رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعدية مفرح

كاتبة كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

354

سعدية مفرح

ذاكرتنا التي سرقها الهاتف

24 مايو 2026 , 11:10م

قبل أيام، بحثت طويلًا عن رقم هاتف كنت أحفظه منذ أكثر من عشرين عامًا. رقم أعرف إيقاعه كما أعرف بيتًا شعريًا رددته كثيرًا. وحين احتجته فعلًا، جلست أمام الشاشة أفتش عنه بعصبية خفيفة، ثم اكتشفت أن الرقم اختفى من الهاتف، وأن رأسي أيضًا لم يعد يحتفظ به. لحظتها شعرت بخسارة غريبة لا علاقة لها بالرقم نفسه. شعرت أن ذاكرتي تتراجع بهدوء، وأنني لم أنتبه إلى ذلك إلا متأخرة.

الهاتف اليوم لم يعد مجرد وسيلة اتصال. صار ذاكرة متنقلة تحمل عنا كل شيء تقريبًا. أسماء الأصدقاء، والمواعيد، والصور، والعناوين، وحتى الأشياء الصغيرة التي كنا نحفظها قديمًا بعفوية كاملة. يكفي أن يختفي الهاتف أو يتعطل حتى يشعر كثيرون أنهم فقدوا جزءًا من قدرتهم على الحياة اليومية، كأن ذاكرتهم الشخصية كانت مخزنة داخله طوال الوقت.

أتذكر يوم تعطل هاتفي فجأة، كأن أحدًا أطفأ جزءًا من حياتي دفعة واحدة. لم أكن خائفة على الصور ولا على التطبيقات بقدر خوفي من ذلك الفراغ المفاجئ الذي اكتشفته داخلي. حاولت أن أتصل بأقرب الناس إليَّ، ثم أدركت أنني لا أحفظ أرقامهم. الأشخاص الذين أعرف تفاصيل أصواتهم وملامح تعبهم وضحكاتهم الصغيرة، عجزت عن الوصول إليهم لأن ذاكرتي كانت تقيم داخل جهاز معطل. وحتى الطرق التي كنت أعبرها دائمًا بدت غريبة ومربكة، كأنني أمشي في مدينة أعرفها بعين الهاتف لا بعيني. يومها فهمت أن الأمر تجاوز فكرة الراحة بكثير، وأننا سلّمنا أجزاء حساسة من ذاكرتنا للأجهزة بهدوء كامل، ثم صرنا أضعف مما نظن حين تنطفئ الشاشة فجأة أو يختفي ذلك الامتداد الإلكتروني الذي صار يحمل عنا ما كنا نحمله قديمًا داخل رؤوسنا وقلوبنا.

أفكر أحيانًا في الطريقة التي كانت بها الذاكرة جزءًا من الحياة اليومية الحميمة. كانت الأم تحفظ مقاسات أبنائها، ومواعيد قلقهم، ونبرة بكائهم، وكان الأصدقاء يحفظون أرقام بعضهم كما تُحفظ الأغنيات، وكان العشاق يتذكرون التواريخ الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد سواهم. أما الآن، فقد تحولت الذاكرة إلى خدمة خارجية، إلى مساحة تخزين مدفوعة، قابلة للحذف والعطل والاختراق وانتهاء الاشتراك.

الأمر لا يتعلق بالحنين إلى الماضي بقدر ما يتعلق بشكل علاقتنا بالأشياء. حين كنت تحفظ رقمًا أو قصيدة أو عنوان بيت، كنت تمنحه مكانًا حيًا داخل رأسك. كان الحفظ نوعًا من العناية ومن الانتباه الطويل. أما اليوم، فكل شيء مؤجل إلى الهاتف. نحن لا نحفظ لأن الجهاز سيتذكر عنا، ولا نكرر الأشياء في رؤوسنا لأن الوصول إليها صار فوريًا وسهلًا. ومع الوقت، صار العقل نفسه أقل رغبة في الاحتفاظ بما يمكن استعادته بضغطة إصبع.

حتى النسيان تغيّر معناه. قديمًا، كان النسيان جزءًا من الرحمة البشرية، وكانت الأيام تخفف ما يجب أن يخف، وتترك أثرًا خفيفًا لما يستحق البقاء. أما الآن، فكل شيء محفوظ بإفراط يثير التعب. الرسائل القديمة، والصور، والمقاطع الصوتية، والوجوه التي حاولنا تجاوزها. كأن التقنية حرمتنا من حق النسيان أيضًا. ولهذا يبدو الحنين اليوم مرتبكًا أحيانًا، لأنه لا يخرج من الداخل وحده، وإنما تستدعيه التطبيقات في توقيت تحدده الخوارزميات عبر صورة قديمة أو إشعار عابر يقول لنا: "في مثل هذا اليوم".

وربما أخطر ما في المسألة أن الذاكرة ليست وظيفة عقلية باردة. الذاكرة هي ما يصنع علاقتنا الحميمة بالحياة. هي التي تجعل رائحة معينة تعيد طفولة كاملة، وتجعل أغنية قديمة تربك القلب بعد سنوات طويلة، وتجعل جملة عابرة توقظ زمنًا كاملًا من الداخل. وحين تضعف الذاكرة الداخلية، تتغير طريقتنا في الشعور أيضًا. نصير أقل التصاقًا بالتفاصيل، وأخف انتباهًا للأثر الذي تتركه الأيام فينا.

أراقب أحيانًا الأطفال وهم يلتقطون الصور لكل شيء تقريبًا، ثم لا يعودون إليها أبدًا. كأن التصوير صار بديلًا عن الانتباه نفسه. الصورة موجودة، إذن لا حاجة للتأمل الطويل. التسجيل تم، إذن يمكن للذاكرة أن تنصرف. وربما لهذا تمر لحظات كثيرة بسرعة أكبر، من دون أن تستقر كامل الاستقرار في الداخل.

أشتاق أحيانًا إلى ذلك الجهد القديم الذي كانت تبذله الذاكرة كي تبقى حيّة. إلى تكرار الأرقام خوفًا من نسيانها، وإلى حفظ المقاطع الشعرية من فرط محبتها، وإلى دفاتر العناوين الصغيرة التي تحمل آثار الأصابع ورائحة السنوات. كان التذكر مشاركة حقيقية بين العقل والقلب. أما الآن، فنحن نعيش مطمئنين إلى ذاكرة مستأجرة، واسعة وفعالة، فيما ذاكرتنا البشرية تنكمش بهدوء في الداخل، مثل عضلة أهملها صاحبها طويلًا.

مساحة إعلانية