رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
اعتقد بأن قضية "التركيبة السكانية" اصبحت قضية الساعة في قطر، واسباب ذلك كثيرة، فالبلد تكاد تختنق بعدد الاجانب والوافدين بشكل غير مبرر، بسبب غياب التخطيط المدروس من جهة، وبسبب عدم وجود لجنة وطنية ذات بعد استراتيجي لدراسة احتياجات البلد من الاجانب والعمالة الوافدة وتوظيفها بالشكل الصحيح، وضعف هذا الاداء جعل الفوضى في التوظيف ومنح التأشيرات من الاسباب الرئيسية في اختلال التركيبة السكانية، وهو ما انعكس سلبا على اداء الموظفين ومنافسة الاجنبي للمواطن في البحث عن الوظيفة، مما جعل غير المواطن هو الرابح الأول من جراء هذه الفوضى في التركيبة السكانية التي لم نجد أي مسؤول يخرج عبر وسائل الاعلام المحلية ليحدد لنا ملامح السياسة السكانية المطلوبة مع الحد من الهجرة إلى قطر في هذه الايام بما يبرر ذلك!!.
وفي كل تعداد يزداد عدد السكان في قطر، وتخرج علينا الإحصائيات بأرقام مخيفة تنبئ بمخاطر ليس لها حدود بسبب هذه الطفرة الكبيرة في تدفق الاجانب على قطر من الخارج وبشكل يقوم على الفوضى وعدم تقنين عملية توظيف هؤلاء، مع منح هؤلاء الرواتب العالية والخيالية وحرمان المواطن من ذلك بسبب الشروط التعجيزية التي يضعها الاجنبي عند القدوم للعمل في قطر وتنال الموافقة من قِبل من يقوم بتعيينه.
** اختلال التركيبة السكانية:
لعل غياب الدراسات المطلوبة للسياسة السكانية في قطر من الامور المهمة المغيبة عن الرأي العام حتى الآن، مع عدم وجود دراسات فصلية تقدم لنا الاسباب التي تقف وراء استقدام كل هذه الاعداد الكبيرة من العمالة الوافدة والاجانب الذين يتم توظيفهم بشكل غير مدروس، سواء كان ذلك في القطاع الحكومي وشبه الحكومي، أو في القطاع الخاص الذي يعج بالنسبة الأكبر، حيث يحرم المواطن من توظيفه في هذا القطاع أو يتم تهميشه أو محاربته لتطفيشه من العمل في هذا القطاع ليحل الأجنبي والوافد بدلا منه بشكل قسري، في ظل غياب الجهات الرقابية الحكومية التي لا تحرك ساكنا، فلا تقدم أو تؤخر في اتخاذ القرار تجاه هذه المسألة المهمة التي تسهم مساهمة كبيرة في ازدياد مخاطر التركيبة السكانية مع كل أسف!!.
** البنية التحتية بحاجة للتوسعة:
لقد أصبحت الحاجة تتطلب اليوم الالتفات إلى البنية التحتية وتحسين الخدمات وتوسعتها بما يخدم البلد، ويحق لنا التخطيط السليم والمدروس الذي يوفر كافة الخدمات للمواطنين والاجانب على السواء بما يحقق لهم الارتياح وحرية التنقل والاستفادة من كل تلك الخدمات بأريحية تامة دون خلل في الخطط والبرامج التي تقدم لهم. وهذه التوسعة تتطلب في المقام الاول التوسعة في الشوارع وتقليل الزحمة المرورية، وإيقاف التلاعب في استغلال مواقف المركبات والآليات في الأحياء السكنية والمجمعات و"المولات" بشكل استفزازي لا يخدم المجتمع بل ساهم في زيادة الأعباء على الدولة بشكل غير مقبول!!.
