رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هنالك صراع فكري عالمي قديم حول جدوى الاستقامة العملية في الحركة الاقتصادية. هل الاستقامة مفيدة وتؤدي إلى النجاح وتحقيق الأرباح، أم على العكس تعرقل المسيرة وتؤخر المستقيمين تجاه من لا يعتمد الأخلاق في تصرفاته. ظهر هذا الصراع علنيا مع أزمة 2008 حيث انفضحت نتائج الممارسة السيئة بل غير الأخلاقية والخاطئة في الاقتصاد الدولي. أزمة 2008 كانت قبل كل شيء أزمة أخلاق وسوء تصرف وعدم استقامة، قبل أن تكون أزمة مالية واقتصادية. إذا كانت الممارسات خاطئة، فهل تعلم العالم منها؟ لا تشير الوقائع إلى الاستفادة من تجارب الماضي السيئة. مفهوم الاستقامة ما زال غير معتمد في قطاع الأعمال، خاصة في الدول النامية، رغم الإجماع حول ضرورته.
إذا كانت الممارسات غير الأخلاقية مفيدة لبعض الأشخاص الذين يمارسونها، فهي حكما مضرة بالمجتمع ككل ويجب تجنبها. تقول "أنا برناسيك" في كتابها عن الموضوع إن المطلوب هو فهم فوائد العلاقات الجيدة في المجتمع التي تبقى أفضل من الأنانية المضرة التي أسهمت في خلق الأزمات السابقة. تقوية العلاقات في المجتمع تساهم في تكبير حجم الاقتصاد وخلق منافع أكبر بكثير للجميع. يجب إعادة بناء الثقة في المجتمعات التي ستقوي الاقتصاد خلال العقود المقبلة. الاستقامة هي كالأوكسجين الذي لا نعرف قيمته إلا عندما يتوقف.
بسبب الجشع الممارس دوليا في كل الأعمال، حصلت أزمات كبرى وقع ضحاياها الفقراء والمغامرون كما المجتمع عموما. لذا يجب بناء ثقافة الثقة من جديد بدءا من العائلة والمدرسة والجامعة وصولا إلى المجتمع عموما والأعمال خصوصا. هنالك استثمار في الثقة والأخلاق والاستقامة مطلوب من الجميع، لأنه الطريقة الفضلى ولأن تجارب الماضي كانت مكلفة. يجب أولا وطبعا أن يقتنع المجتمع بأهمية الاستقامة وضرورة اعتمادها في الحياة كوسيلة فاعلة للنجاح والتطور والتقدم.
لا يمكن فرض مفهوم الأخلاق على المجتمعات، فهذا لن ينجح. القبول بالتصرف المستقيم من قبل الجميع يساهم مع الوقت في خلق ثروات عامة وفتح آفاق جديدة لم تكن ظاهرة. من أخطاء السياسات العامة فرض قيود قانونية وإجرائية على الاقتصاد الحر، بدل محاولة بنائه من جديد أي خلق اقتصاد سليم لا يحدث أزمات كل عقد من الزمن. تقيد هذه القوانين حرية الاقتصاد، لكنها لا تساهم في تغيير تصرفات الإنسان الذي يحاول التلاعب عليها بل خرقها في سبيل الربح السريع. الاستقامة هي البنية التحتية الخفية للمجتمع وهي مصدر الثروة الحقيقية الدائمة. لا يمكن شراء الاستقامة وبيعها، فهي تنبع من داخل الفرد والمجتمع وتقوى مع الوقت لكنها هشة وسهلة الانكسار ويمكن خسارتها بسهولة.
من ناحية أخرى، ممارسة الاستقامة من قبل قطاع الأعمال أساسي ويرتكز على الشفافية والمحاسبة ونوعية القواعد المتبعة. تعتمد الاستقامة تجاه الزبائن بحيث تعطي لهم كل المعلومات وتحترم حقوقهم ويتم إصلاح الخطأ والتعويض عنه. ما هي الدروس التي يمكن استخلاصها من تجارب الماضي؟ هل يمكن الاستفادة منها لبناء مستقبل أفضل؟
أولا: الدرس الأقسى من أزمة 2008 هو أن الاستقامة ضرورية ومفيدة ليس فقط من ناحية الأخلاق وحسن التصرف وإنما أيضا اقتصاديا. تشير التجارب الفردية إلى أن الأشخاص الذين يخالفون قواعد الأخلاق يستفيدون ماديا، إلا أن هذه الممارسات عندما تعتمد من عدد كبير من الناس تسيء إلى المجتمع. هنالك نوع من القناعة في المجتمعات وهي أن الذي يعمل بأخلاق يخسر، لكن تجارب الأعمال تشير إلى أن الشركات الناجحة عالميا هي التي احترمت زبائنها ومارست أعمالها وإنتاجها وتسويقها ضمن معايير الاستقامة والأخلاق. كما أن أهم رجال وسيدات الأعمال هم من الذين اعتمدوا مسيرة الاستقامة. هذا لا يعني أن ليس هنالك أشخاص فاسدون أغنياء، لكن الأكثرية هي التي اعتمدت الاستقامة لاستمرارية النجاح. ليس المهم فقط تحقيق الثروة، إنما الأهم هو الاستمرارية من جيل إلى آخر، وهذا صعب إذا لم يرتكز على الاستقامة. في كل حال، المجتمعات تميز جيدا بين المستقيم وعكسه، حتى لو لم يتكلم الناس علنا عنهما.
