رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تواترت أنباء وتسريبات عن قرب توقيع حماس اتفاق تهدئة طويل الأجل قد يمتد من خمسة إلى ثمانية أعوام مع إسرائيل مقابل إعمار قطاع غزة بالكامل والسماح ببناء ميناء بحري وفتح مطار غزة والمعابر بترتيبات دولية.
واستندت الصحف ووكالات الأنباء فيما نشرته على لقاءين عقدهما خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس مع توني بلير مسؤول اللجنة الرباعية السابق بحسب صحيفة هافينجتون بوست وتأكيد مشعل في مقابلة له مع قناة "بي بي سي" العربية على ذلك وأنّ وسطاء من سويسرا والنرويج والأمم المتحدة مشاركون في المحادثات. واستندت كذلك على ما سرب من غزة من أن هناك وفدًا من حماس سيغادر غزة للقاهرة ومنها لدول عربية وأجنبية، ربما تشمل قطر وتركيا والسعودية وبريطانيا والنرويج، فضلا عن لقاء متوقع مع مدير المخابرات المصرية.
واستندت الصحف أيضاً على تصريحات مستشار رئيس الوزراء التركي ياسين أكتاي الذي قال فيها إن إسرائيل وحماس أوشكتا على إبرام اتفاق شامل يؤدي إلى حل قضية حصار قطاع غزة وإلى فتح معابره وإلى تثبيت التهدئة المعلنة بين الجانبين وأن هذا الاتفاق المزمع توقيعه كان مثار بحث وتمحيص في اللقاء الذي جمع خالد مشعل مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أنقرة والذي تناول كذلك احتمال إنشاء ميناء بحري في قطاع غزة وفتح خطّ بحري يربطه بأحد موانئ الشطر التركي من قبرص، حيث يتم إخضاع البضائع الواردة إلى غزة لتفتيشات أمنية مقابل وقف قصف إسرائيل بالصواريخ والتوقف عن حفر الأنفاق والالتزام بالهدنة.
مصادر فلسطينية لم تنف ما قيل ولكنها قالت إن المحادثات في بداية البداية وأن الاتفاق ليس قريبا، بينما أكدت مصادر إسرائيلية أن ثمة مؤشرات على قرب توقيع الاتفاق قريبا.
التسريبات التي بثتها مواقع وصحف إسرائيلية تظهر أن إسرائيل هي التي تلح في طلب تثبيت الهدنة وإبرام الاتفاق، لكن واقع الحال يقول إن الطرفين بحاجة ماسة إلى هذا الاتفاق وإن كانت حاجة إسرائيل هي الأشد، فحماس تحتاج إلى إعمار غزة ورفع الحصار الظالم الذي أحكمته كل من مصر وإسرائيل وبعض الدول العربية عليها والذي جعل منها سجنا كبيرا يعج بالفقر الذي تجاوزت نسبته 65% وبالبطالة التي بلغت من 48% إلى 55%، فغزة تعرضت خلال الأعوام 2006 و2009 والعام 2014 إلى أفظع المجازر الدموية في التاريخ البشري المعاصر، فنحو المليونين من أبنائها الذين يعيشون على مساحة ضيقة لا تتجاوز 365 كيلو مترا مربعا تعرضوا في 8 سنوات لثلاث حروب مدمرة أتت على اليابس والأخضر وفي الحرب الأخيرة في صيف 2014 الجرف الصامد سقط 2147 