رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أخشى ما أخشاه أن توظف الانتفاضة التي شهدتها مصر في 30 يونيو في الانقضاض على ثورة 25 يناير، على نحو يفتح الباب للاصطفاف مع مبارك ونظامه.
(1)
كأننا بصدد إعادة كتابة تاريخ ما جرى في مصر مؤخرا، وكأننا بصدد إحياء التقليد الفرعوني القديم الذي بمقتضاه كان الفرعون الجديد يمحو آثار سابقه من على المسلات وجدران المعابد ليبدأ به التاريخ. وهو ما نلمسه في الكتابات وفي حوارات البرامج التلفزيونية التي تبث هذه الأيام. وهي التي بدأت هجاء للإخوان وهجوما على الرئيس والحكومة، وانتهت تجريحا لثورة 25 يناير وتشويها لصورتها ودعوة إلى طي صفحتها وإخراجها من التاريخ، انتصارا لما اعتبروه ثورة الشعب الحقيقية في 30 يونيو.
قرأت لمن كتب أن 30 يونيو «ثورة على الثورة» (المصري اليوم 6/7) وأن الثورة الأخيرة جاءت بعدما جرت مراجعات كثيرة وجاء الندم ومن بعده الاعتذار. وأن ثورة يناير سقطت في يد الإخوان، ولذلك فإنها لم تحمل البلد إلى الأمام وإنما أعادته قرونا إلى الوراء. وجاء آخر ليقول إن ما حدث في 25 يناير لم يكن ثورة على الإطلاق، وإنما كان انتفاضة شباب لم يخل بعضهم من هوى موجه وممول ضد داخلية حبيب العادلي ثأرا لخالد سعيد (الوطن 21/7). وهي إشارات ترددت في كتابات وحوارات عديدة، خصوصا تلك التي دأبت على بثها القنوات الخاصة التي اشتهرت بأنها قنوات الفلول التي يتصدر الإعلاميون فيها رجال مبارك وابنه جمال. وقد اشتم أحد زملائنا الرائحة في الساحة الفنية فكتب قائلا إن البعض انتهزوا فرصة المرحلة الضبابية التي تمر بها مصر لاستعادة زمن مبارك، واعتبار أن ثورة 25 يناير كانت «نكسة» تعرضت لها مصر. واستشهد ببعض البرامج التي عبرت عن ذلك الموقف ثم عقب قائلا: إنها تمثل البداية لمعركة فضائية قادمة تلوح في الأفق، للانتقام من كل ما يمت بصلة لثورة 25 يناير. والأمر ليس عشوائيا، ولكنه مدبر. ذلك أن المباركيين الجدد يريدون الانتقام من ثورة 25 يناير (طارق الشناوي ــ جريدة التحرير 15/7).
(2)
ما عاد مجديا الجدل حول تكييف ما جرى في 30 يونيو، وهل هو انقلاب أم ثورة، لأن ذلك الجدل بات يعتمد على الهوى السياسي بأكثر من احتكامه إلى مبادئ علم الاجتماع السياسي. وكانت النتيجة أن العالم أصبح يراه انقلابا، في حين أن خطابنا الرسمي وبعض مثقفينا صاروا يقسمون «بالثلاثة» على أنه ثورة كاملة الأوصاف. لكننا إذا تجاوزنا عن تكييف ما جرى فإنني أزعم أن المقابلة بين ما حدث في 25 يناير وبين ما جرى في 30 يونيو ليست في صالح الحدث الأخير، كما أن القول بأن الثانية تنسخ الأولى وتجُبُّها لا يخلو من جرأة تصل إلى حد التغليط الفاضح، إذا سألتني لماذا؟ فردي أوجزه في النقاط التالية:
< ثورة يناير هي التي كسرت حاجز الخوف عند المصريين وأسقطت صورة الحاكم الإله والفرعون المقدس، أما انتفاضة يونيو فكانت فرعا عن الأصل واستلهاما للجرأة التي كانت قد تولدت من قبل.
< ثورة 25 يناير تمت في ظل إجماع شعبي نادر استعادت في ظله الجماعة الوطنية المصرية لحمتها، فاتفقت على الخصم (نظام مبارك وأجهزته القمعية) كما اتفقت على الأهداف (عيش ــ حرية ــ عدالة اجتماعية) أما ما حدث في 30 يونيو فقد تم في ظل انقسام واستقطاب شعبي حاد في المجتمع المصري لاحت فيه نذر الحرب الأهلية التي ضربت الإجماع الوطني.