** غياب دور اللجنة الدائمة للسكان:
جاء تأسيس اللجنة بقرار من مجلس الوزراء الموقر في قطر سنة 2004 م، ولا اعرف لماذا غاب دورها في هذا التوقيت؟ رغم أننا بحاجة إلى أهمية دراساتها وتقديم التوصيات بشأن التخبط في سياسة التوظيف والتركيبة السكانية ومن ذلك توظيف القطريين والوافدين تحت مظلة سياسية واضحة، علما بأن اللجنة تختص بما هو آت:
— دراسة التركيبة السكانية وتركيبة القوى العاملة وخصائصها واتجاهاتها.
— دراسة مشاكل العمالة الوافدة، واقتراح الحلول المناسبة لها.
— دراسة سياسات التوظيف الكامل لقوة العمل القطرية وتقطير الوظائف في القطاعين الحكومي والخاص في إطار دراسة شاملة لتخطيط القوى العاملة بالدولة، بالتنسيق مع الجهات المختصة.
— اقتراح السياسة السكانية للدولة، ومتابعة تنفيذ الاستراتيجية السكانية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
— إجراء الدراسات والبحوث المتعلقة بالقضايا السكانية وانعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية على الدولة.
— إنشاء قاعدة بيانات ومعلومات للمتغيرات الديموغرافية وبناء النماذج الديموغرافية الاقتصادية المناسبة للدولة.
— تعزيز مبدأ الشراكة وتفعيل آليات التعاون والتنسيق بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني في إعداد وتنفيذ السياسات والاستراتيجيات السكانية.
ـ الاستفادة من الخبرات والمساندة الفنية التي تقدمها المنظمات والهيئات الإقليمية والدولية المتخصصة في مجال السكان.
— التنسيق بين الوزارات والأجهزة الحكومية وغير الحكومية والمنظمات الإقليمية والعربية والدولية ذات العلاقة بالقضايا السكانية وبرامجها واستراتيجياتها.
ـ المشاركة في المؤتمرات والندوات الإقليمية والعربية والدولية ذات العلاقة بالقضايا السكانية ومتابعة التوصيات الصادرة بشأنها.
— دراسة المواضيع التي تحال إليها من الجهات المختصة، والتي تدخل ضمن اختصاصاتها.
** اقتراح لجنة لدراسة احتياجات البلد:
بات من الضروري أن تقوم الدولة اليوم بتشكيل لجنة استراتيجية وطنية تهدف إلى وضع الخطط والدراسات لمعرفة احتياجات البلد من العمالة الوافدة ومن الموظفين الاجانب الذين يتم استقدامهم بشكل غير مدروس وغير مفهوم في نفس الوقت، ومن أسمى واجبات هذه اللجنة القيام بدراسة الاحتياجات من الموظفين من الخارج قبل الاستقدام مع تقليص عددهم بشكل مدروس بما يعود على البلد بالمنفعة في المقام الاول. كما أن هذه اللجنة مطالبة بتحديد سقف محدد في الرواتب التي تمنح لهؤلاء الاجانب بهدف منع هدر المال العام وأموال الدولة التي تصرف بشكل فوضوي وغير مقنن، وهو ما ساهم في توظيف من هب ودب في كل القطاعات ومنها الحكومي والخاص على وجه الخصوص. كما ان وجود مثل هذه اللجنة سوف يسهم بشكل كبير في تقليل تدفق الوافدين وتقليل رواتبهم الخيالية مع العمل على إنهاء خدمات غير المنتجين منهم ومن لا يقدم أية فائدة للدولة، وهذه سمة قد تكون سائدة اليوم في العديد من الوزارات والمؤسسات وجامعات الدولة وبشكل يدعو للنظر في مثل هذه العمالة غير المنتجة أحيانا.
** المال العام وخدمة الأجيال:
لعلنا في الختام نؤكد على أهمية "المال العام" وضرورة المحافظة عليه من الضياع، لأن الفساد صورة من صور هذا الهدر، مع الاستفادة من الدخل القومي قدر الإمكان لخدمة الاجيال كما يقول أحد المفكرين: "تسعى جميع دول العالم المتقدم بكافة الوسائل للحفاظ على المال العام وتضع في سبيل ذلك الأنظمة والقوانين التي تضمن تحقيق هذا الهدف بالإضافة إلى عمل الدول بمنهجية وأهداف واضحة للاستفادة القصوى والصحيحة من الدخل العام الذي يأتي من الإيرادات المالية للدولة والتي هي ملك لجميع أبناء الشعب ليستفيدوا منه في تطوير وتنمية بلادهم".
