رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
طرحت الإساءة للإسلام، والاحتجاجات عليها، ومواقف الحكومات، غربية وعربية ومسلمة، أسئلة كبيرة وشائكة ينبغي على العالم الإسلامي أن يتعمق فيها ويستخلص العبر. فالإساءات قد تتكرر، كذلك الاحتجاجات، ما يستوجب ضبط النفس، لأن الانفعال والعشوائية أديا وسيؤديان إلى إراقة الدماء، وكأن المجتمعات المسلمة نفسها في صراعات داخلية بين تياراتها قبل أن تكون في صراع مع المسيئين للإسلام.
غداة انتشار خبر الفيلم المسيء وبداية الاحتجاج عليه ثم قتل الدبلوماسيين الأمريكيين في بنغازي، استرجع العالم أحداث سبتمبر، كان ولا يزال هناك اعتقاد بأن "الحرب على الإرهاب"، إنما كانت في أذهان عسكرييها وسياسييها حرباً على المسلمين، صحيح أن الحكومات، ولا سيما الأمريكية، أطلقت الكثير من التأكيدات الرسمية بأن الأمر لا يتعلق بالإسلام والمسلمين، وبأنها تميز بين ما هو ديني إيماني وما هو دنيوي "إرهابي"، إلا أن وقائع عدة خلال استجواب المعتقلين في غوانتانامو وباغرام، وكذلك دعوة ذلك القس المهووس إلى حرق المصاحف، أظهرت أن ثمة ثقافة كراهية قد انتشرت بل أدخلت في أساليب تعبئة العسكريين على ما دلت إليه ممارساتهم في سجن أبوغريب العراقي وسائر السجون العلنية والسرية.
كان الهدف من الحروب والاحتلالات، ومن انتهاج التنكيل والتعذيب والإذلال، تحقير الشأن الديني ورموزه، وتحطيم النفوس لتتقبل الإهانات للإسلام وكتابه ورسوله، وبالتالي إخراج الدين من الخطاب السياسي بمستوياته كافة، لكن النتيجة جاءت في معظم الأحيان عكسية، فالمعاملة التي تلقاها المعتقلون جعلت العديد منهم يعودون إلى القتال ما أن أطلق سراحهم، ومن تاب منهم لا يمكن القول إنه غدا صديقا لسجانيه السابقين أو محباً لبلادهم وسياسات حكوماتهم.
أكثر من ذلك، حصلت تحولات هائلة في بلدان "الربيع العربي" وكانت الدول الغربية الأشد ترحيبا بها، بل ساعدت أو أوصت بأنها تساند الثورات، لكنها ما لبثت أن تقبلت على مضض واقع أن تيارات الإسلام السياسي برزت كوريث وحيد جاهز للأنظمة الاستبدادية المتهاوية، وتشاء المفارقة أن نجد الأنظمة الجديدة (الإسلامية) نفسها مضطرة للتكيف مع واقع يعرقل إداراتها للاقتصاد والمال والسياسة، ما لم تكن لها أفضل العلاقات مع الدول الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة. صحيح أن هذه الأنظمة استبقت الوصول إلى سدة الحكم بمراجعات أو بصياغات منمقة لسياساتها كي تصبح مقبولة ومطمئنة، إلا أن التفاهمات المبدئية لا تلغي صعوبات التطبيقات العملية ولذلك فإن الكونجرس والدوائر المالية و"اللوبي الصهيوني" ترى أن سياسة المساعدات يجب أن تتشدد لاختبار الحكام الجدد ونياتهم وتوجهاتهم.
عند هذا المنعطف الصعب تفجرت قضية الفيلم المسيء للإسلام وردود الفعل عليه، وبالأخص قتل السفير الأمريكي في بنغازي، فهناك داخل الإدارة الأمريكية من ضرب كفا بكف قائلا: إذا فقد تخلصنا من القذافي لنظفر بالقاعدة في ليبيا، وهناك داخل الكونجرس من تساءل: وهل مصر "الاخوان المسلمين" صديقة لأمريكا مثل مصر مبارك لنجدد مساعداتنا لها ونزيد عليها؟
وطرحت أسئلة مشابهة بشأن اليمن وتونس.. بل تجددت الشكوك في جدوى دعم المعارضة السورية، طالما أن هناك "جهاديين" يتكاثرون في المشهد، فضلاً عن السلفيين الذين أنشأوا حالات خاصة بهم ضمن الثورة السورية، تماماً كما فعلوا في بلدان "الربيع" الأخرى.