< موقف الجيش كان مختلفا تماما في المشهدين. ففي 25 يناير وقف الجيش يتابع المشهد عن بعد ثم تدخل لكى يحمى الإجماع الشعبي. أما في 30 يونيو فإن قيادة الجيش كانت في قلب المشهد وعلى صلة به منذ وقت مبكر، وحين تدخلت في ظل الانقسام الوطني، فإن تدخلها كان انتصارا لفريق على فريق آخر.
< ثورة 25 يناير كانت بالأساس ضد الظلم السياسي والاجتماعي ولذلك استخرجت من الناس أجمل وأنبل ما فيهم، أما انتفاضة 30 يونيو فقد كانت ضد الإخوان بالدرجة الأولى، ولذلك كانت محبة الوطن والغيرة عليه وإرادة في الأولى، في حين كانت كراهية الإخوان وإقصاؤهم واقتلاعهم وراء الثانية، الأمر الذي استخرج من الناس أسوأ ما فيهم.
< ثورة 25 يناير كانت ضد رئيس احتكر السلطة بالتزوير، واتسم عهده بالاستبداد والفساد طوال ثلاثين عاما. أما انتفاضة 30 يونيو فقد انطلقت ضد رئيس انتخب ديمقراطيا. بالتالي فإن 25 يناير كانت ثورة على الاستبداد والفساد، أما انتفاضة يونيو فإنها كانت ضربة للمسار الديمقراطي الوليد.
< في أعقاب ثورة 25 يناير وبعدما تولى السلطة في البلاد أول رئيس مدني للدولة منتخب ديمقراطيا في التاريخ المصري تم إخراج الجيش من السياسة بإقالة رئيس المجلس العسكري ورئيس الأركان وحل المجلس العسكري، وحين حسمت هذه المسألة بدا الأفق مفتوحا لإمكانية إقامة النظام الديمقراطي. أما في أعقاب انتفاضة يونيو فقد عاد الجيش كقوة سياسية إن لم يكن القوة السياسية الوحيدة في البلاد، الأمر الذي فتح الباب للحيرة والبلبلة بشأن المستقبل ودور الجيش في صياغته.
(3)
لو أن أحدا قال لي إن الرئيس مرسي ارتكب أخطاء فادحة وجسيمة فلن أختلف معه، ولكي أطمئنه فإنني أحيله إلى ما كتبته بهذا الخصوص في وجوده. ولذلك فإنني أنطلق من التسليم بأخطائه، واختلافي مع معارضيه ليس حول وجود تلك الأخطاء ولكن في كيفية علاجها. إذ في حين أقف في صف الداعين إلى أن يتم العلاج من خلال القانون والدستور، وفيهما الكثير الذي يمكن من خلاله تحقيق تلك الغاية، فإن المعارضين استعانوا بالقوات المسلحة للإطاحة به وعزله. ووضعه في مكان مجهول بدعوى تأمينه، مع عدم السماح لا لمحاميه ولا لطبيبه المعالج بالاتصال به.
لو أن الأمر ظل في حدود ما أصاب الدكتور مرسي وجماعته لهان، ولو كانت النتيجة مقصورة على إزاحة الإخوان من السلطة وتمكين جماعة أخرى محلهم لبلعناه مؤقتا. لأن ما جرى فتح الباب لما هو أكثر جسامة وأشد خطرا. ذلك أن الجيش إذا كان قد فعلها هذه المرة استجابة لنداء الحشود الكبيرة التي خرجت إلى الميادين، فما الذي يمنع أن يفعلها مرة أو مرات أخرى استجابة لنداء حشود أخرى تجمعت في ظرف مغاير.
من ناحية ثانية فإننا لابد أن نستريب من ذلك الهجوم الشرس على ثورة 25 يناير التي وصفها البعض بأنها «نكسة» أصابت مصر، وتجرأ أحدهم ووصف المدافعين عنها بأنهم «مرتزقة»، في سياق هجاء هابط ووصلة ردح تليق بجدران دورات المياه. إلا أن الأمر أبعد من الردح والإسفاف في القول، لأننا فيما بدا بإزاء إعادة لكتابة تاريخ المرحلة الراهنة تباشره أبواق وأصابع الدولة العميقة، التي هي صاحبة المصلحة الحقيقية في إجهاض ثورة 25 يناير والانقضاض عليها.
