رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
صرنا بإزاء قراءتين للدستور الجديد في مصر. إحداهما تراه الأفضل والأخرى تراه الأسوأ والأتعس. وظاهر الأمر أن كل طرف متمسك بقراءته وغير مستعد للتنازل أو التراجع عن شيء منها. وهو ما يعني أننا في حقيقة الأمر لسنا فقط بصدد اختلاف حول الدستور، وإن تذرع البعض بذلك، لكننا أيضا إزاء صراع بين فريقين كل منهما له رؤيته الخاصة بالمستقبل التي يريد فرضها على الآخر. وحتى الآن فشل الطرفان في إيجاد صيغة توافقية تسمح لهما بالعيش معا تحت سقف البيت الواحد.
لو كان الأمر مقصورا على صراع بين النخبة لهان، علما بأن التجاذب بين الإسلاميين والعلمانيين قائم في الساحة المصرية منذ أمد بعيد. وقد عبر عن نفسه في التنافس الذي عرفته مصر في بداية القرن العشرين بين دعاة الجامعة الإسلامية الذين كان من بينهم مصطفى كامل باشا ودعاة الجامعة المصرية الذين تصدرهم الدكتور أحمد لطفي السيد، لكن الأمر اختلف في الوضع المصري بعد ثورة 25 يناير، حين أصبح الإسلاميون في مواقع السلطة، التي ظلت حكرا على العلمانيين على مر الزمان. وهو ما حوَّل التجاذب إلى صراع تعددت أشكاله، ومن أسوأ آثاره أنه أدى إلى شل حركة الحياة في مصر، وإشاعة درجة عالية من الاحتقان والتوتر في المجتمع.
بطبيعة الحال لم يخل المشهد من أخطاء وقع فيها الإسلاميون، وقد أسهمت تلك الأخطاء في تعزيز مواقع المعسكر المضاد من ناحية، كما وفرت لأركان ذلك المعسكر ذرائع كانت كافية لاستمرار العراك ولاحتشاد المعارضين وتجاوزهم عن تناقضاتهم الأصلية، في الوقت ذاته فإنها وفرت غطاء مناسبا للرغبة الأصيلة والكامنة لدى البعض في إقصائهم من الحلبة، واستعادة زمام الأمور مرة أخرى بعدما اختلت المعادلة بسبب نتائج الانتخابات التي جاءت بالأغلبية الإسلامية إلى السلطة وأفقدت الأقلية سلطانها التقليدي.
حين تطور العراك وأصبح ضارا بالمصلحة الوطنية جراء تأثيره السلبي على الأوضاع الاقتصادية وتعطيله لمصالح الناس، فضلا عن شحن المجتمع بمشاعر التوتر والقلق، فإن السؤال الذي أصبح واجب الطرح لم يعد من ينتصر على من، وإنما هو كيف يمكن أن نستعيد زمام المبادرة، لتمكين المجتمع من تجاوز المأزق وتحريك مياهه الراكدة.
أمامنا الآن طريقان، إما أن نمرر الدستور على علاته وننتقل به إلى مرحلة بناء مؤسسات النظام الجديد، وإما أن نتخلى عن الدستور فنلغيه تماما أو نجمده ــ كما قال البعض ــ ونبدأ رحلة إعداده من الصفر. لنعيد انتخاب أو تشكيل اللجنة التي ستتولى وضعه، ثم ننتظر عدة أشهر أو عدة سنوات حتى تنتهي اللجنة من إعداد مشروعها. إن شئت فقل إننا بالخيار الأول ننتقل إلى مرحلة بناء النظام الجديد وتدوير عجلة التنمية والاستقرار، في حين أن الخيار الثاني يبقى الحال كما هو عليه إلى أن يعاد النظر في كل الأشواط التي سبق أن قطعناها من قبل.
سأفترض في هذه الحالة أن الدستور به بعض النواقض، لكن تمريره سيؤدي إلى تحريك المياه الراكدة، وأن إعادة النظر الشاملة فيه ستعطينا نموذجا أفضل بعد عدة أشهر أو سنوات، لكنه سيبقى على الركود والشلل كما هو، فأيهما نختار؟.. إذا سلمنا بهذا التوصيف فإننا سنصبح مخيرين بين سيئ وأسوأ، أو بين العور والعمى. وينبغي أن نضع في الاعتبار أن سؤالنا لا نلقيه في فراغ، ولكنه يلقى في ظل واقع اقتصادي وسياسي مضطرب لا نملك في ظله ترف الانتظار، لأن موارد البلد مثلا تنفد حينا بعد حين، الأمر الذي ينذر بوقوع كارثة إذا طال الانتظار.
في هذه الحالة فإن أي عقل رشيد ومسؤول يقبل بالسيئ حتى لا يقع في براثن الأسوأ. ذلك أنه لا مشكلة في الاختيارين الجيد والرديء أو بين الأبيض والأسود، الأمر الذي أزعم أنه في مقدور كل أحد، لكن التحدي الحقيقي يكون في الاختيار في حالة الضرورة بين شرين، وأحسب أن تلك الضرورة قائمة في الوقت الراهن.
