رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من علامات موت السياسة المرحلي في مصر أن ضجيجها صار مقصورا على الفضاء الإعلامي، في حين لا نكاد نرى له صدى على الأرض.
(1)
أتحدث عن سيل التقارير والأخبار التي صرنا نتابعها بصورة يومية على صفحات الصحف والبرامج التلفزيونية، وتدور حول ترتيبات خوض الانتخابات التشريعية التي يفترض أن تتم في 18 يوليو المقبل. إذ طبقا لقانون مجلس النواب الجديد فإن 80٪ من مقاعد البرلمان (567 مقعدا) ستكون من نصيب الأفراد والعشرين في المائة الباقية ستخصص للأحزاب. وهذه النسبة الأخيرة تمثل 120 مقعدا يفترض أن يتنافس عليها نحو 80 حزبا سياسيا. صحيح أن الأحزاب رافضة لهذه القسمة. ولا تزال تطالب بإعادة النظر في مواد القانون، إلا أن ذلك مجرد احتمال ليس أكيدا. ولذلك فإنها تتصرف في الوقت الراهن كأن القانون سيظل كما هو بغير تعديل.
بسبب من ذلك فإن وسائل الإعلام ما برحت تتحدث عن صيغ مختلفة للاحتشاد من خلال عقد التحالفات والائتلاف والجبهات بين المجموعات السياسية المختلفة. وهذه تعاني أكثر من مشكلة حيوية، أهمها أنها غير معروفة لدى الرأي العام، والمعروف منها محصور في نطاق «الشلل» السياسية، التي لا تكاد ترجح كفة أي مرشح في انتخابات عامة. من تلك المشكلات أيضا أن قادة تلك الأحزاب يتوزعون على أربع فئات. الأولى قيادات لا شعبية لها برزت على السطح في ظل نظام مبارك وتعاني الإعاقة السياسية بحكم ظروف تكوينها، والثانية قيادات اندفعت إلى ساحة العمل السياسي بعد الثورة بغير خبرة سابقة ولا قاعدة شعبية، وأغلبهم إن لم يكن كلهم لا يزالون في عداد الهواة. هناك فئة ثالثة من القيادات التي أحيلت إلى التقاعد من وظائفها التنفيذية ووجدت في الانشغال بالعمل السياسي مجالا لإثبات الحضور واستثمارا إيجابيا للتاريخ الوظيفي. الفئة الرابعة تتمثل في أركان النظام السابق وفلوله الذين وجدوا الظروف مواتية لاستعادة دورهم ومواقفهم في الساحة السياسية، بعدما تحققت عودتهم على الصعيد الأمني.
(2)
إن شئنا أن نتصارح أكثر، فلا مفر من الاعتراف بثلاثة أمور، أولها أنه لا توجد لدينا أحزاب سياسية حقيقية، ولكننا بإزاء شخصيات مهتمة بالسياسة، بعضها وازنة ومحترمة. وحول كل واحد منهم شلة من الأصدقاء والمريدين، وفي أكثر من ندوة وحوار قلت إن الحديث عن تيارات سياسية في مصر قومية أو ليبرالية أو ناصرية أو حتى يسارية فيه الكثير من المبالغة والافتعال. صحيح أن لدينا أشخاصا يرفعون تلك اللافتات عن قناعة في الأغلب. ولكن لم ينجح أي منهم في أن يحول العنوان إلى تيار له تأثيره في موازين القوى. لأسباب يتعلق بعضها بطبيعة الأشخاص، والبعض الآخر بطبيعة الظروف المحيطة.
من المفارقات التي تذكر في هذا الصدد أن التفاف ما يسمى بالقوى المدنية حول شخصيات بذاتها برزت في ظروف معينة، هو ذاته ما حدث في محيط السلفيين الذين شكلوا في ظل النظام السابق نحو 16 حزبا، كانت كلها تعبيرا عن شلل التفت حول شيوخ بذواتهم. ولم يكن بينها خلاف فكري جوهري.
الأمر الثاني أن الخلاف بين المجموعات أو التحالفات السياسية ليس حول برامج أو مبادئ فإنما هو بين أشخاص وأنصبة، وإن كنت أستثني من ذلك شلل اليسار. وفي حالة القوائم فإن ترتيب الأسماء في كل قائمة محل صراع لا يستهان به، لأن رأس القائمة هو الذي يكتسب العضوية في حالة الفوز. ولذلك فإن كل مجموعة تبحث عن قائمة تحتل فيها موقعا متقدما.
