رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا أشك، أن جميعنا توقف طويلا أمام هذا المشهد الاستثنائي للقائد الفلسطيني الشهيد يحيى السنوار، والذي عَبَر من خلاله الحدود الفاصلة وتجاوز حالة الغياب التاريخي الحالي للأبطال المقاومين والمناضلين، ليحييهم من جديد في مقطع حقيقي غير متخيل لم يتجاوز عدة دقائق بُث وشاهده العالم أجمع مصوراً.
وبتصوري أن السنوار، هذا القائد الذي أشغل العالم لمدة عام كامل ومع كل المحاولات المستمرة لاستهدافه وتشويه صورتة إعلامياً، جاء مقطعه الختامي ليمثل مشهداً رمزيًا أسطورياً بامتياز، حيث استدعت لحظة استشهاد السنوار المأساوية بعدا أعمق لتجربة المناضل والمقاوم وكيف هي رغبته الجامحة في تحرير نفسه ووطنه من آلامه وقيوده، وإصراره على المقاومة ولو في أحلك اللحظات، وبأبسط ما يملك من أدوات حتى وإن كانت عصا يواجه بها طائرة. المثير أن من صاغ هذا المشهد ووظفه بهذا الشكل الاسطوري كان العدو نفسه !
وبعيداً عن كل ما خلقته التعليقات والتحليلات واختلاف الآراء وما بين المناسب واللامناسب، والأخلاقى واللا أخلاقي، حول هذا المشهد وما تضمنه الحدث من تصورات خيالية لصراع الخير مع الشر أو الحق مع الباطل، إلا أن التساؤل المطروح بتصوري يبقى رهين مقطعين رئيسيين هما: ما الذي بعثته هذه اللحظات الأخيرة في عُمر السنوار للمقاومة والمقاومين وللفلسطينيين ؟ وكيف يمكن لمشهد استشهادي أن يبعث ومن جديد كل هذه الفاعلية في جسد أمة منهكة غائبة الحضور ؟
إن محاولة الاجابة على هذا التساؤل ربما تدفعنا هي الأخرى نحو الغوص في أعماق التاريخ واستحضار شخصيات مماثلة قدمت حياتها للدفاع عن أوطانها وقيمها، رحلت هذه الاشخاص لكن استمرت معتقداتها وأفكارها في التأثير بعد رحيلها. متخطية حدود المكان والزمان.
إن هذه الثغرة التاريخية التي نفذ منها السنوار كشخصية بطولية كاريزمية تكون دائمًا محورًا لإثارة النقاش لدى المؤرخين، إذ يحاولون فهم كوامن القوة والقدرات التي تجعل هذه الشخصيات ذات تأثير عميق في المجتمعات. من بين أنقاض لحظات انهيار أمة وضعفها، تبرز هذه الشخصيات لتقوم بأفعال قد تبدو في لحظتها لكثير من الناس بسيطة أو مكررة. لكن مع مرور الوقت، ومع الإصرار وكمال العزيمة، تظهر آثار متعاقبة ومتسلسلة، تؤدي في النهاية إلى تغييرات جذرية في المشهد.
نعلم جميعا أن الحضارة الإسلامية مرت ولا تزال بتجارب عديدة صعبة لكنها كانت في الغالب تمتلك أمام هذه التحديات والصعوبات (رموزا وقيادات وأشخاصا استثنائيين استطاعوا تغيير مسار الأحداث كـنور الدين زنكي، صلاح الدين، قطز، عمر المختار، أحمد ياسين، وغيرهم كثيرون.....
المثير كذلك أن أغلب لحظات الضعف ومشاهد اليأس والانكسار التي مرت بها الأمة ودخولها منحنى التراخى والانحدار، ومع بدايات الفعل التقويمي لهذا الانحدار كانت تتزايد الأصوات المشككة، التي تصر على أنه ( لا جديد يمكن أن يحدث)، بل ربما تتجاوز هذه الأصوات في بعض الأحيان حد التشكيك إلى التخوين، مما يضيف تعقيدات وتحديات أكبر أمام مساعي التغيير لكن ورغم تعاطف وانبهار وقبول البعض بهذه الاصوات المشككة تظهر القيادات الاستثنائية والبطولات والرموز لتغير الواقع وتخلق الانتصارات لأوطانها وشعوبها.
إن السنوار ورغم رحيله المتوقع ومع كل ما قام به من خلط و بعثرة لأوراق السياسة والجغرافيا - بل والاقتصاد - لقوى كبرى، إلا أنه استطاع أيضا تحريك عجلة التاريخ والمقاومة في آن واحد ومع ظروف استثنائية وشديدة الصعوبة، بل بتصوري أن رؤية السنوار وإدارته للأحداث لم تكن مجرد ردود فعل على ما يقوم به العدو، بل كان إدراك لواقع شديد التعقيد في الداخل والخارج، استطاع معه السنوار أن يجعل من تلك المقاومة قوة فاعلة ومؤثرة حتما ستنعكس آثارها لاحقاً وبمراحل متعددة على تاريخ الصراعات الإسلامية مستقبلاً.
يبقى القول إن إدراك واستجلاء تأثيرات هذا المشهد (البطولي لاستشهاد السنوار ) وآثاره سيتطلب منا الكثير من الصبر والمتابعة حتى نستطيع أن نحيط بما سيتشكل بعده من تغيرات حتمية في المستقبل، وكيف استطاع السنوار تقديم نفسه في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية كبديل وكشخصية استثنائية تاريخية في عالم يسوده التناقض وخلط الاوراق، واحتمالات سقوط قوى وتشكل وخلق قوى جديدة.
حين يصبح الكتاب بابا للحرية
لا تتأطر القراءة في حياة المرأة في مجرد عادة ثقافية أو ترف فكري، ولكنها تصبح مدخلا فسيحا نحو... اقرأ المزيد
129
| 08 مايو 2026
تأثير وسائل التواصل على استقرار الأسرة
أصبحت الآثار النفسية الناتجة عن الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي من أبرز التحديات التي تواجه الأسرة القطرية في... اقرأ المزيد
99
| 08 مايو 2026
تكامل لا تفاضل فيه
إلى نسخةٍ قديمةٍ منّي، كانت تقفُ بعيدًا على حافةِ التجربةِ ترتجف، لا خوفًا من تبعاتها، بل من انكشافها... اقرأ المزيد
75
| 08 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4386
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4044
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
1893
| 07 مايو 2026