رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يتعين أن يكون بشار الأسد ضمن معادلة الحل السياسي في سوريا، والتي تتصاعد الاتصالات والتحركات الإقليمية والدولية بشأنها في الآونة الأخيرة، فمن الصعوبة بمكان بعد كل ما جرى من نظامه وقواته وحرسه الجمهوري والميليشيات التي شكلها أو التي استعان بها من الخارج، تحديدا من لبنان أو العراق أو إيران، أن يظل رقما في معادلة الحل أو المستقبل السوري، لأنه بوضوح وبشكل مباشر فقد مشروعيته كرئيس، يزعم أنه انتخب من قبل شعبه وثمة مبررات مشروعة ومنطقية وراء هذه القناعة،
أولا: إنه خان الأمانة التي حمله إياها شعبه عندما وثق فيه، عندما تم فرضه فرضا على الرئاسة خلفا لوالده في عملية توريث مفضوحة بعد أن أعده وهيأ له كل سبل الوصول إلى الموقع الأول في البلاد، بما في ذلك تعديل الدستور ليتواءم مع سنه الصغيرة آنذاك – 1999 – والتي لا تتيح له الترشح لهذا المنصب الخطير، وكذلك الأمر في الانتخابات التي جرت قبل عامين في ظروف تتناقض تماما مع كل محددات الشفافية والنزاهة، ومؤدى هذه الأمانة أن يحمي هذا الشعب ويحافظ على سلامة الوطن، غير أن ما فعله كان عكس ذلك تماما، فقد قتل من هذا الشعب أكثر من 300 ألف مواطن غير مئات الألوف من الجرحى والمصابين والمعوقين، فضلا عن ملايين من اللاجئين وفي الخارج والنازحين في الداخل، كل ذلك من أجل أن يبقى قابضا على مفاصل سلطة وهمية في حقيقتها، بعد أن نزعت منه ميليشيات "داعش" نصف مساحة البلاد، بينما تسيطر الفصائل الأخرى على أجزاء كبرى من هذه المساحة، ولم يتبق له سوى مساحات في دمشق وريفها وبعض المحافظات الأخرى، ووفق تقديرات قيادات معارضة، فإن نظام بشار لا يسيطر إلا على ما يعادل 20 أو 25 في المائة من مساحة سوريا، ورغم ذلك فإن وزير خارجيته وليد المعلم يتحدث في تصريحات لوفد إعلامي مصري نشرت بالقاهرة يوم الخميس الماضي، عن صمود الجيش والنظام طوال السنوات الأربع المنصرمة، متجاهلا حقيقة أن من أبقى بشار وأركان نظامه حتى الآن الإسناد القوي الذي تقدمه إيران وروسيا وميليشيا حزب الله وميليشيات شيعية من العراق وباكستان وأفغانستان، وكان بوسعه أن يبقى بكرامة وشرف، لو أنه تجاوب من بداية الأحداث في مارس 2011 مع أشواق شعبه في ديمقراطية وتعددية وحرية حقيقية، ضمن دولة وطنية، السيادة فيها للشعب وليس للحزب أو القائد، والمواطنة هي العنوان وليس الانتماء الحزبي أو المذهبي.
ثانيا: إن تمسك بشار الأسد بالسلطة على جماجم شعبه، أمر لا يعكس على الإطلاق حالة سوية لسياسي منحاز لوطنه وشعبه، بل إن وقائع الخراب الذي تسبب فيه نظامه والتدمير المنهجي الذي طال كل مقدرات الدولة السورية وبنيتها التحتية، تشكل في حد ذاته ذريعة قوية للخلاص منه، فالسياسي - خاصة إذا كان على رأس السلطة - يتعين أن يكون حريصا على حماية أمن واستقرار بلاده، لا أن يدخلها أتون حرب أهلية ومذهبية وطائفية تأكل الأخضر واليابس، من خلال استخدام كل ترسانته العسكرية التي كانت موجهة لعدو حقيقي ما زال يحتل جزءا من الوطن، بما في ذلك الطائرات والصواريخ والأسلحة الكيماوية ضد هذا الوطن، بل واخترع قادته العسكريون المبدعون في محاربة الشعب، وليس العدو، ما يسمى بالبراميل المتفجرة، فباتت عنوانا للموت اليومي بلا تمييز بين مقاتل مسلح وبين مدني، فعلى سبيل المثال فإنه جيش بشار - وليس الجيش العربي السوري، فذلك مسمى أضحى من مخلفات الماضي - قتل بمدينة دوما أكثر من 120 مدنيا بهذه البراميل التي تطلقها طائرات مقاتلة أو طائرات هليكوبتر، في شكل متوالية دموية لا تتوقف حتى تفضي إلى هلاك المئات في لحظات.
