رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بدعوة كريمة من وزارة الحرس الملكي للمشاركة في الموسم الثقافي والفكري السنوي في الجنادرية، قدر لي أن ألتقي بشخصيات لها دور في مسيرة السياسة العربية، فكرا وإعلاما وثقافة أدبية وغير ذلك.
في هذه الزاوية سأروي حديثا دار بيني وبين مجموعة من أهل القلم في الشأن العربي ودور قطر في هذا الشأن.. كان من بين من التقيت رجال إعلام مرموقين بعضهم يقدم برنامجا حواريا في إحدى المحطات التلفزيونية. سألني محدثي ماذا تفعل الجزيرة؟ قلت: تذيع أخبار ووقائع العالم العربي. سألت تلك الشخصية الإعلامية المرموقة: لماذا تعتقلون مراسلي الجزيرة وأنتم في بلادكم دعاة لحرية الرأي والإعلام؟
قال: الجزيرة مسببة لنا قلق، أخبارها كاذبة، وصورها المبثوثة مفبركة، وعندما تم القبض على من ذكرت وجدنا عندهم أموالا وفيرة، ووثائق تدينهم، منها أنهم يتصلون بأشخاص ويدفعون لهم أموالا.
قلت: المال الذي تقول عنه، بالضرورة يكون لكل مؤسسة ميزانية لتنفق منها على ضيوف برامجها، كما تفعل أنت مع ضيوف برنامجك، وكما تفعل محطة الـ(بي. بي. سي) المغرمين بها، إنها تدفع مبلغا من المال لكل مشارك في برامجها، فهل هذا عيب سياسي تدان به الجزيرة. الأمر الآخر هل صور ميدان رابعة العدوية وميدان النهضة وغيرها من الميادين في القاهرة والإسكندرية والسويس ومحافظات أخرى صور ملفقة؟. الأمر الثاني أن كل مراسلي الجزيرة في مصر مصريون وأجانب وليس بينهم قطري واحد، وأن الجزيرة تستضيف في برامجها واحدا من أنصار الانقلابيين في مصر وآخر من أنصار الشرعية، فأين الخطأ في ذلك؟
قلت: في ثورة 25 يناير التي فجرها شباب مصر كانت الجزيرة تبث كل أفعالهم وما يتعرضون له من قمع من قبل نظام حسني مبارك، ميادين مصر وثورة شبابها كانت على شاشة الجزيرة وكنتم تتغنون بها، فهل انقلبتم على أعقابكم بعد انقلاب الثالث من يوليو 2013؟ الجزيرة هي ذاتها التي كانت سندا لشعب مصر في ثورته في يناير، إنها تناصر النظام الذي انتخبتموه أنتم شعب مصر وما برح الآلاف من الشعب يسير في شوارع محافظات مصر مطالبا بعودة الشرعية. أنا لست موظفا في الجزيرة ولم أظهر على شاشتها منذ ثورة الربيع العربي، لكن علي أن أقول ما أؤمن به، ولعلمكم لقد خاصمت الجزيرة في منتصف تسعينيات القرن الماضي عندما بدأت تنقل مقابلات مع بعض القيادات الإسرائيلية ومن على شاشتها.
قال آخر في هذا الحوار: الجزيرة تسبب لنا قلقا. قلت: ما الذي يقلقك؟ أخبارها برامجها ضيوفها؟، قال: كل ما قلت يقلقني. قلت: عليك إذا ألا تشاهدها، أعرض عنها، هناك أكثر من ثلاثين محطة تلفزيونية ومحطات إذاعة صوتية وصحف ومجلات، وفيس بوك، وتويتر وغير ذلك من وسائل الاتصال الاجتماعي تقول ما تريد أن تسمع لا ما يجب أن تسمع، ألا يغنيك ذلك عن الجزيرة؟ قال نعم. لكني لا أستطيع إلا مشاهدتها، إنها استقطبت عقول الناس. قلت: لأنها تقول الحقيقة وتنقل صور الواقع في عالمنا العربي ولهذا استقطبت الجماهير.
(2)
صاح ديك الصباح في ذلك الجمع الطيب في فندق إنتركونتننتال، وقال: قطر تعمل على تقسيم السعودية كما قسمت العراق، واليمن والسودان وفلسطين، وهي تعمل على تقسيم سورية اليوم وسلاحها الفتاك محطة الجزيرة وأموال الغاز والبترول.
