رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لأول مرة في التاريخ العربي الحديث نشاهد على شاشات الفضائيات جماهير محبطة تحرق علم دولة عربية وتدوس على صورة حاكمها، وفي نفس الوقت آلاف العرائض والبيانات تصدر عن كل فصائل الشعب الفلسطيني والعربي بلا استثناء منددة بتلك الدولة التي كسبت لقب (المارقة) من أعلى مسؤولي فلسطين، وتصدر أيضاً عن آلاف منظمات المجتمعات المدنية العربية من مهنية ونقابية وجامعية، وفي المقابل نسجل إيغال تلك الدولة في شؤون داخلية لعديد الدول العربية بالسلاح وإغداق الأموال بغاية تغيير أنظمتها أو الزج بها في صراعات أهلية ضاربة عرض الجدران بنتائج انتخاباتها وتوافق نخبها وهو ما سماه بيان تونسي بإرهاب جديد لهذه الدولة يدعي مقاومة الإرهاب المزعوم.
وللتذكير فإن العالم العربي منذ يناير 2010 دخل في دوامة التحول الجذري مع ميلاد السياسة بمعناها الحقيقي أي عودة الوعي للإنسان العربي بأنه مواطن، فأصبح لأول مرة في تاريخه الحديث وبعد أكثر من نصف قرن من القمع إنساناً يفكر ويُعبر، هذا هو المكسب الثمين للحرية، أما انعكاساتها الجانبية والطبيعية فهي فقدان البوصلة الحضارية بعد سقوط النظام المستبد، حيث لم تولد بعد الدولة الجديدة العادلة الشفافة القوية من رحم صناديق الاقتراع بل انفتحت أبواب العنف بين المتنافسين على السلطة ودخل الساكتون على ظلم الأمس "مطهرة الاغتسال للاستحمام في طهارة كبرى" تبرؤهم من لوثة الماضي وتؤهلهم للعب أدوار أخرى في عهد جديد وغير مسبوق لم يتوقعوا قدومه بتلك السرعة فإذا بالتوانسة والمصريين والليبيين والسوريين واليمنيين جميعا يقولون: (هي ثورتنا!) وكأن الملايين منهم كانوا في عهود ابن علي ومبارك والقذافي وبشار الأسد وعلي عبدالله صالح يحملون السلاح في الجبال ويقاومون الظلم، بينما انكفأ البعض القليل من المقاومين الحقيقيين للطاغوت أيام الجمر والصبر ينظرون من بعيد لهذه التزويرات التاريخية بعيون المتعفف القنوع قائلين: لا حول ولا قوة إلا بالله اللهم سترك على هذه الأوطان.
وفي تونس التي تملك براءة اختراع الربيع العربي نكتشف أن الانطلاق من يناير2011 كان خطأ، لأنه ثبت اليوم أن الشعب لم ينتخب إلا مجلساً تأسيسياً لتحرير الدستور، فإذا به يجد أمامه حكومة بل حكومات متعاقبة ورئاسات جمهورية مؤقتة لا تعمل عمل الرئاسة وبرلماناً تفاجأ أعضاؤه أنفسهم بثقل المسؤولية حين طلب منهم أن يراقبوا عمل الحكومة، وأن يكتبوا دستوراً جديداً وأن يشرعوا القوانين، فإذا بهم يتحولون بشكل طبيعي إلى كتل حزبية تتصارع بدل أن تتحاور، وكما كان متوقعاً تعطل مسار هذا المجلس ليهدد بفراغ زاده تدخل الإمارات اتساعاً حين أصبح بعض السياسيين ينطقون بلسان أبوظبي.