إنه الجحيم الذي يفرضه على وطنه رئيس قادم من رحم مهنة الطب وهي مهنة إنسانية بطبيعتها، لكنها السلطة تفرض على من يرتدون ثيابها اللجوء إلى أسوأ ما في المرء للبقاء في دائرتها، والارتواء من متعها ولذائذها الحرام، ما دام الحاكم في حالة حرب مع الوطن والشعب.
ثالثا: إن بشار الأسد هو العائق الوحيد أمام استعادة الدولة السورية وحدتها التي غدت مفقودة أو مغيبة بفعل فاعل هو بالأساس، فهو لم يتجاوب مع الطروحات السياسية التي قدمتها الجامعة العربية، ثم الأمم المتحدة عبر مبعوثيها الخاصين الذين فشل اثنان منهم بعد يأسهما من بشار وزمرته الحاكمة، وهما كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي، وأخيرا دي ميستورا الذي ما زال يحلم بالحل السياسي ومع ذلك هو متهم من قبل وليد المعلم بأنه غير محايد ومنحاز والأهم من ذلك رفض بشكل واضح بنود جنيف 1 والتي حظيت برضا إقليمي ودولي، بما في ذلك قوى المعارضة رغم غموضها في التعامل مع إشكالية بشار، وتنص على تشكيل هيئة حكم انتقالية من النظام وقوى المعارضة تكون لها كامل الصلاحيات السياسية والأمنية، وتهيئ البلاد بعد عامين يتم بعدها إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، فسارع بشار في إجراء انتخاباته الخاصة التي أتت به متفردا في موقع الرئاسة بعد أن نافسه شخصان مجهولان، وكان بمقدوره لو تجاوب مع جنيف 1 والتي أقرها تجمع دولي من أصدقاء الشعب السوري في يونيو من العام 2012، لكان بالإمكان أن تترتب على ذلك نتائج مهمة على صعيد المحافظة على مؤسسات الدولة السورية وشعبها في إطار عملية ديمقراطية شفافة ونزيهة، ولو كان بشار وزمرته الحاكمة جادين في قبول حل سياسي يوقف المزيد من إراقة الدماء ويوفر إمكانية بقاء الوطن موحدا شعبا وأرضا، فإن عليه المسارعة بقبول بنود البيان الذي أصدره مجلس الأمن قبل أيام، ولا يخرج كثيرا عن بنود جنيف 1، لاسيَّما فيما يتعلق بتشكيل هيئة الحكم الانتقالية، ولكن للأسف نظر إليه وليد المعلم باعتباره جزءا من عملية إضاعة الوقت، لأنه يدرك هو ورئيسه، أن الدخول في عملية سياسية جادة وشفافة وفق الأسس التي يتضمنها هذا البيان التي تقوم بالأساس على بنود جنيف 1 من شأنه أن يزيح بشار وزمرته عن السلطة، عندما يحين الوقت لإجراء الانتخابات، سواء الرئاسية أو التشريعية في غضون عامين.
