رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
صورة مصر في الخارج محملة بإشارات تستحق أن تؤخذ على محمل الجد، حيث لا ينبغي أن نتوقع تحسنا في الصورة طالما بقي الأصل على حاله.
❶
هل فكر أحد في دعوة العقول المصرية لمناقشة وتحليل التحديات التي يواجهها الوطن في الوقت الراهن، والاستماع إلى وجهات نظر أصحابها في أفضل السبل للتعامل معها؟ هذا السؤال ظل يلح عليَّ أثناء مشاركتي في المؤتمر الذي دعا إليه معهد تشاتام هاوس بلندن، الذي كان عنوانه «جيران أوروبا المتغيرون والسبيل إلى تجنب الصدامات وإدارة الأزمات في القرن الواحد والعشرين». كان ذلك في الأسبوع الماضي (يوم ١٦ نوفمبر) حين التقى في مقر المعهد ٤٠ شخصية يمثلون المحيط الجغرافي قدر الإمكان لمناقشات استغرقت سبع جلسات. ولأن المؤتمر عقد بعد ثلاثة أيام من تفجيرات باريس، فإن أصداء الحدث الفاجع فرضت نفسها على الحوارات، التي تناولت أسباب القلق الأوروبي إضافة إلى أوضاع الجيران من أوكرانيا إلى الساحل الأفريقي.
كان لشمال إفريقيا نصيبه الذي خصصت له جلسة كاملة، وقد اعتبر منظمو المؤتمر أن مصر إحدى دول شمال القارة، وبالتالي فإن أوضاعها كانت حاضرة في الحوار، الذي تعتبر تقاليد المعهد أنه ليس للنشر، ولكن المراد به تبادل الأفكار وتعميق الفهم والخروج بتصورات وخلاصات تنسب إلى المعهد ولا تنسب إلى أشخاص المتحدثين.
ولأن المعهد أنشئ في عام ١٩٢٠ (بعد عام واحد من عقد مؤتمر باريس للسلام في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٩)، فإنه أصبح يمثل سلطة معرفية وتاريخية عريقة، فإنه باتت توصياته وخلاصاته تحتل موقعا متميزا في الوسط الأكاديمي العالمي، فضلاً عن البريطاني بطبيعة الحال. كما صارت تستخدم كواحد من أهم مصادر المعلومات من جانب الأفراد والحكومات.
حضور المؤتمر الذي اشترك مع المعهد في تنظيمه مجموعة الأزمات الدولية ومنتدى الشرق، كانوا خليطا من الأكاديميين والخبراء والدبلوماسيين والوزراء السابقين، والمتخصصين من رجال الإعلام. ووجودهم بتنوع اختصاصاتهم على المنصة وفي القاعة أثناء الجلسات المتعاقبة، جعلني أتساءل طول الوقت: أليست مصر في ظروفها الراهنة في أمسِّ الحاجة إلى إطلاق حوارات من ذلك القبيل؟
❷
على الطائرة من لندن إلى القاهرة يوم الخميس ١٩ نوفمبر كانت عناوين الصحف المصرية تتحدث عن انعقاد المجلس الأعلى للقوات المسلحة برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي. وكان عنوان جريدة الأهرام الرئيسي يتحدث عن «أقصى درجات الحذر والاستعداد القتالي». وفي التقرير المنشور وجدت أن الاجتماع بحث الأوضاع الأمنية الداخلية، لاسيَّما في سيناء، حيث استمع الرئيس إلى شرح للإجراءات التي تقوم بها القوات المسلحة من أجل تطهيرها من العناصر الإرهابية، وتثبيت الأمن والاستقرار فيها. أشار التقرير إلى أن مجلس القوات المسلحة بحث أيضا عددا من الملفات الإقليمية، في مقدمتها سبل تعزيز الأمن على الحدود الغربية (مع ليبيا)، وكذلك تطورات العمليات العسكرية ومجمل الأوضاع في اليمن وسوريا. وفي هذا الصدد فإن الرئيس أكد أن مصر ستواصل العمل على تحقيق وحدة الصف العربي والوقوف إلى جانب أشقائها في الدول العربية.