قلت: هون عليك. قطر تؤمن إيمانا راسخا بأن أمنها من أمن المملكة العربية السعودية وهي أكثر حرصا على أمن ووحدة السعودية واستقرارها، وإذا كان هناك خلاف بين الدولتين فهو خلاف لا يرقى إلى فرض حصار أو إغلاق المجال الجوي أمام الملاحة الجوية القطرية أو تعليق عضويتها في مجلس التعاون كما يشاع، وهذا الموضوع يحتاج إلى إجماع في المجلس الأعلى حسب قانون التأسيس للمجلس والإجماع ليس متوفرا. فوق هذا، فالقيادة السعودية حكيمة وبلغت سن الرشد السياسي ولا يمكن أن تقدم على أي من تلك الشائعات، إن خلافهم، حسب ظني، هو حول الشأن المصري، السعوديون يؤيدون حكم العسكر لمصر الذين أطاحوا بالحكومة المنتخبة وأيدهم في ذلك جحافل من الشعب، وهذا خلاف العقيدة السياسية السعودية كما أعلم، وقطر تؤيد إرادة الشعب الذي انتخب رئيسا للجمهورية من حزب سياسي ليس شيوعيا ولا مواليا للصهيونية ولا معاديا لأي دولة عربية.
(3)
أما العراق يا سادة فالعرب كلهم شاركوا في ذبحه، مصر على سبيل المثال طلع منها أكثر من 35 ألف طلعة حربية جوية (جريدة العربي ــ مصر في 8 / 7 / 2001) لتدمير العراق لصالح أمريكا وإسرائيل، ودول الخليج كلها شاركت في المجهود الحربي لاحتلال أمريكا وبريطانيا للعراق وتدميره، ولا شك أنهم اليوم يعضون على أصابعهم ندما على ما فعلوا بالعراق.
(4)
الشأن اليمني، فما تقول به يا صاحبي بهتان مبين، قطر كانت وما برحت من أنصار وحدة اليمن منذ عام 1994، والذي فككها إلى ستة أقاليم هم اليمنيون وحدهم وما انفكت المظاهرات تجوب المحافظات اليمنية ضد ذلك التقسيم أو التجزئة أن شئت. السؤال الذي يطرح نفسه: ما فائدة قطر على تفكيك السودان؟ علما بأنها أكثر دولة عربية قدمت أموالا وجهودا سياسية من أجل وحدة السودان وتوحيد قواها السياسية، والذي كان يعمل على إضعاف السودان داخليا وخارجيا هو نظاما حسني مبارك في شرم الشيخ ومعمر القذافي في براري سرت قبل الإطاحة بهما شعبيا، فلا تظلموا قطر في هذا الشأن.
(5)
وما تقول به عن فلسطين، فمن يحاصر غزة اليوم، أليس النظام السياسي المصري القائم اليوم وكذلك إسرائيل، ومن يتآمر اليوم ويدعو محمد دحلان لقيادة السلطة الفلسطينية بدلا من عباس؟ أليست القيادة المصرية الحاكمة اليوم؟ واسألوا محمود عباس وكذلك إسرائيل، وكان آخر جهد في هذا أن نتنياهو أرسل أحد مساعديه إلى دولة خليجية ــ حتما ليست قطر ــ لمقابلة دحلان للتشاور معه ليحل محل عباس في قيادة السلطة بالتعاون مع إسرائيل ومصر الانقلابية.
(6)
وماذا عن سورية الجريحة؟ أليست دولة قطر والمملكة العربية السعودية وآخرون يعملون على نصرة الشعب السوري المطالب بالحرية والكرامة وحقه في اختيار نظام حكمه وقياداته ولم يعد ذلك الأمر من الأسرار التي يجب عدم البوح بها. الثورة السورية وقياداتها على اختلاف اتجاهاتهم السياسية عدا تنظيم القاعدة يلقون تأييدا من كل دول الخليج العربي ولم تعمل دولة قطر منفردة في هذا الشأن، فهل أنتم تعقلون ما تقولون؟
آخر القول: القيادة السياسية القطرية ملتزمة بمبدأ لا تحيد عنه، هو نصرة المظلوم، فردا كان أو شعبا، واتركوا خلفكم ظنون السوء يا عرب.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4347
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3174
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1212
| 28 سبتمبر 2026