رابعا: إن المراهنة على العوامل الخارجية في بقاء أي نظام سياسي ثبت أنها عديمة القيمة على المدى الطويل، ويبدو أن بشار وأركان حكمه ما زالوا يراهنون على الدور الروسي والإيراني، فضلا عن ميليشيات إقليمية تابعة في مجملها لتوجهات طهران، وذلك يمكن أن يتغير إذا ما تقاطعت مصالح هذه الأطراف، وثمة حديث بشأن أن قدرا من التغيير في موقف موسكو - وإن لم يتضح مداه- لكنها ترهنه بضرورة الإبقاء على مصالحها في سوريا وفي المنطقة، وهو ما لا يسعى أحد إلى التأثير عليه وأنا هنا أعول على الاتصالات الخليجية والسعودية الأخيرة التي ما زالت تتفاعل في دوائر موسكو السياسية، فضلا عن ذلك، فإن إيران لن تبقى إلى الأبد مؤيدة لبقاء بشار، إذا ما تعارض ذلك مع المكاسب التي ستجنيها من تطبيق اتفاقها الأخير مع مجموعة 5+ 1 بشأن برنامجها النووي، والذي يوفر لها استعادة لأموالها المجمدة والتي تقدر بمئات المليارات ورفع العقوبات الاقتصادية.
قطر وتعزيز فرص السلام
تواصل دولة قطر دعمها الكامل لكافة الجهود والمساعي الحميدة الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي، والتوصل إلى حلول... اقرأ المزيد
81
| 18 يونيو 2026
الهوية التي انتصرت مع المونديال
•انطلقت كأس العالم 2026 بتنظيم ثلاثي بين الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، وسط أجواء صيفية وحماسية، لتنطلق معها... اقرأ المزيد
138
| 17 يونيو 2026
حكمة وحنكة القادة.. ونعمة الأمن وسط العواصف
لا شك أن منطقة الخليج تمر بواحدة من أدق وأخطر المراحل في تاريخها الحديث. فالأزمات تتلاحق، والتوترات الإقليمية... اقرأ المزيد
246
| 17 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
17463
| 16 يونيو 2026
تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار يمرض ولا يموت». وقد أثبتت السنوات صحة هذه العبارة في كثير من الأحيان، فالعقار ظل لعقود طويلة أحد أهم أوعية الادخار والاستثمار وحفظ الثروة، واستطاع تجاوز أزمات اقتصادية وتقلبات مالية عديدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في السوق القطري هو: هل ما زال العقار يحقق الثروة كما كان يفعل في السابق؟ من وجهة نظري، ما زال العقار أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه لم يعد الاستثمار السهل الذي كان يحقق المكاسب بالطريقة نفسها التي عرفها المستثمرون خلال العقود الماضية. فالسوق العقاري القطري أصبح أكثر نضجاً واستقراراً، وأصبح المستثمر مطالباً بالنظر إلى الأرقام والعوائد الفعلية أكثر من اعتماده على توقعات ارتفاع الأسعار. ومن السمات الطبيعية لأي سوق عقاري أنه يمر بمراحل مختلفة، ففي المراحل الأولى من النمو والتوسع العمراني تكون مكاسب ارتفاع الأسعار كبيرة نسبياً، مدفوعة بزيادة الطلب وتطوير البنية التحتية ودخول رؤوس أموال جديدة، أما بعد وصول السوق إلى مرحلة أكثر نضجاً، فإن وتيرة الارتفاعات السعرية تميل إلى التباطؤ، ويصبح العائد التشغيلي عاملاً أكثر أهمية في القرار الاستثماري. وقد دخل السوق العقاري القطري إلى حد كبير هذه المرحلة من النضج، ولم تعد مكاسب ارتفاع الأسعار التي اعتاد عليها المستثمرون في الماضي أمراً يمكن التعويل عليه بالدرجة نفسها. وهذا النضج لا يُعد مؤشراً سلبياً، بل يعكس انتقال السوق من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ. ولا يعني ذلك أن السوق ضعيف أو يعاني من تراجع. فعلى العكس، فقد تجاوزت التداولات العقارية في قطر 26 مليار ريال خلال عام 2025، كما تم تنفيذ آلاف الصفقات العقارية خلال العام نفسه، بينما تجاوز المخزون السكني في