سيناريو الانقضاض الذي أراه في الأفق الآن ينطلق من الادعاء بأن ما جرى في 25 يناير مؤامرة دبرها الإخوان مع حماس وحزب الله، وهى المؤامرة التي أوصلت الدكتور محمد مرسى ومن ثم أدخلت مصر «الأخونة». أما ما تم خلال الثورة وبعدها من عمليات قتل وقنص وإحراق لبعض المنشآت العامة، إضافة إلى موقعة الجمل التي أريد بها ترويع المتظاهرين وإشاعة الفوضى في ميدان التحرير، وغير ذلك من الحوادث والجرائم التي نسبت ظلما وزورا لما سمى بالطرف الثالث، في حين أنها جميعا كانت من فعل الإخوان. طبقا للسيناريو المرسوم. وهذا الكلام ليس من عندي لأن أغلبه نشرته الصحف المصرية، خصوصا الجريدة التي وصفت المدافعين عن ثورة 25 يناير بأنهم مرتزقة، وذكرت أن «أبالسة» الإخوان هم الذين ضحكوا على المصريين والعالم بأسره حين وصفوا ما جرى في ذلك اليوم بأنه ثورة، وهم الذين صكوا شعارات الثورة ليخدعوا بها الملايين، حين أدعو أن هدفها هو العيش والحرية والعدالة الاجتماعية.
بهذا المنطق الذي جعل أصحابه يكرهون التاريخ ويقلبونه رأسا على عقب، لأنهم يكرهون الإخوان، فإن ثورة 25 يناير والفترة التي تلتها تعد في نظرهم مؤامرة يجب إعلان البراءة منها وجريمة يجب أن تمحى آثارها.
لا يقف السيناريو عند ذلك الحد، لأن نسبة كل الجرائم التي وقعت أثناء الثورة وبعدها إلى الإخوان تصب في هدف أبعد، إذ إنه يبرئ الداخلية وجهاز أمن الدولة ويغسل أيديهم من الدماء والقلاقل التي حدثت في تلك الفترة. وإذا لاحظت أن المحاكم المختلفة في مصر برأت (بالمصادفة!) ضباط أمن الدولة من جرائم التعذيب والقتل التي حدثت أثناء الثورة وبعدها، فسوف تكتشف أننا بإزاء سيناريو محكم ومحبوك، يستهدف في نهاية المطاف غسل أيدي رجال أمن الدولة من دماء الثوار وتبييض صفحة السيد حبيب العادلي، مع تلبيس التهمة للإخوان.
هذا الفيلم الذي يجري إخراجه بهدوء وحقق حتى الآن نجاحا بدا ساحقا له ثلاثة أهداف هي: اغتيال الإخوان وإخراجهم من الساحة ــ تبرئة جهاز أمن الدولة والتمهيد لعودته إلى الساحة (المتحدث باسم وزارة الداخلية أعلن ذلك صراحة وقال إن التاريخ أنصفنا بأسرع مما توقعنا) ــ الهدف الثالث هو فتح الباب للتصالح مع نظام مبارك باعتبار أن الإخوان كانوا خصما له أيضا، وإعمالا للقاعدة التي تقول عدو عدوي صديقي. وهو ما يدعوني إلى التساؤل عما إذا كان ذلك هو المقصود بالمصالحة الوطنية التي يتردد الحديث عنها هذه الأيام.
(4)
أشم في تلك المشاهد المتتابعة رائحة السيناريو الروماني، الذي تمكنت فيه الأجهزة الأمنية من مقدرات البلد بعدما ثارت الجماهير على الرئيس نيكولاي شاوشيسكو، ثم تم إعدامه هو وزوجته في نهاية عام 1989. وظلت أصابع تلك الأجهزة تعبث بالشارع وتتحرك في دوائر المعارضة، وفي تشكيل ما سمي آنذاك بجبهة الإنقاذ الوطني، إلى أن انتهى الأمر بعودة رجال النظام القديم إلى السلطة مرة أخرى.
