رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد قضية الرسوم المسيئة، وما حصل للصحيفة الفرنسية بسبب هذه الرسوم كما نشر، فإن هذه الصحيفة نفسها كررت الإساءة بعد الحادثة، فإن الكثيرين، يستغربون من الإساءة إلى دين الإسلام، والمساس برموزه، مع أن مفهوم العلمانية ـ كما قيل ـ هي الحياد التام، واحترام العقائد، لكن الذي يلاحظ أن الحملة والإساءة استهدفت الإسلام ونبيه، دون أن تكون هناك مبررات، عدا شعار حرية التعبير!! في الوقت الذي سنت القوانين واللوائح (في ظل العلمانية)، لمنع الإساءة للسامية، ومعاقبة من ينكر أو يشكك في (الهولوكوست)؟!
فلم يسبق أن واجه مصطلح فكري فلسفي معاصر التباين والتناقض الحاد في مفاهيمه ومحدداته كما واجه مصطلح "العلمانية" ولا يزال كذلك منذ بروز حركة التنوير في أوروبا في القرن السادس عشر إلى عصرنا الراهن ضبابياً وفضفاضاً تعريفاً وتعاطياً مع مفرداته ومحدداته.. وأحياناً انتقائياً ومفصلياً بهدف تسويق هذا الفكر ليكون عمومياً وكونياً تحت منطلقات في ظاهرها الرحمة مثل "وحدة الحضارة" وحدة الثقافة العالمية" استهدافاً لتذويب ثقافة الآخر وفكره واحتوى مقدراته. لكن هؤلاء تناسوا أن هذا الفكر المذهبي له دلالات تاريخية عميقة الجذور في الفكر المجتمع العربي.. وبالصراع الذي قام بين الكنيسة والمذاهب الوضعية الفلسفية في أوروبا وهو تاريخ طويل من الصدام التصوري حول تحديد الرهان الفكري والديني القائم آنذاك ولمن تكون له الغلبة في خضم هذا الصراع بين السلطة الدينية والسلطة الدينية التي عرفتها أوروبا في تلك الحقبة، وتمخضت عنها مفاهيم ونظريات مناقضة لأفكار وتصورات الكنيسة كردة فعل لهذا الصراع.. فما هي هذه العلمانية؟
جاء مصطلح العلمانية تحديداً في القرن السابع عشر الميلادي بعد تجاوزات سلطات الكنيسة وتسلطها، ومن ثم أتى معبراً عن مضمون تلك الظروف والملابسات التي حدثت في الغرب.. "فالعلمانية" تعني كما جاءت في القواميس الإنجليزية (secularism) "المذهب الدنيوي" أو"اللادينية" وهي صيغة نشأت أصلاً كمقابل للمقدس أو الخارق للطبيعة أو الجمود والتقليد.. ويصفها البعض "باللايكية" أي المدنيون المنسوبون للشعب الذي يقيمون المجتمع المدني.. أو الفصل التام بين الدين والحياة، ولذلك نجد أن دائرة المعارف البريطانية عرفت العلمانية بأنها "حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بالحياة الدنيا" وهذا المبدأ كما حددته الفلسفة الوضعية لحركة التنوير القرن السابع عشر الميلادي عند نزاعها مع سلطة الكنيسة يقوم على فصل السلطة المدنية عن السلطة الدينية وإقصاء الكنيسة عن أن يكون لها دور في تنظيم المجتمع وإدارة شؤونه، بحيث تصبح الدولة "لا دينية" في نظمها وتوجيهها لحياة الناس بعيداً عن سلطة الدين وقواعده.
وجاء في قاموس أكسفورد شرحاً لكلمة "SECULER" بأنها تعني: "دنيوي" أو "مادي" ليس دينياً ولا روحياً ـ السلطة اللادينية ـ الحكومة المناقضة للكنيسة.
