رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يحتاج الأمر إلى جدال أو سجال لإثبات الاختلال في موقف واشنطن تجاه الاحتلال
الانتهازية الأمريكية.. والقضية الفلسطينية
يوماً بعد يوم، من أيام العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة، وتواصل الصمود الفلسطيني المليء بالعزة، تتكشف المؤامرة الكبرى والتي تقودها الولايات المتحدة وتوابعها من دول الاتحاد الأوروبي، لتصفية القضية الفلسطينية، بعد شيطنة المقاومة، ومحاولة محو هويتها، وتشويه صورتها في أوساط الرأي العام الغربي، وإلصاق تهمة «الإرهاب»، بعملياتها النضالية، وأعمالها البطولية.
ولا يحتاج الأمر إلى نظر عميق، وبحث دقيق، أو جدال، أو سجال، لإثبات الاختلال، في الموقف الأمريكي، المؤيد لهذا العدوان على الشعب الفلسطيني.
فالتصريحات الصادرة من الرئيس الأمريكي «بايدن» ووزير خارجيته اليهودي «بلينكن» تؤكد عدم وجود أي انضباط أخلاقي، أو ضبط سياسي، أو ضابط إنساني، ولا أية ضوابط قانونية في موقف الإدارة الأمريكية، تجاه مخطط الإبادة الجماعية التي تنفذها الحكومة الإسرائيلية، لطمس كل ما هو فلسطيني، وكل من له علاقة بالمقاومة.
بالإضافة إلى محاولة فرض واقع إسرائيلي على الأرض، في قطاع غزة، يعمل على تفكيك القضية الفلسطينية، وتصغيرها، وتصفيرها بل وتصفيتها، عبر تهجير الفلسطينيين خارج قطاعهم المحتل، وتشريدهم خارج الوطن الفلسطيني، بعيداً عن القطاع المقطوع الأوصال!
ولم تكن الولايات المتحدة بحاجة لإظهار هذا الكم الهائل من التواطؤ المفضوح، مع الجرائم التي ترتكبها إسرائيل في غزة.
فهذه الانتهازية الأمريكية، ليست سراً من أسرار الكون، ولا تعتبر أمراً جديداً، لأن كل الإدارات المتعاقبة، التي حكمت «البيت الأبيض»، أظهرت وقوفها إلى جانب إسرائيل سياسيا، وتأييدها عسكرياً، ودعمها اقتصادياً.
لكن الجديد المتجدد، في الموقف الأمريكي الحالي، هو تحول الرئيس «بايدن» إلى بوق إسرائيلي، عبر تبني الخطاب الصهيوني، وكأنه الناطق الرسمي باسم الحكومة الإسرائيلية!
وتمثل تصريحات الرئيس الأمريكي عن أحداث فلسطين المروعة، حالة مخزية من حالات غياب الضمير، وإنكار القيم الإنسانية، ومبادئ حقوق الإنسان، ومواد القانون الدولي، وقرارات الأمم المتحدة، ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، ويكفي تصريحه الذي أكد فيه أنه لو لم توجد إسرائيل لأوجدناها.
ويشكل «الرئيس بايدن»، في انحيازه الماجن لإسرائيل، محاولة ممجوجة، لإقصاء الفلسطينيين من الحياة، ومن الوجود، ومن الأرض، ومن الحضور، ومن الحاضر والمستقبل، ومن الوطن الفلسطيني المحتل.
وبدلاً من سعي الولايات المتحدة للظهور كوسيط دولي نزيه، وسعيها لإيجاد حل سياسي شامل ودائم وعادل للقضية الفلسطينية، يستند إلى قرارات الشرعية الدولية، ويرتكز على القوانين الدولية، نجدها تدعم الإرهاب الصهيوني، وتشجع العدوان الإسرائيلي المتواصل على الشعب الفلسطيني، الذي أدى خلال الأسبوعين الماضيين إلى سقوط أكثر من (2055) طفلاً شهيداً.