لكن، هل يتعلق الأمر بالإسلام أم بالمسلمين، بالسياسة أم بالإسلام السياسي؟ لا شك أن هناك تداخلا بين كل هذه العناصر، فالعلاقة بين الغربيين والإسلاميين بدأت لتوّها من دون أن يكونوا قد حلوا خلافات مزمنة في ما بينهم، ذاك أن النقمة على السياسات الأمريكية لم تزل لأن النتائج الكارثية لهذه السياسات لا تزال ماثلة ومعاشة يومياً من أفغانستان وباكستان، إلى فلسطين والعراق، فضلاً عن مشروع الحرب المتفاعل ضد إيران وازدياد الهوس الإسرائيلي واندفاعه إلى تخريب المنطقة، وقد وجد رئيس الوزراء الإسرائيلي في الاحتجاجات الإسلامية فرصة للوم الولايات المتحدة على إهمالها لـ"التطرف الإسلامي" متجاهلاً أن هناك في الإدارة الأمريكية من يشير إلى حكومته باعتبارها نموذجا لـ"تطرف الدولة"، الموازي لـ"إرهاب الدولة".
لعل أهم دروس الاحتجاجات أن الحكام الجدد تعرفوا إلى حقيقة أنهم لا يستطيعون بعد الآن استخدام اساليب المعارضة، بل لعلهم اكتشفوا أيضا أن التيارات الإسلامية على يمينهم أو على يسارهم، يمكن أن تكون "خطراً" وفقاً لتوصيف راشد الغنوشي، ليس على حزبه فحسب وإنما على الدولة والبلد، والأكيد أن اخوان مصر وليبيا توصلوا إلى الاستنتاج نفسه، لأن التحديات لا تأتيهم من الليبراليين، أو حتى الفلول، وإنما من الجماعات التي يظنون أنها معنية بإنجاح تجربة الإسلاميين في الحكم، ولا شك أن هذه الفوضى تضعف دعوات كالتي أطلقها الأزهر ومنظمة التعاون الإسلامي لترجمة الاحتجاج المتزن والعقلاني على الإساءة للإسلام بتشريع دولي يجرم ويحرم المس بالأديان والمقدسات.
لا أحد ينفي مشروعية الاحتجاج، لكن يجدر بالجميع وضع الإساءة في حجمها الصحيح، فالإسلام كدين لا يمكن أن نقلل من شأنه بأساليب رخيصة ومبتذلة كهذه، لم يكن مطلوبا تمريرها كأنها لم تكن، ولا اتخاذها شماعة لتعليق أشياء كثيرة لا علاقة لها بالإسلام عليها. إذ أن الجدل الدائر اليوم على المواقع الإلكترونية يوحي بأن الإسلام يخص المتطرفين والغوغائيين الذين افتعلوا العنف حيثما استطاعوا، بل انهم يعتبرون سلوكهم صحيحا، ولذا باتوا يصنفون الآخرين إلى حد التشكيك في إسلامهم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يكن إغلاق مضيق هرمز مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على حماية اقتصاداتها، وقدرة الشركات على مواصلة أعمالها في واحدة من أكثر البيئات التجارية حساسية في العالم. فهذا الممر البحري لا يمثل فقط شريانًا رئيسيًا لتجارة النفط والغاز، وإنما يعد أحد أهم الممرات التجارية في العالم، إذ تعتمد عليه حركة جزء كبير من الواردات والصادرات التي تغذي اقتصادات دول الخليج وتؤمن احتياجاتها من المواد الخام والسلع ومستلزمات الإنتاج. نجاح الدولة... وتحديات القطاع الخاص خلال تلك المرحلة أثبتت دولة قطر جاهزية عالية في إدارة الموقف، فلم تشهد الأسواق المحلية نقصًا في السلع الأساسية، واستمرت حركة التجارة بصورة مطمئنة، ونجحت الجهات المعنية في الحد من أي آثار مباشرة على المستهلك. ويعكس ذلك نجاح الاستثمارات في الأمن الغذائي، وتطوير الموانئ، وتعزيز البنية التحتية، وتنويع مصادر الاستيراد، وبناء منظومة متقدمة لإدارة الأزمات. ومع ذلك، فإن نجاح الاقتصاد الكلي لا يعني بالضرورة أن جميع الشركات خرجت دون خسائر. فالاقتصاد قد يحافظ على استقراره العام، بينما تتحمل بعض الشركات تكاليف إضافية وضغوطًا تشغيلية نتيجة ظروف خارجة عن إرادتها. من تضرر فعلاً؟ هل قامت جهة رسمية بحصر الشركات القطرية التي تأثرت بصورة مباشرة من إغلاق مضيق هرمز؟ وهل نملك اليوم صورة واضحة لحجم تلك الأضرار وطبيعتها؟ لقد واجهت بعض شركات الاستيراد ارتفاعًا في تكاليف الشحن، كما ارتفعت أقساط التأمين البحري، واضطرت بعض الشركات إلى تغيير مسارات النقل أو الاعتماد على وسائل أكثر كلفة. كما تأثرت بعض المنشآت الصناعية التي تعتمد على استيراد المواد الخام أو المكونات التشغيلية. أما قطاع المقاولات، فمن أكثر القطاعات حساسية لأي اضطراب في سلاسل الإمداد. فكثير من المشاريع تعتمد على استيراد الرخام، والسيراميك، والأدوات الصحية، وأنظمة التكييف، والمصاعد، والواجهات الزجاجية، والألومنيوم، ومواد العزل، ومواد التشطيبات المختلفة، وأي تأخير في وصولها قد ينعكس مباشرة على الجدول الزمني للمشروعات ويرفع تكلفة التنفيذ ويؤثر في التدفقات النقدية. كما امتد التأثير إلى شركات الخدمات اللوجستية والنقل، بينما واجه قطاع الضيافة ضغوطًا إضافية، خصوصًا المنشآت التي تتحمل رسومًا خدمية ثابتة كما هو الحال في عدد من المشروعات بمدينة لوسيل. أما الشركات الصغيرة والمتوسطة فهي غالبًا الأقل قدرة على امتصاص الصدمات. الحصر قبل الدعم إن الخطوة الأولى ليست تقديم الدعم، وإنما حصر الأضرار بصورة دقيقة وبناء قاعدة بيانات وطنية توثق حجم الضرر ونوعه ومدى ارتباطه المباشر بالظروف الاستثنائية. ولا تقتصر أهمية هذا الحصر على تقدير حجم الضرر، بل تمتد إلى بناء قاعدة بيانات تساعد في سرعة اتخاذ القرار إذا واجه الاقتصاد ظروفًا مشابهة مستقبلاً. ما شكل المساندة؟ إذا اتفقنا على أن الحصر هو البداية، فإن الخطوة التالية هي إنشاء آلية مؤسسية تضم الجهات الاقتصادية والمالية ذات العلاقة، تتولى تقييم الطلبات وفق معايير واضحة وشفافة. ويمكن إطلاق منصة إلكترونية تستقبل طلبات الشركات المتضررة مدعومة بالمستندات التي تثبت طبيعة الضرر. وبعد دراسة الطلبات، يمكن تصنيف الشركات وفق حجم الضرر بما يضمن توجيه أي مساندة إلى مستحقيها. ولا يشترط أن تكون المساندة في صورة تعويضات مالية مباشرة، فقد تشمل تأجيل بعض الرسوم الحكومية، أو إعادة جدولة الالتزامات المالية، أو منح تسهيلات ائتمانية، أو توفير ضمانات حكومية للقروض التشغيلية، أو منح مرونة في تنفيذ العقود الحكومية عندما تثبت الظروف القاهرة. كما قد يكون من المناسب دراسة منح بعض المنشآت الفندقية التي يثبت تضررها مرونة في بعض الالتزامات الثابتة، بما في ذلك الرسوم الخدمية أو مواعيد استحقاقها. الاستعداد للأزمة القادمة المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، فالقطاع الخاص أيضًا مطالب بتعزيز جاهزيته من خلال تنويع الموردين، وزيادة المخزون الاستراتيجي، ووضع خطط لاستمرارية الأعمال، إلى جانب تعزيز التعاون مع الجهات الحكومية لتسريع معالجة التحديات عند وقوعها. ولا يهدف هذا الطرح إلى معالجة أزمة انتهت فحسب، بل إلى الاستفادة من دروسها لبناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية. فكل أزمة تحمل معها فرصة لمراجعة السياسات، وتطوير الأدوات، وتعزيز جاهزية الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص. إن قوة الاقتصاد لا تُقاس فقط بقدرته على تجاوز الأزمات، بل بقدرته على التعلم منها والاستعداد لما بعدها. وإذا كانت قطر قد نجحت في إدارة أزمة مضيق هرمز بكفاءة عالية، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون فرصة لترسيخ نموذج اقتصادي أكثر مرونة، يقوم على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وعلى التخطيط الاستباقي، وعلى بناء منظومة مؤسسية قادرة على رصد آثار الأزمات واحتوائها. فحماية الشركات المتضررة ليست حماية لأصحابها وحدهم، بل هي حماية للاستثمار، وللاقتصاد، ولسوق العمل، ولمسيرة التنمية. وعندما ننجح في تحويل تجربة صعبة إلى فرصة لتطوير السياسات ورفع الجاهزية، فإننا لا نكون قد تجاوزنا مرحلة استثنائية فحسب، بل نكون قد وضعنا أساسًا أكثر قوة وصلابة لمواجهة الأزمات المستقبلية بثقة أكبر، واقتصاد أكثر مرونة، وقطاع خاص أكثر قدرة على الاستمرار والنمو.