والغريب أن بعض مترجمي مصطلح "العلمانية" اللاتيني نسبها إلى العلم تحريفاً، وهي ليست كذلك، فلا صلة مطلقاً بين العلم والعلمانية، لا من قريب ولا من بعيد، فهي تعني "العالمانية " نسبة إلى العالم الدنيوي بفتح اللام، أما العلم فيطلق عليه باللغة الإنجليزية (SCIENCE)، والمذهب العلمي يطلق كلمة (SCICNTISM)، وقد أوضح جون راندال كما يشير بعض الباحثين في كتابه (تكوين العقل الحديث) "أن العلمانية ظهرت في أوروبا في بداية القرن السابع عشر وأخذت عبر التاريخ عدة مفاهيم فكانت تعني فصل الدين عن الدولة في القرن السابع عشر والثامن عشر، ثم تحولت إلى إبعاد الدين عن الدولة في القرن التاسع عشر، ثم حدث تغير طفيف في القرن العشرين بعودة السلطة الزمنية للكنيسة الكاثوليكية سنة 1929م بإعادة قيام الدولة الفاتيكان بعد أن أدمجت من قبل سنة 1870م الولايات البابوية في مملكة بريطانيا، ويشمل التغيير أيضاً السماح بقيام أحزاب مسيحية دول أوروبا، وتبني الأهداف السياسية المسيحية في أكثر من دولة.
بدأت الفلسفة الوضعية في أوروبا بتبني العلمانية في القرن السابع عشر وبعده، وتفاوتت في طرحها لهذه الفكرة ودرجة بعدها عن الكنيسة والدين تبعاً للفلسفة التي تطرح نهجها ومفاهيمها تجاه معطيات واستجابات المجتمع الأوروبي الذي صدم في اضطهاد الكنيسة وقسوة ردود فعلها على العلوم والمخترعات.. لكن هذا التفاوت ـ كما يقول د. محمد عمارة ـ لا ينفي إمكانية تحديد طورين ومرحلتين مرت بهما العلمانية في الفكر الأوروبي:
الأولى: تلك التي تعني فيها عزل الدين والكنيسة عن شؤون المجتمع وسياسة أحساب بناء الدولة البورجوازية وفي سبيل دعمها.. والسعي لتصفية اللاهوت المسيحي وتنقيته مما هو غير عقلاني من مثل عقيدة التثليث والطبيعة الإلهية للمسيح.. والعمل على رفع الوصاية الدينية عن التعليم تمكيناً للفطرة الإنسانية من الاختيار!.
وهي المرحلة التي استهدفت فيها هذه "العلمانية الثورية" هدم الدين وتخليص الدولة الاشتراكية من تأثيراته، وذلك لحساب العدل الاجتماعي ـ الاشتراكية فالشيوعية (مع العلم أن هذه الأفكار والأطروحات مجرد لم تنجح النجاح المأمول ولعل سقوط الشيوعية في معظم دول المعسكر الشرقي أكبر دليل على ذلك).
أما العقلانية ـ العلمانية ـ المغلفة بالحياد والبعد عن التشدد الفكري فقد أوقعت ذوي الإيرادات الخيرة وما تنفك توقعهم في الحيرة والارتباك والفراغ لأن الانتقال من "اللاأكليركية" إلى الأيمان بسيادة العقل .
فالفلسفة العقلانية كحركة إصلاحية تنويرية لتقويم دور الكنيسة المدينة الانطلاق بالأسس الإصلاحية الدينية إلى مستويات إيجابية تفتح آفاق المعرفة العلمية، ونزع الوصاية اللاعقلانية التي أسهمت في تكبيل العقول واتهام المخترعين بالهرقطة والمروق من الدين. لكن الأمر انقلب إلى هجوم على الدين نفسه وأحيانا بطرق غير علنية وغامضة. وهذا ما عبر عنه جورج كلمنصو "أن حربنا ليست في المسالك الوعرة الملتوية. بل هي في المدرسة " وتعليمات جول فري للمعلمين: "تكلموا بكثير من التحفظ والاحتراس كلما تعرضتم للمشاعر الدينية التي لا شأن لكم بها.. لا تحاولوا أبداً أن تمسوا لدى الولد وجدانه الحساس الرهيف" بينما فضح فيفياني غاية العلمانيين من فكرة الحياد .
العلمانية إذا مصطلح ومضمون له حموته الفكرية المغايرة عن الواقع العربي الإسلامي، ولم تنجح عندما طبقت قسرا على مجتمعات وبيئات غير حاضنة لها فلم تنتج لا ديمقراطية صحيحة، ولا ترسخت حقوق إنسان حقيقية، ولا طبق معها مجتمع مدني فاعل، بل إن العلمانية شايعت كل الإيديولوجيات وتناغمت مع كل النظم بما فيها الاستبدادية.. وللحديث بقية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4311
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2583
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1173
| 28 سبتمبر 2026