ويضيف:
"إننا مطالبون حكومة وشعباً بإعادة النظر في الحفاظ على اقتصادنا الوطني ومراعاة حماية المال العام والذي هو مكسب للبلاد وثروة توجد حالياً معنا ولكن لا نعرف المستقبل وما هي الظروف الاقتصادية القادمة على المستوى المحلي أو العالمي خصوصاً وأن هذا الدخل المالي هو رصيد للشعب جميعاً ولأجيالنا القادمة".
** كلمة أخيرة:
رؤية قطر الوطنية 2030 ما تزال بعيدة كل البعد عن التطبيق فيما يتعلق بالتنمية البشرية الحقيقية وبخاصة للسكان، عبر فرض التقطير في التوظيف قبل التهافت على توظيف الوافدين من الخارج في ظل الفوضى بمنح التأشيرات بشكل عشوائي وغير مدروس وهو ما يتسبب في هدر المال العام!!.
دولة هشة وجيش مرتزق وانهيار استخباراتي
هذا هو واقع الحال للدولة التي يطلقون عليها اليوم اسم «الدولة العبرية « او «إسرائيل» كما يسمونها في... اقرأ المزيد
1875
| 20 نوفمبر 2023
إسرائيل ليست العدو الأول للفلسطينيين
تشتد الحرب على أهلنا في قطاع غزة هذه الأيام بسلاح وجيش وخطط أمريكية، ولا يشك أحدنا في هذا... اقرأ المزيد
2247
| 18 نوفمبر 2023
المنافقون من علماء الأمة والطعن في المقاومة
لا شك أن علماء الدين لهم مكانة عليا بيننا، فهم أصحاب الفتاوى والعلم الغزير عند الحاجة، وهم الطبقة... اقرأ المزيد
4203
| 15 نوفمبر 2023
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل الطريق إلى المدرسة مجرد مسافة نقطعها كل صباح، أم أنه وقت يمكن أن نستثمره مع أبنائنا؟ سؤال يستحق أن نتوقف عنده ونحن نشاهد المبادرة الجميلة «وصل عيالك» التي أطلقتها مشكورة وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة، لتشجيع أولياء الأمور على توصيل أبنائهم إلى المدارس. وأرى أن هذه المبادرة تؤكد وعي الجهات الاجتماعية بأهمية التفاصيل الصغيرة في حياة الأسرة، فقيمتها الحقيقية تتجاوز بكثير مسألة إيصال الطالب من باب المنزل إلى باب المدرسة، إلى معنى أعمق بكثير؛ وهو استثمار هذا الوقت في الاقتراب من أبنائنا، والاستماع إليهم، والحديث معهم، واستعادة شيء أصبح نادرًا في حياتنا المعاصرة: الحضور الحقيقي مع أبنائنا. نعيش اليوم حياة سريعة ومزدحمة، الأب والأم لديهما أعمال والتزامات ومواعيد، والهاتف لا يتوقف، ورسائل العمل تلاحقنا حتى خارج أوقات الدوام، وأصبحت الأسرة أحيانًا تجتمع في مكان واحد، لكنها لا تجتمع فعلًا؛ كل شخص حاضر بجسده وغائب بذهنه. لذلك قد تكون عشر دقائق أو ربع ساعة في السيارة مع ابنك، وأنت حاضر معه فعلًا، أهم من ساعات طويلة تقضيها بجانبه وأنت منشغل بهاتفك أو عملك أو عالم آخر بعيد عنه. وهنا تكمن روعة الطريق إلى المدرسة. في الصباح الباكر يكون ذهن الطفل هادئًا بعد قضاء راحة ونوم، وأنت بجواره في مساحة صغيرة لا تلفاز فيها ولا مجلس مزدحم ولا مقاطعات كثيرة. تحدثه، وتسأله: ماذا لديك اليوم؟ ما المادة التي تحبها؟ ما الذي يزعجك في المدرسة؟ ماذا تتمنى أن تصبح؟ من أقرب أصدقائك؟ ولماذا تحب هذا المعلم ولا ترتاح لذاك؟ لا تجعل المشوار تحقيقًا يوميًا معه، بل اترك الحديث يأتي بعفويته. فقد تبدأ القصة بجملة بسيطة جدًا يقولها طفلك في السيارة، ثم تكتشف خلفها عالمًا كاملًا لم تكن تعرف عنه شيئًا. وربما تسمع من ابنك في السيارة شيئًا لن يقوله لك وهو جالس أمامك في البيت. فالطفل أحيانًا لا يحتاج إلى جلسة رسمية عنوانها «تعال أريد أن أتحدث معك»، بل يحتاج إلى لحظة آمنة وعفوية يشعر فيها أنك قريب منه وتسمعه دون محاكمة أو استعجال. وبين إشارة مرور وأخرى قد يخبرك عن صديق يضايقه، أو معلم يحبه، أو موقف أخافه، أو فكرة تشغله، أو حلم يريد الوصول إليه.أما رحلة العودة من المدرسة فلها حكاية أخرى. يركب ابنك السيارة وقد عاش عدة ساعات بعيدًا عنك، محملًا بالمواقف والأسئلة والضحكات وربما الغضب والحزن أيضًا. يريد أن يخبر أحدًا بما حدث: «اليوم المعلم قال لنا…»، «فلان فعل كذا…»، «تعرف ماذا حدث في الفصل؟»، «اليوم حصلت على درجة…». قد تبدو لنا هذه التفاصيل صغيرة، لكنها بالنسبة إليه حياته التي يعيشها الآن.وكلما اعتاد أن يجد أذنك في الأشياء الصغيرة، زادت احتمالية أن يبحث عنك عندما تأتي الأشياء الكبيرة. وهذه في رأيي إحدى أجمل رسائل مبادرة «وصل عيالك»؛ أن تذكرنا بأن التربية ليست دائمًا محاضرات طويلة ولا جلسات مخططًا لها، وأن بناء العلاقة مع الأبناء قد يحدث في تفاصيل صغيرة جدًا كنا نظن أنها مجرد وقت ضائع في الطريق. لكن من المهم جدًا ألا نحول جمال هذه الفكرة إلى لوم للآباء والأمهات الذين لا يستطيعون توصيل أبنائهم. فالبيوت تختلف، وظروف العمل تختلف، وأوقات الدوام تختلف، وهناك من يعتمد على الحافلة المدرسية أو السائق، وهناك أم أو أب يبدأ عمله قبل بداية المدرسة أو يعمل في مكان بعيد، وعدم توصيل الأبناء لا يعني أبدًا التقصير في حقهم فهم يكدحون من اجل هذه العائلة ومستقبل الابناء.المبادرات الجميلة يفترض أن تفتح لنا أبوابًا لا أن تصدر علينا أحكامًا. الرسالة الأوسع والأهم هنا: ابحث عن وقت تكون فيه حاضرًا فعلًا في حياة ابنك.إن استطعت أن يكون ذلك في الطريق إلى المدرسة، فلا تهدر هذه الدقائق. أغلق إشعارات الهاتف واترك الهاتف جانبًا لانه من أسباب دمار العائلة وإشغالها، واسمعه اكثر من ان تكلمه لأن أبناءنا، خصوصًا في سنوات النشأة، لا يحتاجون منا إلى عدد كبير من الساعات بقدر حاجتهم إلى لحظات يشعرون فيها أن آباءهم وأمهاتهم موجودون من أجلهم فعلًا. وقد تكون عشر دقائق في طريق المدرسة قصيرة جدًا في حساب الزمن، لكنها في ذاكرة ابنك، وفي علاقتك به، طريق طويل يستحق أن نسلكه.
34665
| 01 سبتمبر 2026
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10269
| 06 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
8268
| 03 سبتمبر 2026