أما الأطفال الذين نجوا من نيران القصف العشوائي، ولهيب الحرائق، فإنهم يعانون من صدمات نفسية وحالات عصبية، بعدما أصبحوا أيتاماً بلا عائل، بعد فقدانهم عائلاتهم التي رحلت عن عالمنا.
ولا أنسى استشهاد أكثر من (5087) شهيداً، بينهم (1119) امرأة، بالإضافة إلى أكثر من (15273) مصاباً.
وهكذا، ونحن نتابع «المصاب الفلسطيني» الجلل الذي أصابنا بكثير من العلل، تواصل إسرائيل حملات التدمير وعمليات التهجير والتشريد في قطاع غزة، استناداً إلى «الضوء الأخضر» الساطع من البيت الأبيض في واشنطن.
وها هي تفعل كل ما تريد في مخططها الشيطاني ضد الشعب الفلسطيني، وتواصل عدوانها الوحشي، وانتقامها الهمجي على الفلسطينيين، دون أن نسمع من الإدارة الأمريكية كلمة انتقاد واحدة، أو إدانة انتهاكاتها للقانون الدولي!
والمعيب، أن الدعم الأمريكي المريب لإسرائيل وصل إلى درجة أن وزير خارجية الولايات المتحدة «أنتوني بلينكن» يتباهى بأصله، ويتفاخر بنسبه، ويؤكد يهوديته، ويعلن في «تل أبيب»، خلال زيارته «التضامنية» أنه أتى إليها بصفته مواطنا «يهوديا»، وليس كوزير خارجية دولة عظمى، يفترض أن يقوم بدبلوماسية نشطة لوقف الحرب والقصف العشوائي، وعمليات العنف الدموي.
ووصلت به الحالة اليهودية المتورمة، والنرجسية المتضخمة، لدرجة أن تدمير غزة على رؤوس ساكنيها الأعزاء، وقتل سكانها الأبرياء، وتشريد أهلها الأوفياء، لم يحرك ساكناً في كيانه، ولم يوقظ ذلك الشيء «الظلامي» في داخله، الذي يسمونه الضمير الإنساني!
ولأن الطبع اليهودي يغلب على التطبع، ولا أقصد «التطبيع»، نجد وزير الخارجية الأمريكي يدعم الغطرسة الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني، ويشجع العربدة الإسرائيلية في قطاع غزة، دون أن يسعى لتجنيب المدنيين الفلسطينيين تبعات القصف العشوائي الإسرائيلي، ودون أن يعمل من أجل خفض التصعيد العسكري الذي يستهدفهم، وهو ما أثار حفيظة الكثير من موظفي خارجيته الذين أبدوا استياءهم من تعامله مع هذا الملف، ومن التعامل الهمجي مع الفلسطينيين بوجه عام، ووصل الأمر إلى أن يعد الموظفون رسالة ينتقدون فيها تجاهل وزارتهم التام لمعاناة المدنيين الفلسطينيين، وقد أقر بلينكن بالفعل بالأثر العاطفي الذي تركته هذه الحرب على موظفيه، ولم يقف الأمر عند وزارة الخارجية، حيث يشهد الكونجرس حاليا تزايدا في الاستياء، وقد قام حوالي 400 موظف بالتوقيع على خطاب يدعو لدعم وقف إطلاق النار.
ولعل ما يثير الامتعاض هو دخول «ريشي سوناك»، بصفته رئيس وزراء بريطانيا على خط الأزمة، ومشاركته في حفلة الانتهازية الغربية، واتهامه للمقاومة الفلسطينية بأعمال «الإرهاب»!
وما دام مهتماً ـ ولن أقول متهماً ـ بفتح ملف الأعمال «الإرهابية» المروعة في الشرق الأوسط، من الضروري أن يحدثنا عن الفظاعات، والانتهاكات الحقوقية التي ارتكبها الجيش البريطاني خلال غزو العراق.