الأمر الثالث أننا لا نكاد نلمح خلافا ذا قيمة في برامج التحالفات والجبهات الجاري تشكيلها، ولكن التقارير المنشورة تشير إلى أنها تتفق على أمرين أساسيين هما مساندة الرئيس عبدالفتاح السيسي وتكوين أغلبية تسانده في البرلمان (من عناوين الأهرام في 15/6 «جبهة دعم الرئيس تتعهد بتصحيح المسار» و«تحالف برلماني أم ظهير رئاسي») ــ الأمر الثاني هو العمل على قطع الطريق على عودة الإخوان إلى الحياة السياسية من أي باب (جريدة الشروق نشرت في 22/6 على لسان أحد ممثلي مجموعة «مصر بلدي» قوله إنهم يسعون إلى تشكيل ائتلاف يستهدف ضمان عودة الإخوان خلال المائة سنة المقبلة). وحين يلاحظ المرء ذلك التوافق حول المسألتين فإنه لا يستطيع أن يخفي دهشته إزاء غياب الأصوات التي تتحدث عن الرقابة على أداء الحكومة أو الدفاع عن الديمقراطية أو حتى الدفاع عن شعارات ثورة يناير 2011 (العيش والحرية والكرامة الإنسانية).
في الحديث عن التحالفات يستوقفنا نموذج لا يحتاج إلى تعليق تحدثت عنه صحيفة «الأهرام» في عدد 15/6، إذ نشرت تحت عنوان «أول تكتل نسائي» ما يلي: أعلنت المستشارة تهاني الجبالي عن تشكيل أول تحالف نسائي ليخوض الانتخابات البرلمانية. ليكون ظهيرا نسائيا للرئيس السيسي داخل البرلمان، وليتنافس على تشكيل الحكومة إذا ما حصل على الأغلبية. تحالف الجبالى الذي أعلنت عنه أخيرا سوف يضم أيضا مختلف القوى الثورية والشباب ويقود الانتخابات البرلمانية المقبلة.. ولأجل ذلك تم التنسيق مع بعض الجهات السيادية(؟!) وقد كلفتها تلك الجهات بإعداد أربع قوائم ستقود إحداها حتى الفوز برئاسة البرلمان، كما أنها ستنسق للخوض مع تحالفها للمنافسة على معظم المقاعد الفردية.
(3)
ما سبق يوفر لنا خلفية تمكننا من رصد المعالم الأساسية للبرلمان الجديد. فهو برلمان بلا معارضة (لا تنس أن أحدهم ذكر أنه لا تجوز معارضة النظام الجديد. وليس غائبا أذهاننا ما أصاب أركان النظام وأعوانه الذين تحفظوا على بعض الإجراءات واختلفوا حولها فجرى التشهير بهم واتهموا بأنهم ضمن الطابور الخامس). ولن يكون ذلك مستغربا بعدما أعلنت أغلب التحالفات عن أنها داخلة لمساندة الرئيس السيسي. والتأييد لن يكون مقصورا على «الأحزاب» رغم هامشية دورها، ولكنه سوف يتعزز بأصوات شاغلي المقاعد الفردية، الذين ستحملهم إلى المجلس عصبياتهم العائلية والجهوية أو قدراتهم المالية. علما بأن الأصل أن أغلب هؤلاء مع كل نظام. وإذا استطاعت شبكات المصالح أن تدفع ببعض رجالها إلى المجلس، فهؤلاء سيظلون محسوبين ضمن أعوان النظام الجديد، رغم ارتباط جذورهم بالنظام القديم، خصوصا أن ساحات التناقض بين النظامين تقلصت كثيرا خلال الأشهر الأخيرة، وموقف مبارك من السيسي معبر عن هذه الحقيقة.
هذا التقدير إذا صح فهو يعني أن تمثيل ثوار 25 يناير في المجلس سيكون متواضعا إلى حد كبير إن لم يغب تماما. ولن يغير من ذلك كثيرا أن يستخدم رئيس الجمهورية حقه القانوني في سد الثغرة وتعيين بعضهم في المجلس (مجموع المقاعد 567 والمعينون عددهم 27 فقط).
غياب الدور الفاعل للأحزاب السياسية لن يكون مفاجئا. وربما نسي كثيرون أن الموضوع كان محل بحث ومناقشة عام 2011 في لجنة التعديلات الدستورية التي رأسها المستشار طارق البشري. وهو صاحب الرأي القائل بأن الدستور (أو القانون) لا ينطلق من فراغ، ولكنه يعظم ما هو قائم، فيفسح أو يضيق ويثقل أو يخفف. وكان قد أشار في كتابه «مصر بين العصيان والتفكك» إلى أن دستور 1923 أتاح قدرا من التداول في السلطة، لأن المجتمع كان فيه تعدد لقوى سياسية واجتماعية متبلورة في تنظيمات وتكوينات سياسية. ولم يكن في مقدور أي من تلك القوى أن تنفي الأخريات في الواقع السياسي والاجتماعي.