وجاء الحدث المصري المزلزل يوم إقالة مرسي بعد أن تنفس المصريون الصعداء بانتخاب رئيس مدني فإذا بمصر تستفيق على انقلاب الجيش مسنوداً بخطة إماراتية وإسرائيلية وآلياتها المالية والإعلامية بل أصبحنا نخشى حرباً أهلية طويلة لا تتحملها مصر ذات الاقتصاد الهش والموارد الشحيحة والديمغرافيا العظمى، فكان الانقلاب مواصلة مأساوية لحالة فوضى عارمة، وفي تونس أطل شبح الإرهاب على شعب لم يعرف تلك الظاهرة إلا من خلال شاشات الفضائيات بسبب التجانس الطائفي والعرقي والثقافي للشعب التونسي، فإذا بنا نستفيق على جثث شهدائنا الأبرار مذبوحين وممثلاً بها ثم على حركات فوضوية متطرفة تنادي باستنساخ التجربة الكارثية المصرية على الشعب التونسي، فظللنا قلة من الناس ننادي بفضيلة الانتخاب وبمخاطر الإرهاب والانقلاب حتى لو كانت المسالك المؤدية للديمقراطية والتوافق مسالك عسيرة مليئة بالأشواك والمؤامرات فالحلول الجذرية هي دائما في التعايش السلمي مع مواطنك المختلف عنك في الرأي أو في العقيدة ولا يتم ذلك إلا بإعلاء الوطن فوق الأحزاب ورفع المصالح العليا المشتركة على المصالح الشخصية والفئوية الضيقة.
وفي ليبيا شهدنا ونشهد استفحال الصراع وتحوله تدريجياً إلى حرب أهلية بأموال أجنبية من تلك الدولة ذاتها ومن مصر وأيضاً من روسيا وأوروبا ببلوغ خليفة حفتر درجة الانفصال عن دولة تحاول أن تكون شرعية وأن تجمع فصائل المجتمع الليبي في وحدة وطنية. هكذا كتب على المواطن العربي أن يختار اليوم بين السيئ والأسوأ وبين المأساة والكارثة وبين الطوفان والزلزال، ثم باقتناعه التدريجي بأن العرب ليسوا أهلاً للحرية والديمقراطية وأن العرب شعوب تجمعهم الطبلة وتفرقهم العصا، وأن نخبهم الحاكمة والمعارضة على السواء لا تمثل سوى رؤوس أينعت وحان قطافها وأن العرب كتبت عليهم الأقدار أن يظلوا على هامش التاريخ الحديث لا يصنعون حضارة ولا يرتفعون عن بدائية أحقادهم ولا يدركون الفرق بين المهم والأهم ولا بين الصالح والطالح ولا بين الاستعجالي من القرارات وبين المؤجل من الاستحقاقات.
فالانقلاب على الشرعية مهما كانت الشرعية هشة هو فتح لباب المجهول كما حدث في مصر وليبيا والحلقة الأولى في مسلسل الانقلابات كما كان الحال في سوريا والعراق ما بين الخمسينيات والتسعينيات: عسكري يأتي بالبيان رقم واحد (أنموذج السيسي وحفتر) فيقتل ويسحل المعارضين والمخالفين والوطنيين بعد وصمهم بالإرهاب!، ويعلن أن قضية فلسطين ثانوية لأن صفقة القرن التي يدينون لها ببقائهم في الحكم أملت عليهم إرادة نتنياهو وجاريد كوشنير!، وأنهم إذا أجهضوا الثورات سيعود الأمن والرخاء!، وأن البلاد تحررت من الكابوس "الإسلاموي" ثم يليه زعيم ملهم أو ركن مهيب فيقتل القاتل ويعلن الحداد على ضحاياه معلناً الانتقام لهم من السفاح، وهكذا دواليك والشعب العربي يصفق لهذا وذاك حائراً كالشرق الحائر أمام مهزلة التاريخ.
ثلاث سنوات على طوفان الأقصى... وقطر في قلب الوساطة
من السابع من أكتوبر 2023 إلى السابع من أكتوبر 2026، لم تتغير غزة وحدها، بل تغيَّر الشرق الأوسط،... اقرأ المزيد
288
| 09 أكتوبر 2026
ثوابت الدبلوماسية القطرية.. جهود متواصلة من أجل السلام
تصدرت رؤية حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، الموقف القطري خلال أعمال... اقرأ المزيد
174
| 02 أكتوبر 2026
أمير البلاد المفدى يرسم رؤية قطر للمستقبل
في خطاب حمل رؤية قطر لأمن المنطقة ومستقبل النظام الدولي، أكد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد... اقرأ المزيد
195
| 25 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8724
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2826
| 30 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
2049
| 30 أكتوبر 2026