رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أدعو إلى التفكير مرة ثانية في مقصود الحرب على الإرهاب قبل أن نكتشف أننا تورطنا في حرب على الجبهة الغلط.
(1)
قبل أي كلام في الموضوع ينبغي أن نعترف بأنها فكرة عبقرية، لا أعرف الأبالسة الذين أطلقوها، ولكني أشهد بذكائهم الذي جعل الإرهاب عنوانا لزماننا وسلطوا علينا «داعش» لتكون برهانا عليه يستنفر الأمة ويؤجج مشاعر النفور والغضب في جنباتها. وللأمانة فإن الجماعة لم يقصروا في خدمة مخطط الأبالسة، لأنهم ما برحوا يقدمون للعالم ــ بالصوت والصورة ــ الأدلة التي تسوغ المسارعة إلى الخلاص من شرورهم.
حتى الآن، فإن مشروع داعش كما هو ماثل أمامنا يوجه إلينا حزمة من الرسائل يمكن اختزالها في العناوين التالية: في الفراغ المخيم، فإن نذر الإعصار وشراراته بسبيلها لأن تهدد الجميع ولن يستثنى من ذلك أحد ــ انسوا الربيع والديمقراطية وأحلام التغيير والإصلاح السياسي، فليس هذا وقت الحديث عن شيء من ذلك ــ العنوا اليوم الذي ظهر فيه الإسلام السياسي وابتلينا بالدولة الإسلامية وأطل علينا فيه وجه الخلافة ــ الدفاع عن الوجود يستلزم التمترس وراء الأنظمة القائمة والرضا بما هو سيئ منها لأن البديل أسوأ وأتعس ــ لا يحدثنا أحد عن فلسطين، فقد صارت الحرب ضد الإرهاب قضية العرب المركزية ــ في حسابات الظرف الراهن فإن إسرائيل لم تعد عدوة ولكنها حليفة في مواجهة خطر الإرهاب المشترك ــ الشغل الشاغل وجوهر القضية المركزية هو كيف نحصن العالم العربي ونخلص المنطقة من الوباء الذي ضرب سوريا والعراق ــ الدور الأمريكي والقوة الأوروبية والقواعد العسكرية الأجنبية مرغوبة ومطلوبة بشدة لوقف تقدم الإعصار الذي تعجز القوة العربية عن التصدي له.
(2)
الثابت أن الأنظمة العربية لم تتسلم الرسائل فحسب، ولكنها احتفت بها أيضا، بدليل أنها انضمت بسرعة إلى ركب المستنفرين، وقدمت إلى الحملة ما استطاعت إليه سبيلا، من النفقات إلى التسهيلات والقواعد والتدريبات، إضافة إلى كل متطلبات التجهيز والتعبئة. ذلك أن عنوان «الإرهاب» الفضفاض أتاح لكل طرف أن يجد لنفسه مكانا تحت رايته. ووفر فرصة ذهبية لكل نظام لكي يتخلص من معارضيه وهو مطمئن إلى السند والغطاء. حتى إسرائيل دخلت على الخط وادعت أنها بدورها من ضحايا الإرهاب، الذي تهم به كل مقاومة للاحتلال، وصارت آية الاعتدال الوحيد عندها تتمثل في القبول بما يسمى التنسيق الأمني مع أجهزتها لحصار المقاومة وقمعها. وتابعنا في الإعلام الإسرائيلي مؤخرا جدلا حول ما إذا كانت حركة حماس وجها آخر لداعش أم لا (جريدة «الشروق» نشرت في 19/9 ترجمة لمقالة الدكتور تسفي برئيل خبير الشؤون العربية في «هاآرتس» تحت عنوان «حماس ليست داعش».
أدري أن صدمة الصعود المفاجئ كانت كبيرة، وأتفهم المسارعة الإقليمية والدولية إلى محاولة التصدي لها وإجهاض مخططاتها. كما أنني أتفهم سعى الأنظمة العربية إلى الانخراط في الحشد ورفع لواء الحرب ضد الإرهاب، رغم كل طرف كان له تفسيره الخاص للإرهاب، وبعض تلك التفسيرات ينطلق من حسابات داخلية لا علاقة لها بداعش وطموحاتها. لكن ما أستغربه حقا أن تتحول الحملة إلى لوثة تحتكم إلى الانفعال والحسابات السياسية وتلغى أي تفكير معمق في الموضوع يتحرى خلفياته ويسبر أغواره. ذلك أن داعش ليست فقط جماعة انشقت عنها الأرض فجأة. وساعدتها عوامل عدة على الانطلاق والزحف لإقامة الدولة وإعلان الخلافة. وإنما هي قبل ذلك وبعده فكرة لها جذورها التي تجاهلها كثيرون، نمت في بيئة مواتية لم تنل حظها من الرصد والتحقيق.
