رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رسالة الأسبوع التي تم تجاهلها في مصر تتلخص في أن وقوف القوات المسلحة بعيدًا عن الصراع السياسي أسهم بقسط كبير في الانفراج الذي شهدته أوكرانيا.
(1)
أدري أن المشهد في أوكرانيا تداخلت فيه عوامل عدة، يتعلق أهمها بالتنافس الحاصل بين روسيا من جانب وبين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جانب آخر. كما يتعلق بعضها بالضغوط التي مارستها الدول الأوروبية والتفاهمات التي تمت مع موسكو لفرض الحل السياسي للأزمة. وفي تحليل ما جرى سنجد أيضا دورًا لتباينات التركيبة السكانية التي تضم خليطا من الروس والسلاف والتتار وغيرهم ممن يشكلون مجتمعا من 45 مليون نسمة، وستعثر على دور آخر لثورة الاتصال التي كان لها إسهامها في تأجيج الغضب واستمرار الاعتصامات في العاصمة كييف، مع ذلك أزعم أن وقوف القوات المسلحة على الحياد ورفض رئاسة الأركان التدخل في الصراع السياسي كان من أهم العوامل الداخلية التي سمحت للعراك السياسي أن ينتهي بالتوصل إلى اتفاق بين السلطة والمعارضة.
أفهم أيضا أن ثمة حساسية خاصة إزاء هذه النقطة في مصر، بسبب الدور الذي قامت به قيادة القوات المسلحة حين قادت حملة عزل الدكتور محمد مرسي من رئاسة الجمهورية وإسقاط نظامه، وإقامة نظام آخر بديل، تشير الدلائل إلى أن المؤسسة العسكرية ستؤدي فيه دورا محوريا، إلا أنني أزعم أن تلك الحساسية ليست مبررة، لأن رصد الأثر الذي أحدثه حياد القوات المسلحة في أوكرانيا لن يغير شيئا من واقع الحال في مصر، ولا يخطر على البال أن يستصحب دعوة إلى إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء. ولكن أثره لن يتجاوز إتاحة الفرصة لنا لكي نتفهم ما جرى ويجري على نحو أفضل. وربما ساعدنا ذلك على أن نستوعب الدرس بحيث نراجع خياراتنا بما يمكننا من تصحيح بعض الأخطاء التي وقعنا فيها.
(2)
حين أعلنت رئاسة الأركان الأوكرانية على الموقع الإلكتروني لوزارة الدفاع أنها لن تتدخل في الصراع السياسي في البلاد، وأكدت على أن القوات المسلحة ستظل محتفظة بحدود التزاماتها الدستورية (في الدفاع عن البلاد) فإن هذا الموقف لم يكن بعيدا عن اعتبارين، أولهما الضغوط القوية الرافضة لتدخل الجيش في الشأن السياسي التي مارسها الاتحاد الأوروبي. الاعتبار الثاني تمثل في وجود برلمان منتخب مثلت فيه المعارضة إلى جانب حزب السلطة، الأمر الذي يعني أن الساحة السياسية لم تكن فارغة تماما، وإنما كانت هناك مؤسسة تحولت إلى ساحة للصراع الذي عبرت عنه الحشود المعتصمة في ميدان الاستقلال بالعاصمة.
طوال الأشهر الثلاثة الماضية ظل المعتصمون الذين نصبوا خيامهم في الميدان يصرون على مطلبهم في ضرورة إقالة الرئيس فيكتور يانكوفيتش وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة. وخلال تلك الفترة تعرض المعتصمون المتظاهرون إلى غارات من الشرطة تخللتها اشتباكات أسفرت عن سقوط نحو 80 قتيلا. وهذه الاشتباكات لها خلفيتها التي تمتد إلى عام 2004 الذي أجريت خلاله انتخابات يقول المعارضون إنها تمت بالتزوير وظلت البلاد تعيش في توتر استمر منذ ذلك الحين إلى أن انفجر غضب الرأي العام أخيرا بسبب انحياز الرئيس يانكوفيتش إلى روسيا ورفضه معونة الاتحاد الأوروبي، في حين أن الجماهير تعلقت بأمل الخروج من الفلك الروسي والالتحاق بالمنظومة الغربية.
أيا كان تقييمنا السياسي لموضوع الصراع، فالشاهد أن البرلمان المنتخب هو الذي أدار المواجهة، وظلت المعارضة الممثلة فيه معتمدة على قوة الحشود المعتصمة في ميدان الاستقلال، فقد قرر البرلمان إقالة الرئيس وإقالة وزير الداخلية الذي حمل بالمسؤولية عن قمع المتظاهرين، كما أقيل النائب العام. وعين البرلمان رئيسا جديدا له وقائما بأعمال رئيس الجمهورية، وكان زعماء المعارضة في البرلمان هم الذين قاموا بالتفاوض مع الرئيس يانكوفيتش قبل إقالته، وتوصلوا إلى اتفاق تضمن بنود الخروج من الأزمة (الرئيس اختفى ولجأ إلى عشيرته في الشرق ذي الأغلبية الروسية بما يستدعي احتمال انفصال الإقليم).
