نطاق القانون وتبادل المنافع وتقاسم الربح، وحزبه اليوم مشارك في الحكومة وفي مجلس النواب، وأملي أن أرى هذا الحزب، وهو أقرب الأحزاب إلى قلبي، يعمل على تجسيد هذه المبادئ في الحدود مثلما فعلته فرنسا منذ قرن مع جارتها الإسبانية في إمارة (أندور) الجبلية الحدودية.
والواقع أن الحكومات المتعاقبة تمسكت بقوانين مومياء تضر بالناس وباقتصاد البلاد واليوم تعالجها الحكومة بالرصاص! هذا هو القانون الأول الذي لابد من تغييره كما يتغير أي منكر. وفي سجل مشابه أتاحت لي معايشتي لمشاكل بلادي على مدى طويل أن أكتشف خفايا الداء وأسباب العلة لما تحملته تونس من مصائب الاستبداد والفساد وانخرام توازن المجتمع، ولاحظت متفائلا أن الربيع العربي جعل هذه المشاكل تطفو على السطح وحرر الألسن من الخوف وتابعت المتدخلين على القنوات التلفزيونية أو أصحاب الأحزاب يشيرون إلى بعض المعوقات التي تعطل مسيرة بلادنا وتهدد أمنها الاجتماعي والاقتصادي وتشوه هويتها الأصيلة، لكن قليلا من هؤلاء في تقييمي المتواضع اهتدى إلى أصل المعوقات، فكان طرحهم في أغلبه عرضا أمينا لانحرافات خطيرة، لكن بدون كشف الأسباب، لأنها أصبحت من المسكوت عنها جهلا أو خوفا وأنا من منطلق اجتهادي ومروري بتجارب مريرة تبين لي أن من أسباب أغلب المعضلات التونسية استمرار العمل بنصوص قانونية ترجع إلى بداية عهد الاستقلال وضعها الزعيم بورقيبة عن حسن نية وطنية لتونس الخمسينيات والستينيات، وكنت أنا أحد أعضاء حزب بورقيبة مدافعا عن بعض خياراته الموفقة، لكن هذه القوانين تحولت إلى أصنام اللات والعزى نطوف حولها بالمباخر خوفا من تغيير المنكر، لأن للمنكر أنصارا ومستفيدين، ولكني مع الزمن في الثمانينيات بدأت أدرك أن القوانين كائنات حية تتطور وتتغير حسب تطور المجتمع وتغير المشاكل، بل إن سنة الحياة وانتقال بلادنا خلال ستين عاما من جيل الاستقلال إلى جيل بناء الدولة ثم إلى جيل أبنائنا وأحفادنا الذين هم تونس اليوم وكان من المفروض أن تدفع النخبة التونسية لإعادة النظر في هذه القوانين منتهية الصلاحية وتعديلها وجعلها تتلاءم مع مجتمع جديد نشأ في بلاد تطورت وتبدلت ولم يعد من المنطقي أن نحمل أبناءنا تبعات قوانين تعود إلى عصر أجدادهم في القرن الماضي وأحيانا إلى عهد الاستعمار فشبابنا يواجه مشاكل مختلفة، مما يتطلب قوانين مختلفة تعتبر بأخطاء النصوص الأصلية وتعجل بإصلاحها حسب ما نكتشفه فيها من الانعكاسات السيئة التي ظهرت وتأكدنا منها، فكل قانون كما يقول عالم القانون الفرنسي (كازامايور) أشبه بالدواء، لأن الدواء يحضر في المختبر لعلاج مرض ما في الجسم والقانون يوضع في مجلس تشريعي ليعالج خللا ما في مجتمع وكل من الدواء والقانون يجرب تطبيقهما في حياة الناس اليومية المعقدة وبالنسبة للدواء تكون لجنة الأطباء والصيادلة بالمرصاد على مدى خمسة أعوام لتتأكد من أن ليست للدواء مضاعفات خطيرة تهدد حياة الإنسان تفوق مزايا طاقته العلاجية وإذا ثبت أن للدواء هذه المضاعفات السلبية، إما تعدل تركيبته أو يسحب تماما من الصيدليات، كما يقع سنويا العديد من المرات.
ويقول (كازامايور): إن القانون له نفس المسار ويخضع لذات المنطق، فإذا ثبت للنخب الحاكمة أن ضرره أصبح أكبر من نفعه، إما تعدل بنوده أو يسحب من الترسانة القضائية تماما ليعاد التفكير فيه وتعاد صياغته في شكل جديد وبغايات جديدة تتلاءم مع تطور سريع للمجتمع وهي سنة الحياة وهو ما يسميه (كازامايور) فلسفة القانون وينعته علماء الإسلام بفقه القانون وفقه المقاصد.