هناك في «بلد الرشيد»، خلال غزو الإنجليز بلاد الرافدين، انتهكوا الحقوق، وقتلوا الأبرياء، واعتدوا على النساء، وعذَّبوا المعتقلين، وأرهبوا كل العراقيين!
ولا أعتقد أن «ريشي سوناك»، يملك «ذاكرة نملة» ليتجاهل تورط القوات البريطانية، في جرائم الحرب واسعة النطاق، والانتهاكات الجسيمة، التي ارتكبها جنودها خلال احتلال العراق، من مارس 2003، حتى مايو 2009، وتمثلت في الاعتداءات على العراقيين، واعتقالهم قسرياً، واحتجازهم بشكل غير قانوني، وإساءة معاملتهم، وتعذيبهم في سجن «أبو غريب»!
والغريب أنه رغم كل هذه الحقائق الموثقة، لم تبادر الحكومة البريطانية بفتح تحقيق جنائي محلي لمساءلة المتورطين.
بل على العكس، تدخلت بشكل سافر في مسار العدالة، وضغطت لإغلاق التحقيق الجنائي المفتوح في المحكمة الجنائية الدولية!
وأريد إبلاغ «ريشي سوناك»، وأنا أهز رأسي يميناً ويساراً، على طريقة «أميتاب باتشان» وزميله «شاروخان»، أن بريطانيا استندت على «كذبة كبرى» لغزو العراق، روَّجها الرئيس الأمريكي الأسبق «بوش».
وقام جنود الدولتين بأعمال إرهابية مروعة ضد العراقيين، وانتهاكات بشعة بحق المدنيين، دون أي اعتذار، أو اعتبار لمنظومة «حقوق الإنسان» التي يتبجحون بها!
بل على العكس من ذلك، كانوا يرسخون خلال غزوهم غير الشرعي وغير القانوني للعراق، منهجهم الاستعماري، القائم على إثارة المصائب وكثرة المصاعب للشعوب.
ولا أنسى قيام «الأمير هاري»، نجل الملك تشارلز، حفيد الملكة اليزابيث، بأبشع «عمل إرهابي» فردي، عندما اعترف في مذكراته، التي نشرها بعنوان «سبير» أي «الاحتياطي»، أنه قتل (25 أفغانياً) بدم بارد، خلال خدمته العسكرية في أفغانستان، مشبهاً ذلك بإزالة «قطع شطرنج من فوق اللوح»!
وفي إطار «لعبة الشطرنج» القذرة التي تمارسها بريطانيا «العظمى»، وكشفت خلالها ادعاءاتها الكاذبة عن حقوق الإنسان، ودورها في إشعال الحروب، وسرقة ثروات الشعوب، وتأجيج الصراعات في المنطقة، أتوقف عند ذلك الوعد المشؤوم الذي أطلقه «أرثر بلفور» وزير الخارجية البريطاني في رسالته الموثقة بتاريخ الثاني من نوفمبر 1917، بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين!
لقد شَكَّلت تلك الرسالة أبشع دعم بريطاني رسمي لانتهاك حقوق الشعب الفلسطيني الذي كان يشكل الأغلبية العظمى من السكان المحليين في فلسطين المنكوبة.
وأريد أن أسأل «ريشي سوناك» رئيس وزراء بريطانيا، باللغة «السنسكريتية» التي يفهمها، وأنا أهز رأسي يميناً ويساراً مجدداً:
ألا يعتبر ذلك الوعد شكلاً من أشكال «الإرهاب الدبلوماسي»، الذي تسبب في اندلاع الصراع العربي الإسرائيلي؟!
ومشكلة هذا «البريم منستر»، الذي وصلت شعبيته إلى أدنى مستوياتها منذ توليه رئاسة الحكومة البريطانية قبل عام تقريباً أنه يريد أن يثبت للعالم أنه إنجليزي أكثر من الإنجليز!
