رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في الأسبوع الماضي فجرت لجنة جائزة نوبل في العاصمة النرويجية أوسلو مفاجأة بإعلانها فوز الاتحاد الأوروبي بجائزة نوبل للسلام لعام 2012 وذلك لما وصفته بمساهمته في تشجيع السلام والمصالحة في أوروبا. وأيا ما كانت الأبعاد السياسية التي تحكم معايير اللجنة المسؤولة عن منح هذه الجائزة، وأيا ما كانت الانتقادات إلى وجهت لاختيارها الاتحاد الأوروبي بالذات لمنحه هذه الجائزة في ضوء المشاكل الاقتصادية التي يعاني منها بعض أعضائه، فإن الخبر في مجمله يدفع للتفكير في الكيفية التي نجحت من خلالها تجربة الاتحاد في تحويل أوروبا من ساحة للصراع إلى إحدى أكبر ساحات التفاهم في العالم، ومقارنة ذلك بأحوالنا في العالم العربي، حيث تتسع مساحات الاختلاف وتتآكل مساحات الاتفاق، حتى صرنا نجد من بين مثقفينا من بات يتعامل مع كلمة الوحدة على أنها كلمة سيئة السمعة.
لقد نشأ الاتحاد الأوروبي كمحاولة للتغلب على ميراث دموي من النزاع بين الدول الأوروبية التي كانت قد خرجت لتوها من تجربة حرب مدمرة، أزهقت أرواح ما يزيد على الخمسين مليون نفس، وأدت إلى انهيار عملاتها وارتفاع أسعار السلع الأساسية فيها، وتحطيم بنيتها التحتية، وأوصلت مديونيتها لمعدلات قياسية، فضلاً عما خلفته من ملايين اللاجئين والمشردين والمصابين. نجح مشروع الوحدة تدريجيا في القضاء على هذا الميراث الهائل من المشاكل، وحوّل خصوم الأمس إلى شركاء في المصير، وطور وسائل التعاون بين الأنظمة التي أرهقتها الحرب حتى صارت لها عملتها الموحدة وكلمتها الدولية المسموعة، وصار الاتحاد الأوروبي مرشحا بقوة لوراثة الدور الأمريكي في عالم متعدد الأقطاب يعقب المشهد الحالي من القطبية الأمريكية المنفردة.
وبالتزامن مع النجاح المطرد لتجربة الاتحاد الأوروبي، كان العالم العربي على الجانب الآخر من البحر، يقوم هو الآخر بتنفيذ عدد من تجارب الوحدة، ولكنها كانت قصيرة العمر وكثير منها مات في المهد. بعد قيام الثورات العربية كان من المتوقع أن يسهم الربيع العربي في جعل دوله أكثر رغبة واستعدادا لكي تستأنف مشروع الوحدة من جديد، ولكن النخب السياسية في هذه الدول لا تبدو قادرة على تحقيق التوافق الداخلي فيما بينها فضلاً عن أن تحقق الوحدة السياسية أو الاقتصادية فيما بين دولها. فبمجرد الإطاحة بالأنظمة القديمة تفرغت هذه النخب لحالة من التناحر حول عدد من الأزمات المفتعلة، وانصرفت عن البحث في مساحات التوافق فيما بينها. والسؤال الذي يناقشه هذا المقال هو: لماذا نجح الأوروبيون في تجاوز تناحرهم، فيما النخب السياسية عندنا لا يبدو أنها تسعى إلى تحقيق إنجاز توافقي مماثل؟
أول العوامل المسؤولة عن ذلك ربما يتمثل في تفاوت القدرة بين الأوروبيين وبيننا على التمييز بين الأهداف والوسائل. فالتناحر بالنسبة للأوروبيين لم يكن غاية في حد ذاته، ولكنه كان وسيلة لتحقيق أهداف أكبر، فلما فشل في تحقيق هذه الأهداف، وجدت هذه الدول أن بإمكانها أن تحقق بالاتحاد ما فشلت في تحقيقه عن طريق الحرب والانقسام. وعلى العكس مما سبق، فهمت النخب السياسية لدينا الانقسام على أنه غاية في حد ذاته، ولهذا ارتبطت مشاريع الوحدة الأولى (خلال مرحلة المد الناصري) بتشجيع وتمويل العديد من الانشقاقات والانقلابات بحجة تمكين الأنظمة ذات النزوع القومي من الوصول إلى الحكم، الأمر الذي أدى إلى نشوب حرب باردة عربية، لم تنته إلى أي نتيجة مثمرة.