والقانون الثاني الأخطر هو الذي يسمى بمجلة الأحوال الشخصية التي سنت في 13 (أغسطس) 1956 وكان الزعيم بورقيبة ينوي بها حماية الأسرة، لكن الزمن الطويل أثبت أن لها انعكاسات خطيرة بعد ستين عاما، فالمحاكم والسادة القضاة لم يعودوا قادرين على البت في قضايا معقدة في زمن معقول لقلة الإمكانات والقضاة وتراكم مئات الآلاف من ملفات الطلاق، وحدث أن آلاف العائلات انفجرت وأن مئات الآلاف من الأطفال تشتتوا وأن الأسرة التونسية لم تعد تعتمد على المودة والرحمة، بل على القاضي والمحامي، وهذه الإحصاءات من الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري تنبئكم بالمفاجآت واسألوا المتقاضين في قضايا الطلاق يقولون لكم إن معدل القضية تدوم سنوات لأسباب إجرائية والمطلوب ليس إلا دراسة التعديلات الضرورية من قبل علماء اجتماع وقانون ودين لينظروا في الإصلاحات المطلوبة حتى لا نضطر كل أسبوع للتفرج على كوارث برنامج (عندي ما نقول لك) ونحن نردد: مجلة الأحوال الشخصية خط أحمر!
أما القانون الثالث الذي يتطلب إعادة نظر عميقة، فهو المتعلق بأملاك الدولة أو ما كنا نسميه بالأراضي الاشتراكية وهي وضعيات مؤسفة ورثتها الدولة عن زمن الاستعمار وكان قانون تأميم الأراضي الزراعية 12 مايو 1964 إشارة انطلاق لتملك الدولة لمساحات شاسعة من الأراضي ذهب بعضها ظلما وجورا للمقربين من الرئيسين بورقيبة وبن علي وتم إهمال البقية وحرم منها شباب من أبناء الفلاحين كان الأجدر أن يحيوها ويزرعوها واليوم أصبحت أغلب هذه الأراضي بورا وحرمنا منها شبابا في أشد الحاجة إلى إحيائها وغراستها وهذا القانون مستمر، لأن بعض "المتمعشين" منه يمنعون كل إصلاح، بل إن كل حكومة تنتصب حتى ما بعد الثورة تنشئ وزارة لأملاك الدولة والأصح والأفضل أن تنشئ وزارة لتوزيع أملاك الدولة أو للتفويت في أملاك الدولة... ونحن ننتظر نواب المجلس الجدد ليقوموا بهذا العمل الصالح عوض إضاعة الوقت في القضايا المغلوطة وإهدار الوقت ومال الشعب في ملف تعيين نائب منهم رئيسا للجنة المالية!
القانون الرابع الكارثي هو ما يسمى (الإف سي إر) أي إجراءات توريد السيارات من الخارج وهو ميدان تخصص له إدارة الديوانة تقريبا ثلث أعوانها وضباطها، فإذا أراد نوابنا ووزراء الحكومة الجديدة التأكد من المهزلة فليبدأوا بزيارة ميناء رادس والاطلاع على الفوضى العارمة وعلى الضباط المساكين يفتشون بمنظار مكبر في جوازات السفر لتدوين تواريخ المغادرة والدخول وهي علامات شبه ممسوحة على صفحات الجوازات ثم بعد ذلك في شارع المنصف باي ومطالبة المواطن المضطهد العائد من الخارج بعشرات الوثائق والإثباتات والطوابع الجبائية وأنا متأكد أن ما يدخل إلى ميزانية الدولة من مبالغ لا تساوي رواتب الديوانيين المسخرين لهذه المسرحية والنتيجة آلاف السيارات تموت منذ سنوات في مخازن الميناء وامتلاء الطرقات بالسيارات القديمة وتعرض الآلاف من التوانسة لحوادث المرور القاتلة بسبب تقادم السيارات وكان من الأفضل منذ عقود أن تطلب الدولة من كل مواطن مقيم بالخارج يعود بسيارته مبلغا ماليا يزود خزينة الدولة، مثلا من 5 إلى 10 آلاف دينار لكل من يستورد سيارة، لا الوقوف مجمدين عند قانون سيارة واحدة لكل أسرة في العمر الكامل!! إنه عين العبث وعين التشبث الأعمى بقوانين عمرها نصف قرن، الله أعلم بمن وراء تأبيدها.
وهنا أيضا طمأنني سليم الرياحي والعديد من الوزراء والنواب بأنهم واعون بهذا المنكر وسيغيرونه حالما يتحملون المسؤولية. هذه إصلاحات استعجالية لا تنتظر، فعسى الله أن يوفقنا في إنجازها قبل أن تتحول إلى قنابل اجتماعية موقوتة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12165
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10371
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3489
| 22 أكتوبر 2026