ثانيا: يمكن اعتماد الاستقامة كنوع من الأصول التي تفيد اقتصاديا، تخلق أجواء صالحة فتخفف البطالة وتحفز النمو وترفع من مستوى الفعالية والإنتاجية. الاستقامة هو مبدأ عام وطريقة عمل ومنهجية فاضلة ومفيدة، بل يجب أن تكون هدف كل مجتمع يسعى إلى التقدم والغنى والسيطرة على الفقر.
ثالثا: الاستثمار في الاستقامة لا يعني فقط معاقبة المخلين بالأخلاق والقواعد، بل خلق الأجواء المناسبة لتحقيق الثروة ليس لأفراد بل للمجتمع. هنالك فارق كبير بين نظام الاستقامة والأنظمة الاشتراكية التي تدعو إلى توزيع عادل للثروة وربما للدخل أحيانا. نظام الاستقامة يسمح للأفراد والجماعات بأن يحققوا الثروات ضمن قواعد حسن التصرف تجاه الغير والدولة.
رابعا: رغم غياب الأخلاق عموما في مجتمعاتنا، إلا أن هنالك العديد من أوجه الثقة الموجودة في الحياة اليومية والتي نعتبرها عادية بل لا نفكر بها. مثلا، عندما نشتري العديد من المواد الغذائية من الأسواق، نستهلكها دون أن نفكر في جودتها كالحليب. شراء المادة ضمن تاريخ الصلاحية لا يعني بالضرورة أنها صالحة حكما. هنالك عامل الكهرباء التي تنقطع، كما مولدات الكهرباء التي تنطفئ فجأة كما وسائل المحافظة والتخزين التي لا تحترم وغيرها. نستهلك هذه السلع من معلبات دون أن نأخذها إلى المختبر وبالتالي نمارس الثقة حتى لو لم نفكر بها أو نكون مقتنعين كليا بتوافرها. من دون هذه الثقة الخفية، يتوقف النشاط الاقتصادي كليا في المجتمع لأنها الحد الأدنى المطلوب للاستمرارية.
خامسا: هنالك واقع وهو أن كلما فتشنا عن الاستقامة في المجتمع، نجدها في العديد من القطاعات منها الغذاء والسيارات والمصارف وشركات التأمين وغيرها. عندما نشتري سيارة جديدة، نرتكز على ثقتنا بالمنتج ونقودها مع أطفالنا وأولادنا وربما نعرضهم للخطر إذا لم يكن المنتج جيدا. هنالك حوادث كبيرة نتجت عن استعمال السيارات، إلا أن الفارق بين شركة وأخرى هو مدى اهتمامها بالخلل الذي حصل وإصلاحه والتعويض عن المتضررين كما الاستفادة مما حصل منعا للتكرار. عندما نستعمل بطاقات الاعتماد للشراء أو للحصول على النقد، نركز على ثقتنا بحسن الخدمة حتى لو لم نكن متأكدين من حسن سير التجربة. عندما نشتري بوليصة تأمين، نعتمد على الثقة بالشركة التي ستعوض علينا في حال حصلت الخسارة. من دون هذه الثقة الداخلية يتوقف النشاط الاقتصادي في كل الميادين، إذ لا يمكن التأكد أو التحقق من كل سلعة نشتريها كبيرة كانت أو صغيرة، مكلفة كانت أم رخيصة الثمن. الاستقامة هي استثمار في الحياة وهي مفيدة اقتصاديا.
من السلع التي استحوذت على ثقة الناس منذ قرون هي الذهب الذي يستعمل لحاجات مختلفة منها طبية وتزيينية ويتم تخزينه في المصارف المركزية حيث تكمن ثقة المواطن. لماذا نثق بالذهب وبالمصارف المركزية التي تحافظ عليه؟ لماذا نثق بهذه السلعة ذات القيمة النفسية الكبيرة رغم أنها لا تنتج كثيرا كبعض المعادن الأخرى؟ هنالك ثقة مبنية على استقامة المصارف المركزية وممارستها للأدوار المطلوبة منها لفترات طويلة ضمن القوانين والمنطق. لماذا تقرض الدول والمصارف مثلا بعض الحكومات ولا تقرض غيرها. هنالك ثقة في بعض الدول تشجع المقرضين على إعطائها الأموال. تبنى الثقة على حسن الممارسة والقيام بالتسديد في الأوقات المتفق عليها، أي على الصيت الحسن والممارسة الفضلى.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
1626
| 31 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1536
| 29 مايو 2026
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
1122
| 30 مايو 2026