رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في المجلس وجدت ابننا فواز لا يستقر على حال سألته ما بك؟ قال: هل يحضر بو محمد أم لا؟ قلت: ما أدراني ولماذا تسأل؟ قال لا شيء.. ولكن عندي سؤال فقد ذكر قصيدة.. «يا ليل الصب متى غده» وأنا سمعت أن الشاعر عندما ترنم برائعته قال: يا ليل.. الصب متى غده.. وكنت أريد أن أعرف قائل هذه الأبيات لأني سمعت هذه القصيدة بأصوات عدد من مؤدي الأغاني في الشرق والغرب.. من المطربين العرب.. فجأة دخل المجلس بو محمد فهلل الجميع بمقدمه.. فقال بو محمد: ما بكم «في حيص بيص» ومن عادة هذا المثقف الكبير أن الأمثال والحكم والشعر العربي وتاريخ الأدب والقصائد جزء من مخزونه الحياتي.. وكان أكثرنا سرورًا «فواز» الذي اقترب منه وقال: أنا كنت أنتظرك حتى أسألك حول القصيدة الرائعة.. هزَّ بو محمد رأسه وقال: أي قصيدة ولمن؟ قال فواز «الصب» ضحك بو محمد.. وقال: تقصد يا ليل..
يا ليل الصب متى غده أقيام الساعة موعده
رقد السمار فأرته اسف لملبين يردده
يا من هجرت عيناه دمي وعلى خديه تورده
خداك قد اعترفا بدي فعلام جفونك تحجره
ما ضرك لو داويت جفني حب يدنيك وتبعدهتهللت أسارير «فواز» واسترسل بو محمد في سرد حياة الشاعر وهو يكمل لنا رائعة الشاعر.. ولكن هل يترك فواز مثل هذه المناسبة.. فقال من هو الشاعر؟ قال بومحمد.. البعض يعتقد أن هذه القصيدة من شاعرة الأعمى قصيدة حب وغزل وعشق، لكن الأمر بخلاف هذا الاعتقاد.. إن هذه القصيدة قصيدة اعتذار.. نعم ورسالة تظلم بعد أن تعرض للوشاية والتلفيقات والأحزان والنكبات.. وهو أبو الحسن علي الحصري والمعروف باسم الحصري القيرواني.. يعني أصلاً من تونس عاش معنا 15 ليتم بعد وفاة أمه وهو طفل.. طبعًا تحدى الإعاقة مثل أبو العلاء المعري وطه حسين وغيرهم.. وبعدين رحل إلى المغرب في مدينة سبته.. ولبى فيما بعد دعوة المعتمد بن عباد.. وراح أشبيلية في الأندلس وهذه القصيدة مثل ما قلت قصيدة اعتذار في الأمير أبي عبد الرحمن محمد بن طاهر.
أما قصيدة الحصري القيرواني.. فطويلة حوالي تسعة وتسعين بيتًا ولحنها لفيروز الملحن توفيق الباشا سنة 1965م.. سكت بو محمد وقال: أنتم جيل الكمبيوتر لا تعرفون الكوع من البوع مع الأسف..!!
لاحظت يا بو محمد.. أنك تردد دائمًا بعض المقاطع من الغناء القديم أو مقاطع من بعض الأصوات لمحمد بن فارس وضاحي أو تغني وتدندن بالأغاني العراقية لحضيري أبو عزيز وسليمة مراد وزهو حسين.. ليش كل ها الولع بالقديم وعندنا الجديد.. سكت بو محمد طويلاً ثم قال: أسمع يا ولدي نواف.. الفن ذوق والغناء أروع الفنون.. تغريد البلابل جمال.. هسهسة موج البحر وهي تداعب رمل السيف لوحات من إبداع الخالق.. غروب الشمس وانت واقف على سيف البحر في زكريت أجمل من كل اللوحات.. فرحة الأطفال بالعيد وهم يرددون يا العايدوه لوحة ولا أروع علشان جذي أنا يا ولدي نواف أطرب للغناء القديم.. أولاً المعنى الجميل للكلمات واللحن والصوت.. الحين حتى أسماء المطربين ينفر الواحد.. حموشكه.. فطوته.. جدوم، هل شفت مطرب اسمه عبد الباسط.. لو كنت أملك القدار كان ألزمته يغير اسمه.. وين ذلك المقرئ العظيم.. ووين ها النكرة.. لا شكل ولا مضمون.. ولكن العديد من القنوات يرحبون به.. أسمع كلمات صالح جودت اللي ترنم به سنة 1945م وأنشدها عبد الوهاب في الملك الراحل فاروق.. يقول صالح جودت ومعه العبقري عبد الوهاب يقرأ:
الدنيا ليل والنجوم طالعه تنورها
نجوم تغري النجوم من حسن منظرها
يا اللي بدعتوا الفنون وفي أيديكو أسرارها
دنيا الفنون دي جميلة وأنتوا أزهارها
والفن لحن القلوب يلعب بأوتارها
والفن دنيا جميلة وأنتوا أنوارها
ها ولدي «نواف» هل الكلمات اللي غناها عبد الوهاب ولا أغاني ها الأيام.. رد قيايل نواف: ها الحكم جائر.. هناك شعراء وملحنين ومطربين وبخاصة عندنا.. هل تنكر مثلاً إبداعات محمد عبده، عبد الله الرويشد، عبد المجيد عبد الله، فهد الكبيسي، لطفي بوشناق. وعشرات الأسماء.. لكن الزمن قد تغير والأذواق.. هنا تدخل «حمد» وقال: بما إني موسيقي فاسمحوا لي أن أتدخل بالعلم والمعرفة.. ها الكلام منكم الاثنين صحيح.. كان.. ايدن باف، توم جونز، انجلبرت، ألفس برسلي.. «ظهر بعدهم البيتلز.. ومايكل جونسون.. والبرنس.. وعشرات الفرق مثل «أبا» بجانب الموسيقى الكلاسيكي والأوبرا في إيطاليا.. لكل نوع جمهوره.. لما ظهر عبد الحليم حافظ الناس ما تقبلوه.. الآن هو جزء من تاريخ الغناء وأن بليغ حمدي المجدد مثل سيد درويش وعبد الوهاب والرحابنة على سبيل المثال في كل زمان يظهر واحد مجدد.. عبد العزيز ناصر وحسن علي درويش الله يرحمهم.. وباجر يطلع عندنا من يحمل دواء التجديد.. لا تقولون متى.. الله العالم..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
2667
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
2037
| 28 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
723
| 25 يناير 2026