شهيدا، منهم 1734 مدنيا بنسبة (81%) من مجموع الشهداء و530 طفلا و302 امرأة و10870جريحا، منهم 303 3 أطفال و2101 امرأة، بينما عانى ثلث الأطفال الجرحى من إعاقة دائمة وبلغ عدد المنازل المتضررة والمدمرة نحو 100 ألف منزل يسكنها حوالي 600 ألف مواطن فلسطيني وألقى الاحتلال الإسرائيلي خلال عدوانه أكثر من 20 ألف طن من المتفجرات، أي ما يعادل ست قنابل نووية، فإذا أضفنا إلى ذلك كله أزمة الكهرباء والماء والمجاري والرواتب، وأخيرا وليس آخرا الأونروا، أدركنا مدى حاجة حماس والشعب الفلسطيني في غزة الصابرة المصابرة إلى هدنة تلتقط فيها الأنفاس وتستجمع فيها الطاقات والإمكانات دون تخل بأي حال من الأحوال عن خيار المقاومة، لذلك فإن حماس كما إسرائيل غير معنية بالتصعيد في الوقت الراهن ولكن حماس ليس لديها ما تخسره بعد أن خاضت كل هذه الحروب، فلن يكون ما هو قادم أسوأ مما كان وجاهزيتها للتصدي للعدوان كبيرة، كما أنها باتت قادرة على المبادرة والضرب في العمق الإسرائيلي. إسرائيل هي الأخرى حريصة على تثبيت هدنة طويلة مع حماس، فقد كشفت تسريبات الصحف والمواقع الإسرائيلية أن حماس تعزز من قدراتها العسكرية وأنها باتت قادرة على تهديد مدينتي عسقلان وأسدود وأن عملية مستوطنة "زيكيم" أصبحت نموذجا لها ستعمل على تطبيقه في أماكن أخرى.
وتشير هذه المصادر إلى أن حماس تواصل تسليح قوات الكوماندوز البحرية بعتاد يعتبر الأكثر تطورا في العالم بغية الاستعداد للقيام بعملية إستراتيجية تمنحها صورة انتصار.
وأن مقاومي حماس وغواصيها مدربون ومجهزون بوسائل حديثة جدا ولديهم دافعية وروح معنوية عالية وأنهم قد يفاجئون الجيش الإسرائيلي بعمليات نوعية وقد يفجرون محطة توليد كهرباء عسقلان التي تزود كل جنوب البلاد بالطاقة أو يستهدفون سفينة تجارية في ميناء سدود قد تتسبب في تعطيل التجارة البحرية خلال حرب محتملة وإسرائيل لم تنس أنفاق حماس ولا صواريخها بعيدة المدى التي عطل بعضها مطار بن غوريون الدولي لعدة ساعات، كما أنها باتت معنية أكثر بمواجهة داعش ومخاطر تمددها في سوريا والأردن وسيناء.
وقد ذكرت صحيفة هآرتس في الأسبوع الماضي أن الاتفاق حول الميناء البحري الفلسطيني قارب على الانتهاء وأنه "تم نقاش إمكانية مرور السفن المتوجهة لغزة عن طريق قبرص التركية لتفتيشها كضمانة إسرائيلية لعدم نقل أسلحة عبر البحر لغزة
وأن المحادثات حول الموضوع بين تركيا وقبرص اليونانية مستمرة.
وتردد أن إسرائيل وافقت على إنشاء الميناء البحري "العائم" في قطاع غزة، ولكنها رفضت رفضًا قاطعًا إعادة إعمار المطار الفلسطيني الذي تم فتحه وتشغيله في التسعينيات قبل قصف طيران الاحتلال له وتدميره.