الشاهد أنه حين ابتعد الجيش عن المسرح ولم يتدخل طرفا في المعادلة، فإن ذلك حمل السياسيين بمسؤولية إدارة الأزمة. فنهضوا بمهمة التفاوض وتفاعلوا مع الوسطاء، الأمر الذي مكن الجميع من التوصل إلى حل سياسي مكنهم من تجاوز الأزمة، وهذا التطور يمكن اختزاله في عبارة واحدة هي: حين غاب العسكر انتعشت السياسة وقامت بمهمتها في صياغة الخروج من المأزق.
(3)
الخلاصة الأخيرة هي أكثر ما يهمنا في مصر، لأن العسكر يديرون معركة، في حين أن السياسيين يديرون أزمة، والفرق كبير بين المسارين، فالمعركة تفترض في الآخر أنه عدو وينبغي هزيمته وسحقه، في حين أن الأزمة تتعامل مع الآخر باعتباره معارضا أو منافسا أو حتى خصما سياسيا، لكنه في كل أحواله ليس عدوا. والفوز في المعركة يتحقق بالقضاء على ذلك العدو وكسر إرادته، الأمر الذي يفترض أن وجود الآخر هو المشكلة. أما الإدارة المدنية والسياسية للأزمة فإن الفوز فيها يتحقق بإزاحة الآخر من موقعه انطلاقا من أن النفوذ هو المشكلة وليس الوجود، وعقل إدارة المعركة يستهدف تركيع الآخر وإخراجه تماما من الساحة، لأن الشعار المرفوع هو: نحن أو هم. أما عقل إدارة الأزمة فإنه يستهدف الحفاظ على اليد العليا ولا يمانع في الاتكاء على الآخر في تحقيق المصالح العليا للوطن تحت شعار كلنا معا. ولأن الأمر كذلك فإن السلاح والمؤسسة الأمنية يصبحان عُدَّة المعركة في ذلك الوقت، في حين يظل الحوار والتنافس السلمي هما الركيزتان الأساسيتان في السعي لإدارة الأزمة.
إذا حاولنا تنزيل هذا التحليل على الواقع المصري فسنجد أن المواجهة الحاصلة أديرت بعقل المعركة الفاصلة وليست الأزمة السياسية. للدقة فإنها بدأت أزمة طرح خلالها (في 30 يونيو) مطلب إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، لكنها انتهت معركة استهدفت عزل الرئيس وإلغاء الدستور وحل مجلس الشورى وتطورت إلى تطهير أجهزة الدولة من الجماعة، ثم محاولة إخراجها من السياسة تماما، من خلال تصنيفها جماعة إرهابية وإيداع الآلاف من أنصارها في السجون والمعتقلات، إضافة إلى تقديم كل القيادات والرموز إلى المحاكمة بناء على قائمة طويلة من الاتهامات التي انبنت على تقارير جهاز الأمن الوطني.
لمزيد من الدقة أضيف أن جهودا بذلت في البداية للتعامل مع المواجهة باعتبارها أزمة، تدخل فيها الوسطاء الأوروبيون كما حدث في أوكرانيا. وقد تعددت زيارات أولئك الوسطاء للقاهرة خلال العام الأول الذي أعقب حركة الجيش في 3 يوليو، وكانت في مقدمتهم السيدة آشتون مفوضة الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي، كما شارك فيها وزراء يمثلون بريطانيا وألمانيا والنرويج وغيرهم. ولا يزال الدبلوماسيون الغربيون إلى الآن يتحدثون عن اتفاقات تم التوصل إليها مع الجانبين كان من بينها مثلا إطلاق سراح اثنين من أنصار الدكتور مرسي المعتدلين، هما رئيس حزب الحرية والعدالة الدكتور محمد سعد الكتاتني والمهندس أبو العلا ماضي رئيس حزب الوسط، لكي يشتركا في الحوار الذي يستهدف الخروج من الأزمة. وتحدد بالفعل موعد للإفراج عنهما، ولكن ذلك الاتفاق تم التراجع عنه في اللحظة الأخيرة، وبدلا من ذلك أقحم الرجلان في قضايا عدة، الأمر الذي أدى إلى توقف المساعي الأوروبية، إذ بدا واضحا أن الخيار الأمني فرض نفسه واستبعد الحل السياسي، الأمر الذي يعني أن المواجهة انتقلت من مربع الأزمة إلى ساحة المعركة.
جدير بالملاحظة في هذا الصدد أنه في حين أن الوسطاء الأوروبيين حاولوا التدخل لإنهاء الأزمة سياسيا، فإن التدخلات الخليجية سارعت بالحضور إلى المسرح ملوحة بقدراتها الاقتصادية العالية، تبنت الدعوة إلى خوض المعركة وضرورة حسمها لتعزيز قبضة السلطة الجديدة، وإذ عبر كل طرف من الوسطاء عن خلفيته وبيئته السياسية، فالشاهد أن الحل الأمني وجد هوى لدى العقلية العسكرية، فكان ما كان. الأمر الذي انتهى بتوسيع نطاق المعركة، التي لم تعد مقصورة على جبهة الإخوان وحلفائهم فحسب، ولكنها امتدت بحيث شملت جماعات المعارضة السياسية أيضا التي استهدفها القمع خلال الأشهر الأخيرة، خصوصا بعد صدور قانون منع التظاهر وفي ظل التوسع في عمليات الاعتقال والتعذيب. وبدا لنا في نهاية المطاف أن المؤسسة الأمنية التي تولت إدارة المعركة طورت أداءها بحيث تجاوز محيط الإسلام السياسي وانتقل إلى مواجهة المعارضة السياسية.