3624
| 04 يوليو 2026
يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم نادراً ما يتحدثون عن جانب لا يقل أهمية عن كل ذلك، وهو: متى وكيف يرحل القائد؟، ففي عالم الإدارة، كما في الحياة، ليست كل الفضائل مرتبطة بالبدايات فكما أن هناك حكمة في قبول المسؤولية، هناك حكمة لا تقل أهمية في مغادرتها. والحقيقة أن كثيراً من القادة يتعلمون كيف يصعدون السلم الوظيفي، لكن قلة منهم يتعلمون كيف ينزلون عنه في الوقت المناسب، ولهذا نشهد أحياناً مسؤولين أبدعوا في بناء الإنجازات، ثم أضاعوا جزءاً من إرثهم لأنهم تأخروا في اتخاذ قرار الرحيل. إن فلسفة الرحيل لا تقوم على الهروب من التحديات، ولا على الاستسلام للضغوط، ولا على البحث عن الراحة، بل تقوم على فهم عميق لطبيعة المنصب نفسه، فالمنصب في جوهره ليس ملكية شخصية، وإنما أمانة مؤقتة، وهو وسيلة لتحقيق غاية، وليس غاية في ذاته، وعندما تتحول المحافظة على المنصب إلى هدف مستقل، يبدأ الخلل في التفكير مهما كانت المبررات. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن يربط القائد بين استمراره الشخصي واستمرار نجاح المؤسسة، وكأن المؤسسة لا تستطيع أن تستمر إلا بوجوده، وهذه القناعة، مهما حسنت النوايا، تتعارض مع جوهر العمل المؤسسي الذي يقوم على استدامة الأنظمة لا استدامة الأشخاص، لذا فإن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما أنجزه أثناء وجوده، بل أيضاً بقدرته على إعداد المؤسسة للحياة بعد مغادرته، فكلما كانت المؤسسة قادرة على الاستمرار والنمو بعد رحيل قائدها، كان ذلك دليلاً على نجاحه لا على تراجع أهميته. وفي تجربتي الإدارية الممتدة على مدى عقود من العمل، بدا لي أن هناك أربع لحظات تستحق التأمل قبل اتخاذ قرار البقاء أو الرحيل. الأولى: عندما تتسع الفجوة بين المسؤولية والصلاحية، فليس من العدل أن يتحمل الإنسان نتائج قرارات لا يشارك في صنعها، كما أنه ليس من الحكمة أن يبقى في موقع لا يملك فيه أدوات التأثير الكافية لتحقيق ما يراه صواباً. الثانية: عندما يصبح الحفاظ على الموقع أهم من تحقيق الرسالة، ففي هذه اللحظة يتحول المنصب من وسيلة للعطاء إلى غاية بحد ذاته. الثالثة: عندما يشعر القائد أن ما يقدمه للمؤسسة أصبح أقل مما يمكن أن يقدمه شخص آخر يأتي برؤية جديدة وطاقة مختلفة، فالتجديد ليس انتقاصاً من السابقين، بل سنة من سنن التطور المؤسسي. أما الرابعة: وهي الأخطر، فهي عندما يصبح البقاء عبئاً على القيم التي يؤمن بها الإنسان، وعبئًا على المسيرة والكرامة المهنية، تلك اللحظات يكون فيها الرحيل أكثر انسجاماً مع المبادئ من الاستمرار. وليس المقصود من ذلك أن يرحل القائد عند أول خلاف، أو أول عقبة، أو أول شعور بالإحباط، فالقيادة في جوهرها مواجهة للتحديات وتحمل للمسؤوليات، لكن المقصود أن يدرك أن قيمة بقائه لا تقاس بطول مدته، وإنما بقدرته على إحداث الأثر. لقد رأيت في مسيرتي المهنية أن بعض الناس يغادرون مناصبهم فيتركون فراغاً مؤقتاً، ثم تمضي المؤسسة في طريقها، بينما يترك آخرون وراءهم ثقافة عمل، ومنهجاً في الإدارة، ومؤسسات أكثر قوة مما كانت عليه قبل مجيئهم، وهؤلاء لم يغادروا حقيقة، لأن أثرهم بقي حاضراً بعد رحيلهم، ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه بين الحين والآخر هو: هل ما زال بقائي هو الخيار الأفضل للمؤسسة؟، فإذا كان الجواب نعم، فليستمر بكل عزيمة، وإذا كان الجواب لا، فليغادر بكل كرامة. وكما أن على القائد معرفة متى يتقدم إلى الأمام، فعليه معرفة متى يفسح الطريق لغيره دون ضجيج، ودون أن يحمل في قلبه إلا الامتنان للتجربة، والدعاء بالتوفيق لمن يكمل المسيرة، تلك هي فلسفة الرحيل، تغادر فيبقى الاحترام، تترك الموقع ويبقى الأثر، تنتهي المسؤولية ويبقى الرضا.