والخلاصة، فإن حماس تفاوض بطريق مباشر، لا من موقع ضعف وإنما من موقع قوة، ولا ينفرد فيها فرد بقرار، فقد انعقد مجلس شورى الحركة ثلاث ساعات متواصلة لمناقشة هذه المبادرة ولا صحة البتة لتنازلات قد تقدمها للكيان الصهيوني أو لتعاون أمني أو أنها تفصل القطاع عن غزة وتؤخر قضايا الحل النهائي، فسلطة رام الله التي أمضت أكثر من 20 عاما في مفاوضات ماراثونية لم تجن إلا الأشواك والاستيطان وضياع الحل النهائي لأهم القضايا في متاهات التأجيل والتسويف، كما أحبط تعاونها الأمني مع المحتل الغاصب كل محاولة نبيلة لتدشين مقاومة فاعلة ومجدية في الضفة الغربية التي تتواجد على حدود ممتدة إلى مئات الكيلو مترات مع العدو الصهيوني وأصبح اهتمام السلطة بالطرب والفيفا والمونديال وتكريم الفنانين من أهم أولوياتها، بينما تلكأت سنين طوال في رفع الحصار عن غزة وزعمت غير مرة أن صواريخ حماس ليست إلا لعب أطفال لا جدوى منها وترددت في تقديم شكاوى إلى محكمة الجنايات الدولية ضد إسرائيل، بعدما ارتكبت جرائم حرب بكت من هولها السماء قبل الأرض، بل وألقت بتقرير جولدستون الذي يدين "إسرائيل" ومجرميها بجرائم حرب إلى سلة المهملات، بل وسعت لدى مصر لحثها على عدم فتح معبر رفح أمام الوفد الفلسطيني الذي يضم إلى جانب هنية عددا آخر من قيادة حركة حماس، من بينهم زياد الظاظا وفوزي برهوم.
وتفيد التسريبات بأن محمود عباس تلقى تطمينات من مصر عبر سفيرها في رام الله وائل عطية، تفيد بوقوف مصر إلى جانب الشرعية الفلسطينية المتمثلة في الرئيس عباس، وعدم المشاركة في أي تفاهمات للتهدئة تعقد بين حماس وإسرائيل، فهذه مواقف السلطة من شعبها المحاصر، فهي لا ترحم ولا تريد لأحد أن يرحم.
وحماس التي قدم صف قيادتها الأول أرواحهم وأبناءهم وذويهم فداء فلسطين لن تركع ولن تساوم على الأرض، فقد قال الدكتور محمود الزهار، أحد قيادييها بثبات وقوة، الخميس الماضي: "الفصائل الفلسطينية اتفقت خلال مفاوضات القاهرة الأخيرة على تهدئة مقابل رفع الحصار، وإن كان الاحتلال معنيًّا بالتهدئة أو توسيعها، يجب أن يرفع حصاره عن غزة لأنه لا شيء دون مقابل "أي أن ما جرى ليس إلا استجابة لشروط حماس التي أعلنتها منذ الأسبوع الأول للعدوان الصهيوني على غزة في صيف 2014 حين رفضت التهدئة المصرية الأولى وأوضح الزهار هذا بجلاء في تصريحات لمراسل وكالة الصحافة الفلسطينية صفا، "التهدئة قائمة مع الاحتلال وإن أراد استمرارها وتثبيتها يجب عليه أن يدفع ثمنها برفع الحصار كاملاً عن غزة". إسماعيل هنية نائب رئيس المكتب السياسي نفى بدوره الاتهامات لحركته بقبولها إقامة دولة في قطاع غزة.
وقال في كلمة في غزة الإثنين 17 أغسطس الجاري: "أقول لمن يشوه مواقف حماس: نحن لن نقبل بدولة على 2% من أرض فلسطين اسمها غزة، ففلسطين كل فلسطين لنا، وبوصلتنا ثابتة نحو القدس.. وإستراتيجيتنا قائمة على تحرير كل فلسطين".
حماس بإنجازها هذه الهدنة تنتصر لشعبها المرابط الصابر المصابر الذي قدم تضحيات قل نظيرها في التاريخ المعاصر وحماس بارتمائها في حضن محيطها العربي الإسلامي ــ السني، الذي تمثله السعودية وقطر وتركيا وكل الشعوب العربية المؤمنة بعدالة قضيتها تنتصر. وحماس برفعها الحصار عن جماهيرها وبصمودها وبتطويرها لقدراتها وبتمسكها بثقافة المقاومة تنتصر.
وحماس بوحدة قيادتها وبتمسكها بالثوابت دائما، بعون الله ومدده، تنتصر.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
43509
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7131
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5388
| 13 سبتمبر 2026