يخفف من حدة الأزمة التي نواجهها ذلك الجهد التوفيقي الذي يبذل الآن لتجميع المواد المختلف عليها في الدستور، والتي قد يتفق ممثلو القوى السياسية على ضرورة تعديلها في الدستور الجديد، تمهيدا للاستجابة لتلك الرغبة من خلال البرلمان الجديد. يشجع على ذلك أمران، أحدهما حماس الرئيس مرسي ونائبه للفكرة وما قيل عن استعداد الرئيس للتوقيع على الوثيقة التي ستضم التعديلات المقترحة وتعهده الالتزام بمضمونها. الأمر الثاني أن مشروع الدستور يسَّر عملية التعديل وجعلها حقا مكفولا يمكن أن يتولى خُمس الأعضاء التقدم به والدعوة إليه (المادة 217).
إذا كان التعديل ممكنا فإن خريطة القوى السياسية لا تخلو من تعقيد. ذلك أن من المعارضين من هو مختلف مع بعض مواد الدستور وتوجهاته، وهؤلاء يمكن التفاهم معهم فيما يرتضونه ويطمئن بالهم. وهناك آخرون لهم تحفظاتهم على سياسة الدكتور محمد مرسي التي أوقعته في أخطاء أساءت إليه وسحبت من رصيده. وهؤلاء أيضا يمكن التفاهم والتوافق معهم استنادا إلى موضوعية تحفظاتهم. لكن هناك فريقا ثالثا لا ينصب اعتراضه على الدستور أو على سياسة الدكتور مرسى، ولكن اعتراضه الحقيقي منصب على مبدأ وجود الدكتور مرسي وما يمثله في السلطة. وقد ذكرت توا أن هؤلاء يغطون موقفهم بالحديث عن نواقص الدستور وأخطاء الرئيس. لذلك فإنهم سيظلون منحازين للخيار الأسوأ، حتى تغرق السفينة بأهلها أو ينهدم المعبد على من فيه.
إن وسائل الخروج من المأزق متاحة بدرجة أو بأخرى، لكن المشكلة في توافر الإرادة المخلصة اللازمة لبلوغ ذلك الهدف، التي تقدم مصلحة الوطن على مصالح المتعاركين. وهو اختبار لا تسرنا نتائجه التي ظهرت حتى الآن.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2642
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1045
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
687
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8712
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2742
| 30 أكتوبر 2026
قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال ومصدريه في العالم، الغاز من الولايات المتحدة بعقود تمتد لعقود. فهل تحتاج دولة تمتلك احتياطيات هائلة إلى الغاز المستورد؟ أم أن الصفقة تعكس تحولاً أعمق في طريقة إدارة تجارة الطاقة؟ في تقديري، لا تكمن أهمية هذه الخطوة في الشراء نفسه، بل فيما قد تضيفه إلى قدرة قطر للطاقة على الوصول إلى الأسواق والوفاء بالتزاماتها. ففي صناعة الغاز، لا تكفي وفرة الاحتياطيات وحدها؛ إذ تكتسب مرونة التوريد وإدارة المخاطر أهمية متزايدة إلى جانب الإنتاج. ففي 22 أكتوبر 2026، أعلنت قطر للطاقة توقيع اتفاقيتين طويلتي الأجل مع شركة شينيير إنرجي الأمريكية لشراء ما يصل إلى أربعة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً، بدءاً من عام 2031 وحتى نهاية عام 2054. وتتوزع الكميات بالتساوي بين منشأة سابين باس في ولاية لويزيانا ومنشأة كوربوس كريستي في ولاية تكساس، بواقع مليوني طن سنوياً من كل منهما. غير أن مليون طن من كميات سابين باس مشروط باتخاذ قرار استثماري نهائي بشأن توسعة المنشأة، ولذلك لا ينبغي التعامل مع كامل الكمية المعلنة باعتبارها مضمونة دون تحفظ. ويرتبط سعر الشراء بمؤشر هنري هب الأمريكي، مضافاً إليه رسم ثابت لم تُعلن قيمته. أما التسليم فيتم على ظهر السفينة في الموانئ الأمريكية، وفق نظام (FOB). وهذا يمنح قطر للطاقة دوراً مباشراً في ترتيب نقل الشحنات، وقد يتيح مرونة في توجيهها إلى الأسواق، في حدود ما تسمح به العقود. وتشير طبيعة الاتفاقيتين إلى أن الغاز المشترى ليس بالضرورة موجهاً للاستهلاك المحلي، بل يمكن أن يدخل ضمن محفظة قطر للطاقة التجارية، ويعاد تسويقه إلى عملائها في آسيا وأوروبا وغيرها. وبذلك تجمع الشركة بين إنتاج الغاز من مواردها المحلية وإدارة إمدادات تحصل عليها من منتجين آخرين.وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم: هل يمكن أن يكون شراء الغاز من الخارج أكثر جدوى من الاعتماد على التوسع في الإنتاج المحلي وحده؟