ملاحظتي هذه موجهة إلى عناصر النخب بالدرجة الأولى، في مصر بوجه أخص، الذين غرقوا في الاستقطاب حتى تخلى أغلبهم عن دورهم البحثي والتنويري. وفوجئنا بأنهم توزعوا على مواكب المهللين والمتصيدين والمرشدين الأمنيين.
إننا لا نحتاج إلى عقل رشيد لكي نكيل الهجاء لداعش، ونتهم كل من لا يعجبنا بأنه داعشي الهوى يكتم انتماءه. كما أنه بمقدور أي أحد أن يدعو إلى إبادة التنظيم وكل من انتسب إليه. لكننا سنحتاج إلى ذلك العقل الرشيد لكي نصل إلى جذور الفكرة لنقتلعها ولكي تدرك البيئة التي استنسبتها لكي نطهرها وننقيها، حتى لا نفاجأ بالداعشية تطل علينا من منافذ أخرى. وظني أن النخب التي لم تفقد توازنها هي الأكثر تأهيلا للقيام بهذه المهمة.
(3)
لدي اجتهاد متواضع في هذا الصدد، لا أدعي أنه يجيب على الأسئلة المتعلقة بفهم الظاهرة وتقصي جذورها، لكنني أعتبره دعوة لفتح باب المناقشة حول الموضوع. ذلك أنني أزعم أن الداعشية لها جذورها في المذهب الوهابي، تم استدعاؤها وانضاجها في ظروف الظلم والقهر الذي عاش في ظله العراق طوال السنوات العشر الأخيرة.
أستشهد في تحرير النقطة الأولى بمقالة مهمة كتبها أحد الباحثين السعوديين الجادين، الدكتور خالد الدخيل أستاذ العلوم السياسة بجامعة الملك سعود. وقد نشرتها صحيفة الحياة اللندنية (في 21/9 الحالي) تحت عنوان: مراجعات الوهابية تأخرت كثيرا. إذ أشار فيه إلى التشدد الذي اتسمت به الحركة الوهابية، الذي كان من سماته رفض الآخر والتسرع في تكفيره. وهو ما أرجعه إلى ظروف سياسية واجتماعية تم تجاوزها، وفي هذا السياق ألقي السؤال التالي: هل تطرف داعش. واستناده إلى نصوص وهابية يعني أن الأخيرة امتداد للأول ومسؤولة عنه؟ ــ وفي السؤال إشارة واضحة إلى أن أدبيات الدولة الإسلامية (داعش) استعانت في بناء رؤيتها النظرية بأدبيات الحركة الوهابية التي انطلقت في الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر الميلادي. وهو إذ ينفي أن تكون داعش بتطرفها ووحشيتها امتدادا للحركة الوهابية، إلا أنه ذكر أن «أهم ما تمخض عنه ظهور داعش على المستوى المحلي هو ما يبدو أنه بداية مراجعة فكرية لأدبيات الحركة الوهابية التي تأخرت كثيرا. لكنها يجب أن تستمر وأن تتعمق».
هذا الكلام الشجاع يسلط الضوء على خلفية الظاهرة التي لم تحظ باهتمام كثيرين، ممن تنافسوا في هجاء مشروعها وفي تقديم البلاغات الكيدية ضد الناشطين الإسلاميين بدعوى أنهم جميعا «دواعش»، وفضلا عن أنه يقدم نموذجا للدور المسؤول الذي يقوم به المثقف، فإنه يفسر لنا إلى حد كبير لماذا يلقى مشروع داعش ترحيبا ملحوظا في الأوساط السلفية.
فيما خص البيئة التي استدعت الفكرة واستنبتتها فالملاحظ أن هناك تركيزا على دور القوى الخارجية في إطلاقها، إذ فضلا عن الإشارة التقليدية إلى دور المخابرات الأمريكية، فإن الإشارات الأخرى اتجهت صوب إيران تارة وتركيا تارة أخرى. وليس هناك ما يؤيد الاحتمال الأول. سوى أن داعش قدمت خدمة كبرى للنظام السوري من حيث إنها بالنموذج الوحشي الذي قدمته عززت فرص بقائه ولم تؤثر على استمرار النظام العراقي. وهو ما يريح إيران كثيرا باعتبارها حليفة للاثنين. أما الاحتمال الثاني فهو مستبعد، لسبب جوهري هو أن تركيا أدرجت داعش ضمن المنظمات الإرهابية المحظورة في شهر أكتوبر عام 2013 أي منذ عام تقريبا. كما أنها خلال تلك المدة أوقفت ستة آلاف شخص وأجرت تحقيقات معهم للاشتباه في تأييدهم أو انتسابهم إلى داعش، علما بأن عناصر المنظمة احتجزت 49 تركيا من العاملين بالقنصلية في الوصول بعد سقوطها بأيديهم. واستمر الاحتجاز مائة يوم تقريبا ولم يتم إطلاق سراحهم إلا هذا الأسبوع.
