رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تداولَ متعاملون مع أدوات التواصل، خلال الأسبوعين الماضيين، شريطَ فيديو مُصوّراً من هاتفٍ نقَّال، لطالبٍ يعتدي بالضرب على طالبٍ آخر أمام مدرسة من مدارسنا، وبدا الشابُّ المُعتدي شَرساً، وهو يُكيلُ اللكماتِ إلى وجهِ ورأسِ الشابِ الآخر، الذي يبدو أنه أصغر منه سنّاً حسب شكله، وأرجعَ البعضُ الحادثةَ إلى تلاسُنٍ بين الطالبين حصل قبل الحادثة!
وبغضّ النظر عن تخطئةِ أو تبرئةِ أيٍّ من الطرفين، فإن الحادثة، بحدِّ ذاتها، مرفوضة.
ذلك أن الاعتداء الفيزيائي من شخص على آخر، لا يُمكن قبوله في هذا العصر، مهما كانت المُبررات، لأنه توجد جهاتٌ تحكمُ في أيِّ تلاسُنٍ أو شِجارٍ لفظي يحدث.
بعضُ المغردين والكُتّاب نادوا بأن تتم مُعالجةُ المُعتدي، قبل إيقاع العقاب عليه، وكان هنالك رأيٌ بأن يتمَّ عقابه، لأنه تصرّفَ تصرّفاً غير لائق مع إنسان آخر، خصوصاً وأن كليهما على مقاعد الدراسة، وضمن نطاق حَرَم المدرسة، كما أن دستور دولة قطر، في المادة رقم 18 من الباب الثاني، ينصُّ على الآتي:
«يقوم المجتمع القطري على دعامات العدل، والإحسان، والحرية، والمساواة، ومكارم الأخلاق».
وهذا نصّ صريح بأن الحادثة قد خالفت نصَّ الدستور، كما أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قد كفلَ كرامة الإنسان، في مادته الأولى، التي تنصّ على:
«يولد جميعُ الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وُهبوا عقلاً وضميراً، وعليهم أن يُعامل بعضُهم بعضاً بروحِ الإخاء».
وأيّدَت المادةُ رقم 3 من الإعلان تلك المادةَ، ونصَّت على: «لكل فردٍ الحقُّ في الحياة والحرية وسلامة شخصه».
وأيضاً الحادثة ناقضت هاتين المادتين، ومن الناحية الدينية نجد أن القرآن الكريم وهو دستور الأمة، قد طالبَ بالمعاملة الطيبة بين البشر، مهما كانت اختلافاتهم، وبحُسن السلوك، وعدم الغيبة أو التنابز بالألقاب.. وغيرها من السلوكيات المرفوضة.
ولقد وُضعت قضية الاعتداء تلك، في مكانها الملائم، وقامت الأجهزة المختصة بإجراءاتها الكاملة التي تطلَّبها الموقف.
ولاحظتُ، ضمن المقابلات التي أُجريت مع بعض المسؤولين في هيئات التعليم، أن البعضَ قد ألقى باللائمة، في القضية، على وسائل الإعلام، ومشاهدةِ أفلام العنف! وحسب معلوماتي، فإن مشاهدة الإنسان الطبيعي لمشاهدَ عُنف، لا يُمكن أن تتولد لدية قابليةٌ للعنف، ذلك أن وسائل الإعلام لا تُغيّر السلوك، قدْر قيامها بدعمِ الاستعدادات الداخلية لدى الإنسان، وهو ما عُرف بـ (Reinforcement ) أي تعزيز الدوافع الداخلية، دون أن تغيّر السلوك (Change Behavior)، وأتمنى عدم الربط بين الموضوعين، ذلك أن الإنسان الذي لديه دوافعُ داخلية للعنف، فإن الإعلامَ العنيف «يدعم» هذا التوجه، وهذا لا يحدث مع الشخص الذي ليست لديه تلك الدوافع.
والتَنَمّرُ (Bullying )، وسمّاهُ قاموسُ أكسفورد بـ (بلطجي، شقيّ، متحكّم فيمن هم أضعف منه، يُجبر بالقوة) ص 85.
والتَنَمُّر سلوكٌ عدوانيٌّ غير مقبول، دائماً يقع بين الأطفال في سن المدرسة، وهو يعني: استخدام القوة اللفظية أو الجسدية، تضع الطرفَ الآخر في موقف الضعف، بقصد إلحاق الأذى به، ووضعهِ في موقف مُحرِج أمام الآخرين. وقد يكون التَنَمُّرُ (لفظياً)، باستخدام كلماتٍ نابية أو إشاراتٍ ضد الآخر، أو (جسدياً)، بالاعتداء بالضرب أو الركل أو الدفع، وهدفه إهانة الطرف الآخر أمام الناس، يقول الباحث النرويجي (P.N. Ross ) – في Arresting Violence: «إن التَنَمُّر يتضمن قدراً كبيراً من العدوان الجسدي مثل: الدفع، والنغز، ورمي الأشياء، والصفع، والخنق، واللكم، والركل، والضرب، والطعن، وشدّ الشَعر، والخدش والعَضّ».. ( ويكيبيديا).