هذه الفكرة جرى استحضارها حين تعرضت مناقشات لجنة التعديلات الدستورية لموضوع توزيع المقاعد بين الفردية والقوائم. ورؤى آنذاك أن الخواء السياسي مخيم، وأن خريطة الأحزاب تتنازعها أحزاب مشوهة ومرفوضة خارجة لتوها من نظام مبارك، وأخرى جنينية فاقدة القوام ومجهولة الهوية، وغير معروفة لدى الرأي العام. وبدا واضحا أن أحزابا بذلك الضعف سوف تتستر عليها القوائم وتخفي هشاشتها. فتقرر تخصيص ثلث المقاعد للقوائم والثلثين للمقاعد الفردية. واستفاد السلفيون من ذلك حين ترشحوا على الجانبين باعتبارهم موجودين على الأرض. فكانت نسبة نجاحهم بين مرشحي المقاعد الفردية 15٪، ولكن القوائم رفعت نسبتهم، لأنهم حصلوا من خلالها على 29٪.
في الوقت الراهن فإن القوائم خصص لها خمس المقاعد وليس ثلثها كما حدث في برلمان 2012 الذي جرى حلُّه بقرار أصدرته المحكمة الدستورية. وكان تضاؤل تلك النسبة تعبيرا آخر عن تهافت الدور الذي تقوم به الأحزاب في الساحة السياسية.
(4)
الصورة لا تبدو مشرقة، لكنها ليست صادمة. ذلك أن الخروج من عقود الاستبداد إلى آفاق الحرية والديمقراطية ليس أمرا هينا ولا سهلا. وقد ذكرت من قبل في أكثر من موضع أن المستبدين يدمرون الحاضر ويشوهون المستقبل. إذ باستبدادهم يدمرون ركائز المجتمع ويعملون على إضعافه. وحين يحرقون بدائلهم ويفقدون المجتمع عافيته فإنهم يشوهون المستقبل.
من ناحية أخرى فالقضية متجاوزة حدودنا. وفي الصحافة الغربية حوارات جادة حول أوضاع الديمقراطية وانحسار موجاتها في مناطق عدة من العالم. ففي مقال أخير كتبه فرانسيس فوكوياما الأستاذ بجامعة ستانفورد وصاحب البحث الشهير عن «نهاية التاريخ»، قال إن تحقيق الديمقراطية يحتاج إلى وقت، لأنه ليست هناك ديمقراطية سريعة. واستحضر في هذا الصدد مثال ثورات الربيع الأوروبي في عام 1848 (الثورة الفرنسية) مشيراً إلى أن الديمقراطية لم تتماسك في ظلها إلا بعد سبعين سنة. كما نبه إلى أن العالم يواجه في الوقت الراهن ركودا ديمقراطيا (وول ستريت جورنال ــ 6 يونيو 2014). وكانت مجلة «الإيكونوميست» البريطانية ذائعة الصيت قد نشرت في عدد الأول من مارس في العام الحالي ملفا على ست صفحات حاولت فيها الإجابة على السؤال: ما الذي جرى للديمقراطية في العالم؟ وقد انطلق البحث من فرضية اعتبرت أن الديمقراطية تمر بوقت عصيب في الوقت الحاضر. من ناحية لأن النظم الديكتاتورية تسقط ولكن المعارضة تفشل في إقامة نظم ديمقراطية صحيحة وثابتة. من ناحية ثانية فإن الدول الديمقراطية العريقة تعاني القلق ويسودها عدم الثقة. وهو ما كان مستبعدا منذ سنوات قليلة، حين ساد التفاؤل بأن الديمقراطية ستسود العالم.
أشارت الدراسة إلى أن الديمقراطية حققت نجاحات مشهودة في النصف الثاني من القرن العشرين. في ألمانيا والهند وجنوب إفريقيا واليونان وإسبانيا وفي بعض دول أمريكا اللاتينية وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي. وفي سنة 2000 أحصى مركز «فريدم هاوس» 120 دولة بنسبة 63٪ من دول العالم رفعت عليها رايات الديمقراطية. إلا أن التقدم الذي حدث في النصف الثاني من القرن العشرين توقف مع حلول القرن الواحد والعشرين. وذكرت فريدوم هاوس أن عام 2013 كان العام الثاني الذي تنحسر فيه الديمقراطية. الأمر الذي نبه الجميع إلى أن سقوط الاستبداد لا يعني بالضرورة انتصار الديمقراطية. واستند باحثو الايكونوميست إلى شواهد عدة خلصوا منها إلى أن الديمقراطية شاخت في الغرب وأصبحت قرينا للمديونية والتعثر الداخلي. أما في خارجه فالملاحظة أنها ما أن تتقدم حتى أصبحت تفشل وتسقط. وهو كلام استحضره لا لكي نتشاءم ولكن لكي نفتح أعيننا جيدا بحيث ندرك أننا في مصر نمر بشوط في رحلة الإقلاع، وأن تحقيق أهداف الثورة يحتاج إلى وقت أطول، وما نحن فيه الآن هو البدايات فقط.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
6411
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2598
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2361
| 15 أكتوبر 2026