كان اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة مهما في الظروف الراهنة، إلا أنني وجدت أن المشهد كان سيصبح أكمل وأدعى للاطمئنان والثقة لو دعيت العقول المصرية إلى لقاء مماثل، خصوصا أن بعض الملفات تتحدث فيها مصر عن الحلول السياسية، سواء في اليمن أو سوريا أو فيما خص جهود وحدة الصف العربي. الشاهد أن غياب العقول المصرية عن المشهد عزز الانطباع الذي يتحدث عنه البعض في لندن، مشيراً إلى عسكرة السياسة والاقتصاد في مصر في ظل الوضع الذي نشأ فيها بعد الثالث من يوليو عام ٢٠١٣. وهو ما أعاد إلى الأذهان النموذج الجزائري، الذي تبلور بعد الاستقلال في بداية ستينيات القرن الماضي، حيث سيطر العسكر على مقاليد الأمور في مجالات السياسة والاقتصاد، ولا يزالون يباشرون تلك السلطة حتى الوقت الراهن. لست أتحدث عن معلومات ترددت أثناء المناقشات، حيث لا تسمح تقاليد المعهد بنسبة الكلام إلى قائليه، كما ذكرت، لكنني أتحدث عن حوارات جرت في الكواليس حرصت خلالها على أن أستمع إلى انطباعات بعض الخبراء الأوروبيين عن الأوضاع الراهنة في مصر وعن مجمل متغيرات منطقة الشرق الأوسط. ولأن الأسماء لن تذكر فقد تحدث أولئك الخبراء بغير تحفظ ولا مجاملة. الملاحظة الشكلية التي أثارت انتباهي في كلام المتحدثين أن الجميع، دون استثناء، أشاروا إلى ما حدث في مصر في الثالث من يوليو على أنه «انقلاب»، حيث لم يذكر إلا بأنه «Coup» ولم أسمع متحدثا يصفه بأنه «ثورة» كما هو الشائع في خطابنا الإعلامي والسياسي. هذه الملاحظة يبنون عليها شهادات مستفيضة تنتقد مصر في أمرين، أولهما غياب الديمقراطية. وثانيهما التوسع في انتهاكات حقوق الإنسان التي تتحدث عنها المنظمات الحقوقية العالمية والمصرية. ولدى المتحدثين مقارنة ترددت كثيرا في انتقاداتهم للوضع في مصر بين نسب الإقبال على التصويت في الانتخابات في تركيا التي وصلت فيها تلك النسبة إلى ٨٦٪، في حين أنها في مصر كانت في حدود ٢٠٪ بعد المبالغات التي أضافتها البيانات الرسمية. وكانت صور لجان التصويت الخالية من الناخبين، التي تناقلتها وكالات الأنباء أثناء جولة الانتخابات الأولى، هي الأقوى في التعبير عن تلك المفارقة.
هذا الحديث عن الإقبال غير العادي من جانب الأتراك على التصويت، والنجاح الكبير الذي حققه حزب العدالة والتنمية حين فاز بنسبة قاربت ٥٠٪ من جملة أصوات الناخبين، بنى عليه أحد المتحدثين استنتاجا آخر، إذ ذكر أن نتائج الانتخابات التركية بينت أن الناخبين صوتوا للاستقرار، في حين أن ضعف معدلات الإقبال على الانتخابات في مصر أعطت انطباعا يشكك في إمكانية تحقق استقرارها في الأجل المنظور.
❸
حين أبديت دهشتي من كم التفاصيل التي يتحدثون عنها في مصر. قال لي دبلوماسي بريطاني متقاعد إن الملف المصري حاضر بقوة في الإعلام والسياسة البريطانية، ليس فقط لأن مصر بلد مهم في المنطقة، ولبريطانيا علاقات تاريخية محفورة في الذاكرة، ولكن أيضا لأن ثمة صراعا مكتوما داخل الحكومة حول الموقف من النظام القائم فيها. والمتصارعان جناحان أحدهما يغلب المصالح التي تلعب فيها دولة الإمارات دورا مهما في مساندة النظام المصري، إلى الحد الذي يجعلها تضغط بورقة الاستثمارات في هذا الصدد. (قال إن للإمارات استثمارات في بريطانيا تتجاوز مليارا ونصف المليار إسترليني، يعمل فيها ٣٢ ألف بريطاني ويقوم توني بلير رئيس الوزراء الأسبق بدور الوسيط في تنشيط تلك الاستثمارات من الجانبين). وثمة جناح آخر في الحكومة يقاوم تلك الضغوط ويرى أن الانسياق وراء نهج المصالح يضر بسمعة بريطانيا ويسحب من رصيدها السياسي في أوروبا والعالم العربي. انضم إلينا في الحوار أحد الباحثين، الذي ذكر أن الأمر لم يعد سرا، فالصحف البريطانية (الجارديان والديلي ميل) نشرت وثائق تم تسريبها حافلة بالمعلومات التي تناولت تفاصيل الضغوط التي تمارس على الحكومة البريطانية لتتبنى مواقف مساندة للحكومة المصرية، وكانت تلك الضغوط سببا في تأجيل إصدار تقرير اللجنة التي شكلها رئيس الحكومة لتقييم موقف الإخوان من الإرهاب. ولأن التقرير لم يستجب للضغوط التي مورست، وللحفاظ على جانب المصالح، فإن التقرير لم يخرج إلى العلن، وتم تأجيل موعد الإصدار ثلاث مرات.