الدولة 400 ألف وحدة سكنية. وهنا نصل إلى النقطة الأهم: العائد الحقيقي. فمتوسط العائد الإيجاري الإجمالي في السوق القطري يدور حول 5% إلى 5.5% سنوياً، وقد يصل في بعض الحالات إلى نحو 6% قبل احتساب المصروفات، لكن المستثمر لا يعيش على العائد الإجمالي، بل على العائد الصافي الذي يبقى في حسابه البنكي بعد خصم جميع التكاليف. ولنفترض أن مستثمراً يمتلك مليون ريال ويرغب في استثمارها في شقة استثمارية، إذا حققت هذه الشقة عائداً إيجارياً إجمالياً بنسبة 6%، فإن الدخل السنوي الظاهر سيكون 60 ألف ريال. لكن بعد احتساب رسوم الخدمات والصيانة وفترات الشغور والمصاريف المختلفة، قد ينخفض العائد الصافي إلى ما بين 4% و5% فقط. كما أن هناك فرقاً جوهرياً آخر يغفل عنه كثير من المستثمرين، وهو الفرق بين امتلاك الأرض وامتلاك الوحدة العقارية فقط. لكن ربما يكون التطور الأبرز خلال السنوات الأخيرة هو ظهور منافس حقيقي للعقار في المحافظ الاستثمارية، وهو سوق السندات. فلسنوات طويلة كان العقار يمثل الخيار الأول لمن يبحث عن دخل دوري أو استثمار طويل الأجل. أما اليوم فقد أصبحت السندات وأدوات الدخل الثابت تستحوذ على اهتمام متزايد من المستثمرين حول العالم، بمن في ذلك المستثمرون في منطقتنا. بل إن بعض المستثمرين المؤسسيين حول العالم أصبحوا يقارنون العقار بالسندات من زاوية التدفقات النقدية أكثر من مقارنة أسعار الأصول نفسها. وتتميز السندات بأنها توفر تدفقات نقدية دورية معروفة مسبقاً، ولا تتطلب إدارة مستأجرين أو متابعة أعمال صيانة أو تحمل فترات شغور. كما أن المستثمر يستطيع في كثير من الأحيان معرفة العائد المتوقع منذ اليوم الأول للاستثمار. وفي الوقت الحالي توفر بعض السندات الحكومية الخليجية عوائد تقارب 4% إلى 5% بحسب مدة الاستحقاق، بينما تقدم بعض سندات الشركات الكبرى ذات التصنيف الائتماني الجيد عوائد تتراوح بين 5% و7%. كما توفر بعض الصناديق المتخصصة في أسواق الدين الناشئة عوائد أعلى من ذلك، وإن كانت مصحوبة بمستويات أعلى من المخاطر. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المستثمر سيحقق من عقار معين عائداً صافياً يتراوح بين 4% و5% بعد احتساب الرسوم والصيانة والشغور، فهل من المنطقي ألا يقارن ذلك بالعائد المتاح في السندات؟ ولنعد إلى مثال المليون ريال مرة أخرى. فإذا استثمر شخص مليون ريال في عقار يحقق عائداً صافياً قدره 4.5% سنوياً، فإنه سيحصل على نحو 45 ألف ريال سنوياً. وإذا استثمر المبلغ نفسه في أداة دخل ثابت تحقق 6%، فإن الدخل السنوي سيرتفع إلى 60 ألف ريال. أما إذا تحقق عائد 7% فسيصل الدخل إلى 70 ألف ريال سنوياً. وبالطبع لا تعني هذه المقارنة أن السندات أفضل من العقار، كما لا تعني أن العقار فقد جاذبيته. فالعقار أصل حقيقي يمكن استخدامه أو تطويره أو توريثه للأجيال القادمة. لقد تغيرت قواعد اللعبة الاستثمارية. ففي الماضي كان السؤال الذي يطرحه المستثمر هو: «في أي منطقة أشتري؟» أما اليوم فأصبح السؤال الأهم: «أين يحقق رأسمالي أفضل عائد معدل بالمخاطر؟» ومن هنا فإن مستقبل الاستثمار العقاري لن يكون لمن يشتري أكثر، بل لمن يحلل أفضل ويختار بدقة أكبر. فالعقار سيبقى أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه أصبح جزءاً من منظومة أوسع من الفرص والبدائل التي تتنافس جميعها على رأس مال المستثمر. وهذا ربما هو أهم ما يجب أن ندركه في المرحلة الحالية: أن الثروة لا يصنعها العقار وحده، بل يصنعها القرار الاستثماري الصحيح.
7707
| 14 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
4395
| 15 يونيو 2026