رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عاشت العاصمة اليمنية صنعاء أياما دامية لم تشهدها منذ عقود أزهقت فيها الكثير من الأنفس وأهرق دم كثير وداست قممها الشامخة أقدام يقول أصحابها أنهم من أنصار الله ويدافعون عن مظلوميات أبناء الله.. وبعد جهود وتنازلات من خصوم وقع الحوثيون على اتفاق السلم والشراكة الوطنية مع جميع القوى السياسية اليمنية برعاية مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن لحل الأزمة السياسية لكن الحوثيين رفضوا التوقيع على الملحق الأمني للاتفاق الذي يطالبهم برفع مخيمات الاعتصام ووقف إطلاق النار ورفع مظاهر السلاح من العاصمة ومداخلها وانسحابهم من المناطق التي سيطروا عليها.. لكن أهم بنود الملحق تتضمن نزع سلاح جماعة "أنصار الله" وتسليم الأسلحة الثقيلة والخفيفة من قبل كل المليشيات المسلحة وكل الأطراف التي استولت على أسلحة مملوكة للدولة تنفيذا لمخرجات الحوار الوطني وتمكين الحكومة من ممارسة صلاحياتها وبسط سيطرتها على التراب اليمني.
الحوثيون كانوا بدأوا اعتصاماتهم في الثامن عشر من أغسطس الماضي على مداخل صنعاء لتحقيق مطالب معلنة وهي إسقاط الجرعة الاقتصادية التي بسببها رفعت أسعار المحروقات وإسقاط حكومة التوافق الوطني والإسراع في تطبيق مخرجات الحوار الوطني التي ظلت كل أطياف العمل السياسي ومنظمات المجتمع تتحاور مدة عشرة أشهر برعاية أممية وخليجية من أجل التأسيس لدولة مدنية حديثة ترفع فيها راية القانون والعزة والكرامة والتعايش بين كل اليمنيين على اختلاف مذاهبهم وحتى أديانهم.. لكن اعتصامات الحوثيين التي ساندها يمنيون طحنتهم الضائقة الاقتصادية سرعان ماتحولت إلى اعتصامات عسكرية ومحاولات لفرض سلطة أمنية بديلة وهنا تدخلت قوات الجيش والأمن التي كانت تحاول فرض هيبة الدولة وسلطة القانون وهنا فقط بدأت تتكشف الأهداف الحقيقية لجماعة الحوثي والانقضاض على العاصمة كان الهدف الرئيس من كل حروبها مع الدولة اليمنية وأن يكون الحاكم من البطنين.. وقد تحقق لها ما أرادت بالنسبة للعاصمة إذ وجهت فوهات الدبابات والمدافع نحو رموز السيادة اليمنية من التلفزيون إلى مقر قيادة المنطقة السادسة وتوالي سقوط المؤسسات السيادية من الإذاعة إلى رئاسة الوزراء والبنك المركزي وحتى القيادة العامة للقوات المسلحة اليمنية والسيطرة على مقر القوات الجوية.. جماعة الحوثي حاولت أن تدافع عن ما قامت به بأنه كان لرد اعتبار من قتلوا من المعتصمين والمتظاهرين ثم ما لبثت أن قالت بأن هذه المؤسسات انضمت للثورة الشعبية وثورة المظلمومين التي هللت لها كل وسائل الإعلام الإيرانية ووسائل إعلام الرئيس اليمني المخلوع علي عبدالله صالح..
زعيم جماعة أنصار الله الذي يصف نفسه بأنه من عترة رسول الله وأهل بيته جعل أتباعه ومريديه يطبقون مقولة الشافعي: لابد من صنعاء وإن طال السفر رغم أنه ينظر إلى من يتأسون في المذهب الشافعي بأنهم أقل إنسانية وحظوة في الحياة ولذلك فإن مقامه الكبير لم يسمح له بالقدوم إلى صنعاء ليوقع على الاتفاق ربما حرصا على عدم منح القداسة فهو اتفاق سياسي قال عنه أحد أعضاء المكتب السياسي لجماعة أنصار الله بأنه قد لا يطبق إلا إذا تمكن الرئيس اليمني من إجبار اللواء علي محسن وحلفائه على الوفاء بالتزاماتهم وهذا برأيي تبرير قد يجعل الاتفاق حبرا على ورق خصوصا وأن علي محسن وشخصيات سياسية لاتزال هدفا للتصفية الجسدية.