الأمر نفسه يتكرر فيما بعد الربيع العربي على المستوى الداخلي، فقد أصبحت النخب السياسية على حافة مواجهة شاملة، بدا معها أن هذه النخب السياسية ليست جادة في تحقيق شعاراتها الوحدوية والتوافقية، فهي متفرغة لترسيخ الفرقة ونقض ما غزلته الشعوب، تحركها مصالحها الضيقة، فيما هي عاجزة عن الالتزام بالحد الأدنى من التوافق الضروري لتحقيق أهداف الربيع العربي.
من عوامل نجاح الوحدة الأوروبية أيضا أنها انطلقت من الجزئي إلى الكلي، ومن المحدود إلى الشامل، فمن اتحاد لإنتاج الفحم والفولاذ، إلى برلمان أوروبي، إلى محكمة عدل أوروبية إلى اتحاد نقدي إلى وحدة سياسية شبه مكتملة. وعلى العكس من ذلك جاءت تجارب الوحدة لدينا مبالغة في أهدافها، فوقية في تطبيقاتها، ومرتبطة بالطموحات السياسية لعدد من القادة القوميين أكثر من ارتباطها بالحقائق الموضوعية على الأرض، الأمر الذي حال بينها وبين إحراز نجاحات ملموسة. الأمر نفسه يتكرر في مرحلة ما بعد الربيع العربي، فالنخب السياسية المتصدرة للمشهد لا يبدو أنها تفهم فوائد التدرج في الطموحات، وإنما هي في حالة من الاستنفار الدائم من أجل تضخيم إنجازاتها والتهوين من إنجازات خصومها.
من ناحية أخرى فإن المكون الحضاري في الاتحاد الأوروبي لم يتم طمسه أو القفز عليه، ولهذا فإن الاتحاد مازال يوصف من قبل الكثير من المختصين بأنه ناد مسيحي. أما الأبعاد الحضارية والدينية في مشاريع الوحدة العربية فقوبلت دوما إما بمعارضة أو بتحايل لتفريغها من مضمونها. ولم يتغير الحال بعد الثورات العربية، فالعامل الوحيد الذي تجتمع عليه النخب العلمانية، المتنافرة فيما سوى ذلك، هو معارضتها للهوية الإسلامية، وهو اجتماع ذو طبيعية مفرقة كما يبدو من مضمونه، خاصة أن الطرح البديل الذي يقدمه هؤلاء يتعارض مع المزاج العام لقطاعات واسعة من الشعوب العربية التي تستشعر ميلاً تلقائيا إلى الدين والتدين.
لقد أثار نجاح ثورات الربيع العربي الأمل في اجتماع النخب السياسية العربية حول أهداف وحدوية على المستوى الداخلي والخارجي، ولكننا حتى هذه اللحظة لا نرى سوى استغراقا في الخلافات والاتهامات والفرقة، الأمر الذي يشعر المراقب بقدر كبير من القلق، خاصة عندما يقارن هذا الحال بحال جيراننا الشماليين الذين يحتفلون بمرور ستة عقود على بدء مسيرتهم نحو الوحدة التي تجاوزت مشاكل وعقبات أكبر بكثير مما تثيره النخب السياسية لدينا من قضايا وأزمات مفتعلة.
الجماعات المسلحة من غير الدول
في الوقت الذي يسلط فيه الإعلام العالمي الضوء على تنظيم الدولة الإسلامية (المعروف إعلاميًا باسم داعش)، وغيره من... اقرأ المزيد
2311
| 13 يناير 2016
العنف مؤذِّن بضياع الاستقرار
من الشائع أن تعوِّل أنظمة الاستبداد على العنف كأداة للحفاظ على استقرارها ومكاسبها السياسية، وذلك لما تعتقده هذه... اقرأ المزيد
927
| 06 يناير 2016
العلمنة الشاملة وعنف الدولة
يثير العنف الأهوج الذي تمارسه أنظمة الاستبداد بحق مواطنيها العديد من الأسئلة، فضلاً عما يثيره من استنكار وتقزز... اقرأ المزيد
828
| 30 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5235
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3771
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2631
| 08 سبتمبر 2026