(4)
ثقافة المعركة التي استهدفت الإقصاء والإبادة السياسية ورفعت شعار نحن أو هم، تحالفت مع بعض عناصر النخبة الانتهازية ذات النوازع الفاشية والنازية للترويج لمشروع الإبادة. في الوقت ذاته فإنها استثمرت الفراغ الراهن الناشئ عن غيبة المؤسسات الدستورية واختراق وتطويع أغلب مؤسسات المجتمع المدني لإشاعة جو من الشعبوية التي لا تعترف بقانون أو دستور. كما أنها تتوسل بدغدغة مشاعر الجماهير وإيهامها بأنها باتت صاحبة الأمر والنهي في مصير البلاد، والادعاء بأن «الشعب صار القائد الأعلى للقوات المسلحة».. إلى غير ذلك من العناوين الطنانة التي تستدعي التصفيق وتشحذ الحناجر، في حين أنها بمثابة نوع قوي المفعول من المخدرات السياسية.
حين جرى تسميم الأجواء وتعميق الكراهية من خلال إعلام الفتنة، فإن الآخر لم يعد فقط عدوا أو طابورا خامسا، وإنما تفتقت أذهان من يديرون المعركة على إخراج المواجهة تحت عنوان فضفاض هو الحرب ضد الإرهاب الذي لم يعرَّف. الأمر الذي فتح شهية المؤسسة الأمنية لمزيد من التغول وأطلق يدها التي دفعت بآلاف الأبرياء إلى غياهب السجون. وهو ما استنفر الحقوقيين المستقلين الذين أصدروا بيانا وقعته 16 جهة استهجن الفظائع التي ترتكب باسم الحرب على الإرهاب.
لم تنتبه الإدارة العسكرية للمعركة إلى أن ممارساتها، إلى جانب أنها أشاعت الانقسام وعمقت الكراهية، فإنها خلفت ثأرات وأحدثت جروحا غائرة في بنية المجتمع.
وإذا صح أن 40 ألف شخص كانوا ضحايا الأشهر السبعة الماضية، ما بين قتيل وجريح وسجين، وهؤلاء ينتمون إلى أسر تضم نحو 200 ألف شخص، فإن أي عقل سياسي لابد أن يتوقع ردا من المجتمع، خصوصا بعدما سقط جدار الخوف بعد الثورة، فازدادت جرأة الناس وعلا صوتهم. وإزاء انسداد الأفق السياسي أمام الجميع انفتحت طاقة العنف، خصوصا بعدما أصبح بمقدور كل أحد أن يتلقى دروسا في ممارسة العنف من خلال شبكة الإنترنت. وهو ما صرنا نقرأ عنه في صحف الصباح التي تنقل إلينا أقوال الشبان الذين يلقى القبض عليهم كل يوم. ويصرحون في التحقيقات بأنهم لم يكونوا إرهابيين يوما ما، ولكنهم صاروا كذلك بعدما استبد بهم الغضب وتعلموا تصنيع القنابل والمتفجرات من خلال الإنترنت.
الآن ما عاد يمر يوم إلا ونقرأ أخبارا عن مقتل ضابط أو جندي، أو مهاجمة الملثمين لكمين أو حرق سيارة شرطة، أو ضبط قنابل وعبوات معدة للتفجير، أو استهداف معسكر للشرطة أو تعطيل محطة للكهرباء.. إلخ، كأن العنف الذي تمت به إدارة «المعركة» استدعى ــ للأسف ــ أجيالا جديدة وجدت في العنف مجالات عبرت من خلاله عن ثأراتها.
لقد توقعنا بعد إجازة الدستور الجديد أن نمضي باتجاه تهدئة المعركة والتفكير في إدارة الأزمة، لكن المؤشرات التي نراها لا تشجع على التفاؤل بذلك الاحتمال، الأمر الذي يحجب الضوء الذي توقعناه أو تمنيناه.
في أوكرانيا تجاوزوا الأزمة لأنهم تفاهموا، وحدث ذلك أيضا في تونس، لأن الأطراف المدنية المتخاصمة قبلت بأن تجلس حول طاولة وتتحاور فيما بينها. أما عندنا فالعقلية العسكرية المتحكمة لا تعترف بطاولة الحوار وتصر على الاحتكام إلى المدرعة والدبابة والخرطوش، إلى غير ذلك من العلامات التي ترسم طريق الندامة الذي أرجو أن ينتبه الجميع إلى مخاطره ومآلاته قبل فوات الأوان.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12111
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
8451
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3426
| 22 أكتوبر 2026