بغض النظر عن تطبيق الاتفاق من عدمه فإن قوى سياسية وأهمها حزب التجمع اليمني للإصلاح قد رأت أن تترك الحوثي لوحده يلمم ما بعثره بما سماه الرئيس عبد ربه منصور هادي انقلابا.. لكن ما يحير اليمنيين وكثير من المراقبين كيف سقطت صنعاء بهذه السهولة بيد الحوثيين لدرجة أن خبيرا استراتيجيا أجنبيا سألني: مالذي يجري.. الوضع بنفسجي؟
قلت له نعم هو بنفسجي ورمادي وأي لون يمكنك تخيله حتى بإمكانك أن تقول (أخضري) نسبة إلى اللون الأخضر الذي يحبه اليمنيون فهو لون شجرتهم المفضلة القات ولون قبة الحسينيات الجديدة في صعدة وربما ستنشأ أخرى في محافظات أخرى وبإمكانك ياصديقي الاستراتيجي أن تسجل هذه الملاحظات وتحللها لوحدك:
- حروب الدولة مع الحوثيين... الفرقة الأولى مدرع تكلف من الرئيس السابق علي عبدالله صالح بقتال الحوثيين وفي الوقت نفسه يكلف قائد الحرس الجمهوري نجل الرئيس المخلوع والسفير اليمني الحالي في دولة الإمارات بإمداد الحوثي بكل أنواع الأسلحة خاصة تلك التي أمدته بها واشنطن لمحاربة تنظيم القاعدة.
- وزير الدفاع الحالي محمد ناصر أحمد ترك اللواء 310 بقيادة القشيبي ينافح عن عمران دون دعم لوجستي رغم إصدار أمر لواحدات بالتحرك لإسناد اللواء ثم صدر أمر آخر بأن تتوقف عند تخوم عمران حتى سقطت عمران وسقط اللواء 310 وقتل الحوثييون قائده ومثلوا بجثته.
- عند وصول الإمدادات (الغذائية) لمعتصمي الحوثي في العاصمة أصدر قائد المنطقة العسكرية السادسة أوامره برفع الحواجز العسكرية من مداخل العاصمة الشمالية فدخل كل المدد وبدأ الزحف حتى أعطيت الأوامر للوحدة العسكرية التي تحمي التلفزيون اليمني بتسليم كل مالديها لأنصار الله..
- تسلم أنصار الله العهدة من مخازن الوحدة العسكرية الحامية للتلفزيون الرسمي رمز السيادة اليمنية ووزعوها بالعدل والمساواة على أهداف أخرى حتى سقطت العاصمة.
- المبعوث الأممي جمال بن عمر ظل ثلاثة أيام في صعدة يبذل جهودا مضنية لإقناع الحوثي بالتوقيع على الاتفاق الذي أعدته لجنة وساطة رئاسية سابقة لحل الأزمة لكن الزعيم الروحي فكر وقدر ثم فكر وقدر إلى درجة إن اليمنيين من فرط تلهفهم وترقبهم ونفاد صبرهم أطلقوا نكاتا منهم من قال: بن عمر يخضع لمراسم الضيافة العربية التي لابد أن تكون في ثلاثة أيام بلياليها بينما علق آخرون أن الحوثي يفاوض بن عمر على تغيير اسمه إلى جمال بن علي..
- مسلحو الحوثي يواصلون عمليتهم العسكرية في صنعاء والسعي لتحقيق أهدافهم بمباركة غربية وإقليمية وعربية وهي تدمير المقرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لحزب التجمع اليمني للإصلاح (الإخوان المسلمون) وكذلك محاولة تصفية الشخصيات العسكرية والقبلية التي تتحالف مع حزب الإصلاح بينما ينتظر الرئيس اليمني وسفراء الدول العشر والزعيم الحوثي أو من يمثله لتوقيع اتفاق سياسي.
- لم تعلن أي سفارة غربية غلق أبوابها أو سحب موظفيها لدواع أمنية ولم يصدر أي بيان رسمي من دول عربية وأجنبية كتلك التي صدرت خلال دقائق من وقوع الأحداث في مصر مثلا.
- تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية لم ينبس ببنت شفه وهو الذي أصم أذاننا بالشعارات ومحاربة الكفار وحتى الروافض.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن بعد التوقيع على اتفاق السلم والشراكة الوطنية.. كيف ستسرد صنعاء شموخها وعزتها بعد أن استضعفها الحوثي في لحظة ضعف وغفلة من التاريخ.. ما هي مآلات العملية السياسية في اليمن؟ هل سيقنع الحوثي بما حققه أم ستمضي به نشوة النصر إلى تحقيق حلم (البطنين) ورفع العلم الأخضر الذي كان قبل 1962 وتصفية كل خصومه؟ وهل ستتحول جماعة الحوثي إلى العمل السياسي بأدواته السلمية بعد أن أشبعت نهمها العسكري واستعرضت قوتها على خصومها بل وحولتهم إلى موقع الدفاع بعد أن كانوا في مواقع الهجوم والقوة.؟ هل سيبقى اليمن موحدا؟ ورغم كل ما يقال وسيقال عن هذا الاتفاق ومآلات الوضع إلا أن اليمنيين لا يزالون يتمتعون بحكمة من نوع ما، تخيل عزيزي القارئ لو لم يوقع الجميع على الاتفاق؟ بل تخيل لو انساق حزب التجمع اليمني للإصلاح إلى المواجهة والحرب ووزع البندقية على الملايين من أعضائه... إنها حكمة اليمنيين فعلا.. نتمنى أن تتجلى يوما في التنمية وبناء الإنسان وأن تغادر اليمن ثقافة الحرب والصراع العبثي.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2235
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1125
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
636
| 12 أكتوبر 2026