3558
| 01 يوليو 2026
لم يكن عبور المغرب إلى الدور ثمن النهائي مجرد انتصار يُضاف إلى سجل النتائج، بل كان إعلانًا جديدًا عن شخصية منتخب بات يعرف كيف ينتصر حتى عندما تبدو الطرق إلى الفوز شديدة التعقيد. مباراة امتدت بكل ما تحمله كرة القدم من توتر وتقلبات أمام المنتخب الهولندي، وانتهت بالتعادل قبل أن تحسمها ركلات الترجيح، حيث تجلّت الصلابة الذهنية، وانسجمت مع الأداء الفني المتكامل على أرضية الملعب، ليواصل «أسود الأطلس» كتابة فصل جديد من قصة تزداد بريقًا مع كل محطة. ما يميز هذا المنتخب ليس أنه يمتلك أسماء لامعة فحسب، بل أنه يملك هوية واضحة لا تتغير مهما اختلفت ظروف المباريات. الفريق يعرف متى يضغط، ومتى يهدئ الإيقاع، ومتى يغامر بحثًا عن الهدف، وكأنه يقرأ تفاصيل اللقاء بعقلية تكتيكية متزنة. لذلك لم يعد وصوله إلى هذه المرحلة مفاجأة، بل نتيجة طبيعية لعمل متراكم ومنظومة تؤمن بأن الانتصارات تُصنع بالالتزام قبل الموهبة. ويستحق المدرب الوطني محمد وهبي مساحة واسعة من الإشادة، بعدما نجح في تشكيل فريق يتمتع بمرونة تكتيكية لافتة، قادر على تغيير أسلوبه وفق متطلبات المواجهة دون أن يفقد شخصيته. منح لاعبيه الحرية للإبداع في الثلث الأخير، وفي الوقت ذاته حافظ على الانضباط الدفاعي والتنظيم التكتيكي، فظهر المغرب متوازنًا بين الصلابة الدفاعية والفاعلية الهجومية، مع انتشار منظم، واختراقات مدروسة، وحضور دائم أمام المرمى، وهو ما جعل المنتخب الهولندي يعيش تحت ضغط مستمر حتى في أكثر لحظات اللقاء حساسية. كما واصل أشرف حكيمي ونصير مزراوي تقديم أدوار مزدوجة على الأطراف، بين الدعم الدفاعي وصناعة الحلول الهجومية، ما يعكس اعتماد الفريق على لاعبين قادرين على أداء أدوار مركبة داخل المنظومة. وعندما وصلت المواجهة إلى ركلات الترجيح، برز ياسين بونو بصورة الحارس الذي لا يكتفي بحراسة المرمى، بل يحرس أحلام أمة كاملة. بثباته وثقته وقراءته الدقيقة لتسديدات لاعبي المنتخب الهولندي، جسّد قيمته الحقيقية في اللحظة الفاصلة، ليقود المغرب إلى العبور، ويؤكد مرة أخرى أن البطولات تحتاج إلى حارس يملك ثباتًا انفعاليًا لافتًا، بقدر ما يملك من الموهبة. ومع استمرار سلسلة المباريات المتتالية دون خسارة، يثبت المغرب أن ما يقدمه ليس حالة عابرة، بل مشروع كروي ناضج يقوم على الثقة، والانضباط، والطموح. وبين الإنجاز التاريخي والأداء المقنع، يواصل «أسود الأطلس» إرسال رسالة واضحة إلى العالم: المنتخبات العظيمة لا تُقاس فقط بما تحققه من انتصارات، بل بالطريقة التي تجعل الجميع يؤمن بأن القادم قد يكون أكثر إشراقًا.
1521
| 02 يوليو 2026