وإذا لم يكن ثابتا أو واضحا دور العوامل الخارجية فإن دور العوامل الداخلية في العراق أكثر ثباتا ووضوحا. ذلك أنني أزعم أن القهر والظلم الذي عاش في ظله العراق، والذي كان أهل السنة أكثر مرة عانوا منه، هو التربة الحقيقية التي استنبتت ظاهر داعش وأطلقتها. وقد قرأت للباحث اليساري السوري سلامة كيلة تحليلا نشرته (في 18/9) الصحيفة الإلكترونية «العربي الجديد»، نقل فيه عن وزراء في عهد رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي قولهم إن الرجل هو من أطلق عناصر داعش من سجن أبو غريب وأرسلهم إلى سوريا. ورغم علمي بأن الأستاذ كيلة من الباحثين المدققين إلا أنه ليس لدي مصدر آخر يؤيد هذا الكلام. مع ذلك فإنني لا أستبعده. وفي ذهني تجربة المجموعة التي عرفت باسم تنظيم «التكفير والهجرة»، الذي تشكل في أجواء التعذيب التي شهدتها السجون المصرية في ستينيات القرن الماضي تحت قيادة شكري مصطفى. ودارسو تلك المرحلة يعرفون أن فكر تكفير النظام انتشر تحت التعذيب في السجون آنذاك. الأمر الذي اضطر مرشد الإخوان آنذاك إلى محاولة الرد عليه بالكتاب الذي صدر له تحت عنوان: «دعاة لا قضاة».
لسنا بحاجة إلى استدعاء شواهد وأدلة المظلومية التي تعرض لها أهل السنة بعد سقوط نظام صدام حسين. فالجرائم التي ارتكبت بحقهم على أيدي متعصبي الشيعة على كل لسان. ولست في وارد استعادة صفحات ذلك السجل الوحشي، لكنني فقط أردت أن أقول إن مظلومية أهل السنة وأي مظلومية مماثلة يتعرض لها الناس بمثابة التربة المواتية التي أتاحت لفكر داعش أن يروج وينتعش. كما أنها دفعت العشائر والقبائل السنية إلى الالتفاف حول مشروعها ومساندته، ليس قبولا به أو حبا فيه بالضرورة، ولكن باعتباره الإطار الذي أتيح لتحدي الظلم الذي تعرضوا له والقهر الذي عانوا فيه.
(4)
لدي نقطة أخيرة تتعلق بالموضوع أثيرت في مصر مؤخرا، ذلك أن نقدا وجه إلى فكرة استدعاء الدين لمواجهة أوضاع اجتماعية أو سياسية قائمة. وهو ما ظهر جليا في نموذج داعش، وما ظهر قبل ذلك في تجربة أفغانستان وطالبان. وقد اعتبر ذلك النقد بمثابة دعوة إلى إخراج الدين من المعادلة لتجنب النتائج الكارثية التي ترتب على توظيفه وإقحامه في تعقيدات المجال العام.
هذه الفكرة التي ترددت على عدة السنة بصياغات مختلفة تمثل قراءة انتقائية وتبسيطية للتاريخ والواقع. هي انتقائية لأن استدعاء الدين إلى المجال العام لم يكن سلبيا على طول الخط. وتجربة لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية التي أبهرت العالم في سبعينيات القرن الماضي تدل على ذلك. وقبلها تجربة اليسوعيين في البارجواي التي ازدهرت في القرن الثامن عشر وتجربة رجل الدين المسيحي الثائر لاس كازاس الذي قاوم الاستعمار الإسباني في أمريكا اللاتينية وانتصر للعبيد والسكان الأصليين. وفي التاريخ الإسلامي فإن ثورة الزنج الشهرية في العراق ومقاومة الاستعمار في العالم العربي خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كانت كلها حركات جهادية استدعت الدين ووظفته دفاعا عن الاستقلال في السودان والجزائر وليبيا، كما أن الثورة الإسلامية في إيران كانت نموذجا آخر لتوظيف الدين في مواجهة الطغيان.
أما التبسيط في ذلك الرأي فيكمن في الاكتفاء بالدعوة إلى استبعاد الدين وإخراجه من المعادلة في مجتمع يمثل الدين مكونا أساسيا فيه. من ثَمَّ فبدلا من توظيفه في الاتجاه الصحيح والإيجابي لخدمة المصالح العليا للمجتمع، فإن الدعوة تكتفي بالدعوة إلى تقليص دوره وإضافة تأثيره في المجال العام.
إن العامل الديني يمثل طاقة روحية هائلة يمكن توظيفها في النهوض بالحاضر والمستقبل، كما يمكن توظيفها في تدمير الاثنين، والمشكلة في هذه الحالة لا تكون في قيمة الدين، وإنما فيمن يفشلون في استثمار الطاقة التي يمثلها في تحقيق الحلم بدلا من إجهاضه، وليس من حسن التدبير أو الشجاعة الفكرية أن نلقي بتبعة فشلنا وخيبتنا على الدين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8925
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4845
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4149
| 23 سبتمبر 2026