لا نستطيع أن نستبق ونقول إن ذلك سيحدث في مصر. لكني لا أستطيع أن أتجاهل تلك الرائحة الرومانية التي تفوح في كواليس المشهد، لكنى أنبه فقط إلى إن الباب صار مفتوحا لتوقع ذلك الاحتمال. وهو شك تعززه حقيقة أن الذين يروجون لسيناريوهات المستقبل المقلقة في مصر الآن أطراف ليست فوق الشبهة، لا هم ولا المنابر التي يتكلمون من خلالها.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2642
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1045
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
687
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8703
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2544
| 30 أكتوبر 2026
قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال ومصدريه في العالم، الغاز من الولايات المتحدة بعقود تمتد لعقود. فهل تحتاج دولة تمتلك احتياطيات هائلة إلى الغاز المستورد؟ أم أن الصفقة تعكس تحولاً أعمق في طريقة إدارة تجارة الطاقة؟ في تقديري، لا تكمن أهمية هذه الخطوة في الشراء نفسه، بل فيما قد تضيفه إلى قدرة قطر للطاقة على الوصول إلى الأسواق والوفاء بالتزاماتها. ففي صناعة الغاز، لا تكفي وفرة الاحتياطيات وحدها؛ إذ تكتسب مرونة التوريد وإدارة المخاطر أهمية متزايدة إلى جانب الإنتاج. ففي 22 أكتوبر 2026، أعلنت قطر للطاقة توقيع اتفاقيتين طويلتي الأجل مع شركة شينيير إنرجي الأمريكية لشراء ما يصل إلى أربعة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً، بدءاً من عام 2031 وحتى نهاية عام 2054. وتتوزع الكميات بالتساوي بين منشأة سابين باس في ولاية لويزيانا ومنشأة كوربوس كريستي في ولاية تكساس، بواقع مليوني طن سنوياً من كل منهما. غير أن مليون طن من كميات سابين باس مشروط باتخاذ قرار استثماري نهائي بشأن توسعة المنشأة، ولذلك لا ينبغي التعامل مع كامل الكمية المعلنة باعتبارها مضمونة دون تحفظ. ويرتبط سعر الشراء بمؤشر هنري هب الأمريكي، مضافاً إليه رسم ثابت لم تُعلن قيمته. أما التسليم فيتم على ظهر السفينة في الموانئ الأمريكية، وفق نظام (FOB). وهذا يمنح قطر للطاقة دوراً مباشراً في ترتيب نقل الشحنات، وقد يتيح مرونة في توجيهها إلى الأسواق، في حدود ما تسمح به العقود. وتشير طبيعة الاتفاقيتين إلى أن الغاز المشترى ليس بالضرورة موجهاً للاستهلاك المحلي، بل يمكن أن يدخل ضمن محفظة قطر للطاقة التجارية، ويعاد تسويقه إلى عملائها في آسيا وأوروبا وغيرها. وبذلك تجمع الشركة بين إنتاج الغاز من مواردها المحلية وإدارة إمدادات تحصل عليها من منتجين آخرين.وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم: هل يمكن أن يكون شراء الغاز من الخارج أكثر جدوى من الاعتماد على التوسع في الإنتاج المحلي وحده؟قد يبدو الإنتاج المحلي الخيار الطبيعي لدولة تمتلك احتياطيات ضخمة وخبرة واسعة في هذه الصناعة. غير أن المقارنة ليست بهذه البساطة؛ فزيادة الإنتاج تتطلب استثمارات كبيرة في تطوير الحقول ومنشآت التسييل والبنية التحتية، بينما تتيح عقود الشراء الحصول على إمدادات إضافية دون تحمل التكلفة الرأسمالية الكاملة لإنشاء طاقة إنتاجية مماثلة. ولا يعني ذلك أن الشراء أقل تكلفة أو أكثر ربحية بالضرورة، فلكل خيار التزاماته ومخاطره. لكن الجمع بين الإنتاج والشراء قد يمنح الشركة مرونة أكبر في توظيف رأس المال وتوزيع المخاطر والاستفادة من الفرص التجارية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء الاضطرابات التي شهدتها المنطقة، والتي أظهرت أن امتلاك الغاز لا يضمن دائماً القدرة على تصديره. فقد تتأثر منشآت الإنتاج أو التسييل، أو تتعطل الممرات البحرية، بما ينعكس على انتظام الإمدادات. ومن هنا، فإن تنويع مصادر الغاز قد يوفر بدائل إضافية تعزز قدرة الشركة على التعامل مع الظروف غير المتوقعة. ومع ذلك، فإن الاتفاقيتين لا تمثلان حلاً فورياً لأي نقص حالي، لأن الإمدادات لن تبدأ قبل عام 2031. ولهذا تبدو قراءتهما ضمن تخطيط طويل الأمد أكثر اتساقاً مع طبيعتهما ومدتهما، دون الجزم بأن الاضطرابات الأخيرة كانت السبب المباشر وراء توقيعهما. ومن الناحية التجارية، قد تستفيد قطر للطاقة من اختلاف أسعار الغاز بين الأسواق. فالشراء وفق مؤشر هنري هب الأمريكي، ثم البيع في أسواق ترتبط بمؤشرات سعرية أخرى، قد يوفر فرصاً لتحقيق عوائد مجزية، متى غطت أسعار البيع تكاليف الشراء والنقل والتمويل والمخاطر. غير أن تحديد الربحية الفعلية يتطلب معرفة تفاصيل مالية وتعاقدية لم يُعلن عنها. وتبرز هنا ميزة اقتصادية أخرى للاتفاقيتين، تتمثل في الجمع بين فرص تحقيق العوائد التجارية ومرونة إدارة الإمدادات. فتنوع مصادر الغاز يمنح قطر للطاقة خيارات أوسع في توجيه الشحنات إلى الأسواق المختلفة، والاستفادة من فرص الأسعار والطلب، مع تعزيز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وبذلك لا تقتصر القيمة المحتملة للصفقة على العائد المباشر من بيع الغاز، بل تمتد إلى تحسين كفاءة المحفظة التجارية وتعزيز القدرة التنافسية للشركة على المدى الطويل. ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن استثمارات قطر للطاقة في الولايات المتحدة، ومنها مشروع غولدن باس للغاز الطبيعي المسال في ولاية تكساس. فالجمع بين الاستثمار في مشاريع الإنتاج والتسييل وشراء الغاز من منتجين آخرين يعزز حضور الشركة في أسواق الطاقة العالمية، ويوسع الخيارات المتاحة أمامها. وفي رأيي، فإن هذه هي الدلالة الأهم للصفقة. فقد بنت قطر مكانتها العالمية على تطوير حقل الشمال والاستثمار في منشآت التسييل والتصدير، لكنها قد تكون اليوم بصدد إضافة بعد جديد إلى نموذج أعمالها، يقوم على إدارة محفظة عالمية من إمدادات الغاز، بدلاً من الاعتماد على تسويق إنتاجها المحلي وحده. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب إدارة دقيقة للأسعار والنقل والالتزامات التعاقدية، لأن تنويع المصادر لا يضمن تلقائياً ارتفاع الأرباح أو انخفاض المخاطر. فالقيمة الحقيقية للتنويع تتحقق عندما يسهم في تحسين كفاءة العمليات والعائد الاقتصادي، ويمنح الشركة قدرة أكبر على التعامل مع تغيرات السوق. إن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بعدد ملايين الأطنان التي تشتريها الشركة، بل بقدرتها على تحويل تلك الكميات إلى قيمة اقتصادية حقيقية، من خلال تحقيق عوائد مناسبة، وتعزيز موثوقية الإمدادات، وتقليل التعرض للمخاطر الجغرافية والتجارية. ولعل المفارقة الأهم أن قطر قد تشتري الغاز الأمريكي، لا لأنها تفتقر إلى الغاز، بل لأنها تسعى إلى تطوير قدرتها على إدارة تجارته عالمياً. فامتلاك الغاز يمنحها قوة الإنتاج، أما تنويع مصادره وحسن إدارة تدفقاته فيمنحانها مرونة أكبر في المنافسة والاستمرار. وفي صناعة تتغير فيها الأسواق والمخاطر بسرعة، قد تصبح القدرة على إدارة الغاز بقدر أهمية القدرة على إنتاجه.
1473
| 25 أكتوبر 2026