ولهذا فهو يزايد عليهم في كل التوجهات والاتجاهات والملفات، وآخرها موقفه المعلن، ولا أقول الملعون، سيراً على خطى بلفور، عندما أعلن خلال زيارته «التضامنية» إلى «تل أبيب»، أنه فخور بالوقوف مع نتنياهو في أحلك أوقات إسرائيل كصديق لليهود.
.. وأنه سيقف متضامناً معهم، ومع شعبهم، وأنه يريدهم أن ينتصروا، دون أي احترام للقانون الإنساني، ودون أي التزام بمواد القانون الدولي، التي تنص على حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة.
وبعيداً عن هذه الانتهازية السياسية الغربية، أتوقف أخيراً عند الدبلوماسية القطرية الحكيمة، التي تسعى لخفض التصعيد، ووقف الأعمال العدائية، وتجنيب المدنيين تداعيات الحرب المدمرة.
وفي هذا السياق، لا بد من الإشادة بنجاح الوساطة القطرية في الإفراج عن «محتجزتين» أمريكيتين، مما يعكس نبل أخلاق قطر، وحرص الدوحة على سلامة المدنيين.
ويثبت للعالم قدرة القوة الناعمة القطرية على رفع المعاناة عن الأبرياء، ومحاولة احتواء الأزمة المتفاقمة، وتخفيف تداعياتها المتراكمة على أرواح المدنيين الضعفاء.
ومع كتابة السطور الأخيرة في مقالي، يبقى تأكيد حرصي على وضع «الكوفية الفلسطينية» حول عنقي، ذلك الوشاح التراثي النضالي، الأبيض المرقط بالأسود، تأكيداً بأن «فلسطين قضيتي».
وتجسيداً لموقفي الثابت، دفاعاً عن حق الشعب الفلسطيني في نيل حقوقه المشروعة، وإقامة دولته المستقلة، وعاصمتها القدس.
وتعبيراً عن تضامني مع أهلنا في غزة، الذين يتعرضون لحملة «إبادة جماعية»، في هذا الزمن الرديء، الذي غابت فيه القيم الإنسانية، وانتهكت فيه الحقوق الفلسطينية، وضاعت فيه العدالة الدولية.
الأبعاد الثقافية للحروب
تُعدّ الثقافة أو نمط الحياة من أهم المؤسسات الاجتماعية التي تُشكّل المجتمع. وتوجد علاقة معقّدة بين الثقافة وخاصةً... اقرأ المزيد
87
| 30 مارس 2026
من يملك الإعمار
كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال زمان الدمار كان هاجس إعادة الإعمار حاضراً بقوة في أذهان... اقرأ المزيد
87
| 30 مارس 2026
الإعلام.. حين تختلط الحقيقة بالدعاية
لا تأتي الأزمات اليوم فقط من الحدود، بل تصل أيضًا عبر الشاشات والهواتف، في صيغة خبرٍ سريع أو... اقرأ المزيد
69
| 30 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل يضم الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، سيكون الاقتصاد العالمي معرضًا لصدمة عميقة قد تعيد تشكيل ملامحه على المدى القريب والبعيد، نظرًا للمكانة الحيوية التي تحتلها منطقة الخليج في منظومة الطاقة العالمية. وتتضاعف خطورة هذا السيناريو في حال اقترن بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في استقرار الأسواق الدولية. تتمثل أولى التداعيات في الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا. ومن ثمَّ، ستشهد الأسواق موجة تضخمية واسعة، تؤثر في القدرة الشرائية للأفراد وتزيد من الأعباء على الحكومات. وفي هذا السياق، أرى أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لن يكون مرحليًا فقط، بل