وتتضح ظاهرة التَنَمُّر عندما يُقرر المُتَنَمِّر مَن هو ضحيته، ويبدأ في نبذها، في البداية، وحرمانِها من الاندماج مع بقية الأقران، ثم يبدأ في توجيه إهاناتٍ لفظيةٍ ضد الطرف الآخر، ثم يتطور الأمرُ إلى الاعتداء فيزيائياً، وأحياناً يسعى المُتَنَمِّرُ إلى إثبات قوةِ شخصيته بين المجموعة، ويحدثُ أن يقوم أكثرُ من شخص بعملية التَنَمُّر ضد شخص أو مجموعة أخرى.
ويرى بعضُ المُحللين أن التَنَمِّر يحدثُ نتيجة خللٍ في عقل الطفل أو الشاب المُتَنَمِّر، يجعله يعتقد أنه أقوى من غيره، وهذا لا يعني أن التَنَمُّر يحدثُ في رياض الأطفال أو المدارس فقط، بل يحدث أيضاً في الهيئات والمؤسسات، بين الكبار، كأن يَتَنَمّر (المدير) على أحد الموظفين أو مجموعةٍ منهم، بقصد إثباتِ وجوده، أو تخويفِ الآخرين من عقابه الشديد، حفاظاً على هيبته في العمل.
وهنالك عدة أنواع من التَنَمُّر:
التَنَمُّر اللفظي: ويشمل الإغاظة والسخرية والاستفزاز والتعليقات غير اللائقة.
التَنَمُّر الجسدي: ويشمل الضرب، العنف، الصفع، الخنق، وغيرها من طرق الإيذاء الجسدي.
التَنَمُّر العاطفي: من خلال الإحراج الدائم للشخص، ونشر الشائعاتِ حوله.
كما أن للتَنَمُّر تصنيفات أخرى، مثل:
التَنَمُّر المُباشر: الذي يتمثلُ في الضرب والدفع وشدِّ الشَعر والطعن والصفع والعضّ والخدش، وغيرها من الأفعال المؤذية.
التَنَمُّر غير المباشر: وهو الذي يتضمن تهديدَ الشخص بالعَزل الاجتماعي، عن طريق نشر الشائعات، ورفضِ الاختلاط معه، ونقدهِ من حيث الملبس والعِرق واللون والدين.. وغيرها من الأمور، بالإضافة إلى تهديد كُلّ مَن يختلط معه أو يدعَمه.
وهنالك أيضاً: التَنَمُّر الإلكتروني، الذي يحدثُ عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، والبريد الإلكتروني، أو من خلال الرسائل النصّية، عبر الهواتف النقّالة، وأيضاً التَنَمُّر الأُسَري، وهو الذي يكون من قِبل الوالدين أو بين الإخوان، أو الزوجين أو الأقارب، ويوجد التَنَمُّر السياسي، ويحصل عندما تسيطر دولةٌ ما على دولة أضعف، وعادة ما يتم ذلك عبر القوة والتهديد العسكري.
(التَنَمُّر، أسبابه، أنواعه، وطُرق علاجه، Heloona.com)
نعود إلى القضية التي بنينا عليها هذا المقال، لنؤكد أن المجتمع القطري يقوم على مكارم الأخلاق، والتعامل بالحُسنى. كما أن هذا المجتمع تحكمهُ قوانينُ ونواميسُ محدَّدة في الدستور، وفي مفاهيم وتقاليد المجتمع، وقد تكون تلك الحادثة فرديةً، لا ننكر وجودَ مثيلاتها سابقاً، إلا أنه لا يجوز تعميمُها، واتخاذها «شمّاعة» لوسم شبابنا بالتَنَمُّر، إذ يوجد لدينا شبابٌ محترمٌ في حديثه وفي تصرّفاته، ولقد واجهنا حالات تَنَمُّر في المرحلة الجامعية، فحدثَ أن تَنَمّر طالبٌ على أستاذه، بصورة غير طبيعية، لكن هذا الأمر، لا يحدثُ كُلَّ يوم، بل قد تكون للتَنَمُّر دوافعُ سيكولوجيةٌ، لم تتم معالجتها من قِبل الأُسرة، أو تمَّ السكوتُ عليها، حيث إن بعضَ أفراد المجتمع لا يؤمنون بمقولة (الوقايةٌ خيرٌ من العلاج)، بل ينتظرون وقوعَ المشكلة، ثم يبادرون بعلاجها، وهذا خطأ كبير.
نتمنّى لطلابنا وطالباتنا النجاحَ والأمان، ونتمنّى من الأُسَر تهيئة الأجواءِ المناسبة لذلك، وأن تُلاحظ الأُسرةُ تصرّفاتِ أبنائها وبناتها، ليتم علاجُ أيةِ ظاهرةٍ سلبية، قد تظهر على الأبناء أو البنات.
[email protected]
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
3132
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2550
| 31 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1617
| 29 مايو 2026