لأن موضوع مصر مثير لاهتمام كثيرين، فقد اتسعت دائرة الحوار، ووجدت أن مشاعر القلق ظاهرة في تعقيبات الأغلبية، وحين سجلت في وقت لاحق ملاحظات على ما سمعت فإنني وجدت أن تعبير «الأزمة» تردد أكثر من مرة على ألسنة المتدخلين، ولاحظت أنهم ركزوا على جوانب خمسة منها، هي: أزمة سياسية متمثلة في استمرار الاحتقان وغياب الوفاق الوطني وحدوث الانقسام بين القوى الوطنية، مع وجود أكثر من ٤٠ ألف سجين سياسي مجهولي المصير، ذلك غير المئات المحكوم عليهم بالإعدام، وألحق البعض مسألة مقاطعة الأغلبية للتصويت على الانتخابات ضمن تجليات الأزمة السياسية ـ أزمة أخرى اقتصادية متمثلة في تراجع احتياطي النقد الأجنبي وتعثر الإنتاج الصناعي وتوقف السياحة، إضافة إلى تراجع الدعم الخليجي بعد انخفاض أسعار النفط ـ الأزمة الثالثة تتمثل في تحول سيناء إلى مشكلة أمنية لم تحقق الجهود المبذولة هدفها في وقف العمليات الإرهابية التي لا تزال مستمرة ـ الأزمة الرابعة تتعلق بتعثر محاولات التوصل إلى حل لمشكلة سد النهضة الإثيوبي الذي يفترض أن يكتمل في عام ٢٠١٧، الأمر الذي يمكن أن يلحق أضرارا جسيمة بالزراعة في مصر ـ المشكلة الخامسة تتمثل في تدهور البنية التحتية وتراجع مستوى الخدمات، الأمر الذي كان غرق مدينة الإسكندرية بسبب الأمطار رمزا له. وبهذا التصور فإنهم اعتبروا أن الأزمات باتت تلاحق الحكومة القائمة من كل صوب.
❹
الذين قالوا هذا الكلام ليسوا معارضين سياسيين ولا هم خصوما متآمرين ولكنهم باحثون يتابعون بدقة ما يجري في مصر، ويعتبرون أن أحداثها تؤثر على العالم العربي كله. وأيا كان رأينا في قراءتهم للأوضاع الداخلية في البلد، فإننا ينبغي أن نعترف بأن ما عبروا عنه يعكس بعضا من معالم صورة مصر في الخارج. وأكثر ما همني في الموضوع أن ثمة مناقشات تجري حول مستقبل مصر خارج حدودها أكثر جدية من تلك التي تجري في داخلها. وأن حديثنا عن المؤامرات التي تحاك في الخارج طغى على التفاعل مع الحوارات الجادة التي تجريها المراكز البحثية في العالم الخارجي حول مختلف جوانب الشأن المصري، في هذا الصدد فإن المتابع للحوارات الدائرة في الأوساط الإعلامية والمنتديات المصرية المختلفة لا تفوته ملاحظة أن تركيزها على تأييد النظام القائم ومساندة الرئيس السيسي أكثر من انشغالها بهموم المجتمع ومصير الوطن. والوعود التي أطلقتها القوائم التي خاضت الانتخابات الأخيرة كاشفة بشدة لتلك الحقيقة، ودالة على أنها داخلة إلى مجلس النواب المنتظر للمساندة وليس للرقابة والمشاركة.
إننا بحاجة لكي نسمع صوت العقول المصرية لنتعرف على رأيها فيما يواجهه الوطن من تحديات، صحيح أن ثمة عودة مشهودة للاعتماد على أهل الثقة دفعت أهل الخبرة إلى الانكفاء والانضمام إلى مقاعد المتفرجين، كما أن أغلب أصحاب الرأي الآخر فضلوا الانزواء والصمت إيثارا للسلامة. إلا أن ذلك يعد انسحابا وتفريطا في حق الوطن، الذي هو ملك لكل أبنائه وليس لفئة دون أخرى، ولكي لا يضاف ذلك الانسحاب إلى قائمة الأزمات التي تواجهها مصر، فليس أمامنا سوى أن نرفع الصوت عاليا لاستدعاء تلك العقول وإنهاء عزلتها أو إقصائها. وللإرادة السياسية دورها الأكبر في ذلك، وهو ما نرجو أن تنهض به دون إبطاء.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2630
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1015
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
663
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5295
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4908
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
2985
| 24 سبتمبر 2026