قد يمتد ليُحدث تغيرات هيكلية في سياسات الطاقة لدى العديد من الدول. كما ستتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات ملحوظة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بحركة الملاحة في المنطقة. هذا الاضطراب سيؤدي إلى تباطؤ التجارة الدولية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما ينعكس سلبًا على استقرار الأسواق. ومن وجهة نظري، فإن التأثير الأكثر خطورة لا يكمن فقط في تعطّل الإمدادات، بل في حالة عدم اليقين التي ستدفع الشركات إلى تقليص استثماراتها، وهو ما يضعف النمو الاقتصادي العالمي بشكل تدريجي. ومن جانب آخر، ستواجه البنوك المركزية تحديًا معقدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين كبح التضخم والحفاظ على النمو. فرفع أسعار الفائدة قد يحد من التضخم، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي. وفي هذا الإطار، أرى أن احتمالية دخول بعض الاقتصادات في حالة ركود تضخمي تبقى مرتفعة، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على استيراد الطاقة بشكل كبير. أما الأسواق المالية، فمن المرجح أن تشهد تقلبات حادة نتيجة توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والعملات المستقرة. وسيؤدي ذلك إلى خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية عليها. ومن وجهة نظري، فإن هذه التحركات تعكس حساسية الأسواق العالمية تجاه الأزمات الجيوسياسية، ومدى ارتباطها بحالة الاستقرار الدولي. في ضوء هذه المعطيات، أرى أن احتمال لجوء إيران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية يظل قائمًا، خاصة في حال تصاعد الصراع إلى مواجهة مباشرة. ومع ذلك، أتوقع أن يكون أي إغلاق محتمل محدودًا من حيث المدة، نتيجة التدخل الدولي السريع لإعادة فتح هذا الممر الحيوي. كما أرى أن التأثيرات الاقتصادية للحرب لن تكون متساوية بين الدول؛ إذ ستتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر، في حين قد تحقق الدول المصدرة مكاسب مؤقتة. إلا أنني أتوقع أن هذه المكاسب ستكون قصيرة الأمد، نظرًا لتأثير تباطؤ الاقتصاد العالمي على مستويات الطلب. ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تصعيد محدود ومواجهات غير مباشرة بدلًا من حرب شاملة طويلة الأمد، وذلك بسبب إدراك الأطراف المختلفة لحجم الخسائر الاقتصادية المحتملة. ومع ذلك، أرى أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو حدوث اضطرابات جزئية فيه سيكون كافيًا لإحداث تأثيرات كبيرة في الأسواق العالمية، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أو تراجع ثقة المستثمرين. كلمة أخيرة أرى أن هذه الأزمة، في حال وقوعها، قد تسهم في تسريع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة. ومن وجهة نظري، فإن العالم قد يتجه نحو إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي، بحيث تزداد أهمية الدول القادرة على تأمين إمدادات مستقرة، وهو ما يعكس الترابط العميق بين الأمن الجيوسياسي والاستقرار الاقتصادي.