قد يبدو الإنتاج المحلي الخيار الطبيعي لدولة تمتلك احتياطيات ضخمة وخبرة واسعة في هذه الصناعة. غير أن المقارنة ليست بهذه البساطة؛ فزيادة الإنتاج تتطلب استثمارات كبيرة في تطوير الحقول ومنشآت التسييل والبنية التحتية، بينما تتيح عقود الشراء الحصول على إمدادات إضافية دون تحمل التكلفة الرأسمالية الكاملة لإنشاء طاقة إنتاجية مماثلة. ولا يعني ذلك أن الشراء أقل تكلفة أو أكثر ربحية بالضرورة، فلكل خيار التزاماته ومخاطره. لكن الجمع بين الإنتاج والشراء قد يمنح الشركة مرونة أكبر في توظيف رأس المال وتوزيع المخاطر والاستفادة من الفرص التجارية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء الاضطرابات التي شهدتها المنطقة، والتي أظهرت أن امتلاك الغاز لا يضمن دائماً القدرة على تصديره. فقد تتأثر منشآت الإنتاج أو التسييل، أو تتعطل الممرات البحرية، بما ينعكس على انتظام الإمدادات. ومن هنا، فإن تنويع مصادر الغاز قد يوفر بدائل إضافية تعزز قدرة الشركة على التعامل مع الظروف غير المتوقعة. ومع ذلك، فإن الاتفاقيتين لا تمثلان حلاً فورياً لأي نقص حالي، لأن الإمدادات لن تبدأ قبل عام 2031. ولهذا تبدو قراءتهما ضمن تخطيط طويل الأمد أكثر اتساقاً مع طبيعتهما ومدتهما، دون الجزم بأن الاضطرابات الأخيرة كانت السبب المباشر وراء توقيعهما. ومن الناحية التجارية، قد تستفيد قطر للطاقة من اختلاف أسعار الغاز بين الأسواق. فالشراء وفق مؤشر هنري هب الأمريكي، ثم البيع في أسواق ترتبط بمؤشرات سعرية أخرى، قد يوفر فرصاً لتحقيق عوائد مجزية، متى غطت أسعار البيع تكاليف الشراء والنقل والتمويل والمخاطر. غير أن تحديد الربحية الفعلية يتطلب معرفة تفاصيل مالية وتعاقدية لم يُعلن عنها. وتبرز هنا ميزة اقتصادية أخرى للاتفاقيتين، تتمثل في الجمع بين فرص تحقيق العوائد التجارية ومرونة إدارة الإمدادات. فتنوع مصادر الغاز يمنح قطر للطاقة خيارات أوسع في توجيه الشحنات إلى الأسواق المختلفة، والاستفادة من فرص الأسعار والطلب، مع تعزيز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وبذلك لا تقتصر القيمة المحتملة للصفقة على العائد المباشر من بيع الغاز، بل تمتد إلى تحسين كفاءة المحفظة التجارية وتعزيز القدرة التنافسية للشركة على المدى الطويل. ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن استثمارات قطر للطاقة في الولايات المتحدة، ومنها مشروع غولدن باس للغاز الطبيعي المسال في ولاية تكساس. فالجمع بين الاستثمار في مشاريع الإنتاج والتسييل وشراء الغاز من منتجين آخرين يعزز حضور الشركة في أسواق الطاقة العالمية، ويوسع الخيارات المتاحة أمامها. وفي رأيي، فإن هذه هي الدلالة الأهم للصفقة. فقد بنت قطر مكانتها العالمية على تطوير حقل الشمال والاستثمار في منشآت التسييل والتصدير، لكنها قد تكون اليوم بصدد إضافة بعد جديد إلى نموذج أعمالها، يقوم على إدارة محفظة عالمية من إمدادات الغاز، بدلاً من الاعتماد على تسويق إنتاجها المحلي وحده. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب إدارة دقيقة للأسعار والنقل والالتزامات التعاقدية، لأن تنويع المصادر لا يضمن تلقائياً ارتفاع الأرباح أو انخفاض المخاطر. فالقيمة الحقيقية للتنويع تتحقق عندما يسهم في تحسين كفاءة العمليات والعائد الاقتصادي، ويمنح الشركة قدرة أكبر على التعامل مع تغيرات السوق. إن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بعدد ملايين الأطنان التي تشتريها الشركة، بل بقدرتها على تحويل تلك الكميات إلى قيمة اقتصادية حقيقية، من خلال تحقيق عوائد مناسبة، وتعزيز موثوقية الإمدادات، وتقليل التعرض للمخاطر الجغرافية والتجارية. ولعل المفارقة الأهم أن قطر قد تشتري الغاز الأمريكي، لا لأنها تفتقر إلى الغاز، بل لأنها تسعى إلى تطوير قدرتها على إدارة تجارته عالمياً. فامتلاك الغاز يمنحها قوة الإنتاج، أما تنويع مصادره وحسن إدارة تدفقاته فيمنحانها مرونة أكبر في المنافسة والاستمرار. وفي صناعة تتغير فيها الأسواق والمخاطر بسرعة، قد تصبح القدرة على إدارة الغاز بقدر أهمية القدرة على إنتاجه.
1485
| 25 أكتوبر 2026