2442
| 26 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1926
| 24 مارس 2026
يحق لي أن أكتب عنك اليوم بعد تردد، ليس لشيء سوى أن الحديث عن الأمراء والقادة عبر وسائل الإعلام يحتاج لوقفة، فليس كل ما يكتب عنهم هو من صميم القناعة والرضا، فقد تكون المجاملة وكسب الرضا والتقرب، وسائل تستخدم عبر القلم والسطور. ولكن أُشهد الله أنك يا سيدي، بمواقفك الصلبة ونفسك الأبية وشموخك العالي الهمة، منذ سخرك الله ومنحك شرف قيادة هذا البلد وإدارة أموره وأمور رعيته، تثبت في كل مرة أنك رجل المرحلة وقائد فذ شجاع وطني مخلص لبلادك وأهلك، بل تجاوزت ذلك لتشيد في كل مناسبة بأولئك الذين يعيشون بين أحضان هذا الوطن، فكأنك تبعث الطمأنينة في نفوسهم لأنهم جزء من نسيج هذا البلد. في الشدائد تعرف معادن الرجال، وفي الأزمات والصراعات تطل شخصية القائد والزعيم ويُعرف رجل الحكمة والصبر والذي يدرك كيف يدير الأمور بحكمة وبصيرة، دون العنتريات والخطب الرنانة. يشهد التاريخ لهذا البلد ومنذ سنوات عدة بأنه بلد الخير والعطاء والذي لم يبخل في تقديم يد العون والمساعدة وتقديم النصح والإرشاد وقت الشدائد، لذلك حافظت قطر ولسنوات عدة على علاقات مميزة مع كل دول العالم، وكانت عبر قادتها ووزرائها ومسؤولين فيها تطل على المشهد السياسي في كل المحافل العربية والعالمية من أجل أن تقول كلمتها وأمام الجميع وتبدي الرأي والنصح عند يتطلب ذلك. لقد أتاح لي سيدي سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، أن أرافقه في العديد من الرحلات لمختلف دول العالم، ومنها جمهورية إيران الإسلامية، وجلست ضمن الوفد القطري المرافق لسموه، واستمعت بأذني ماذا كان يقول المرشد السيد علي خامنئي، رحمه الله، من إشادة وثناء وتقدير لقطر ومواقفها من إيران وحرص سموه على فتح باب الحوار واحترام الجيرة بين البلدين، كما سمعت نفس الكلام من الرؤساء الذين كانوا في سدة الحكم في إيران بدءا من الرئيس رفسنجاني، رحمه الله، ثم الرئيس خاتمي وبعده الرئيس نجاد، بل كان الرئيس نجاد هو ضيف الشرف في قمة مجلس التعاون في الدوحة عام ٢٠٠٧م، ويذكر كل من تابع المؤتمر الصحفي والذي عقد خلال زيارة سمو الأمير الوالد لإيران في أبريل عام ٢٠٠٦، والمزاح الذي دار بين القائدين حول مشاركة منتخب إيران في نهائيات مونديال ٢٠٠٦ في ألمانيا، مما يعطي انطباعا عن أريحية العلاقة القطرية الإيرانية والاحترام المتبادل بينهما. كنت أظن أن هذه العلاقة المميزة ستكون كفيلة بتجنب تعرض قطر لأي اعتداء من قبل إيران، ولكن ما شاهدته وعشته طوال الأسابيع الماضية جعلني أتحسر على ما ظننت أنه لا يمكن أن يحدث، بل لا أبالغ عندما أقول بأن دول مجلس التعاون حرصت على أن تكون في معزل عن الصراع الدائر بين إيران وإسرائيل وأمريكا، وأبلغت الجانب الإيراني بذلك، ولكن ما حدث هو عكس ذلك وهو معروف لدى الجميع ولا داعي أن أسرد تفاصيله. إنني أعجب لمثل هذه المواقف والتي اتخذتها جمهورية إيران الإسلامية ضد جيرانها العرب، وهذه الصواريخ والمسيرات والتي تتجه لأهداف مدنية وبنية تحتية، دون سبب واضح، كل ما يتردد بأنه ضد القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وهذا مبرر غير واقعي وغير منطقي، فالقواعد كانت هنا منذ سنوات عدة، وأُبلغت إيران بأن دول المنطقة لن تسمح بأن هذه القواعد تستخدم في الاعتداء على أي دولة. وفي خضم هذه الأحداث والتي تعصف في المنطقة والعالم وتتمحور في هذا الصراع العسكري العنيف في منطقتنا، تطل قطر بقيادتها الحكيمة القوية والتي تعرف كيف تدير الأمور بما يتناسب مع مصلحة الوطن والمواطنين. تحية حب وتقدير وامتنان لمقام سموك الكريم، وأنت تقف بكل ثقة وعزة نفس وشجاعة مقرونة بحكمة وعزيمة لا تلين في مواجهة مثل هذه الظروف، وتحية لشعبك الأبيّ الكريم والذي يبادلك حباً وولاء.
1722
| 24 مارس 2026