رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عادت قريش من معركة بدر، مهيضة الجناح، جريحة تجر ذيل الهزيمة المرة، بعدما مُنِيت به من خسارة فادحة، وغرامة هائلة، إذ قتل من سادتهم وزعمائهم من قتل، وأسر منهم من أسر، على أيدي الذين آمنوا بالله ورسوله، وجاهدوا في سبيله حق جهاده، أولئك هم صحابة رسول الله، عليه الصلاة والسلام. وكان من المشركين الذين قتلوا في يوم بدر، أمية بن خلف، والد صفوان بن أمية، صفوان ذلك الابن الذي ظل حزينا مكتئبا على مقتل أبيه، حتى لم يعد يطيب له عيش، ولا يلذ له قوت، ويزيد من هَيَجان واضطراب نفسه، ما يشعر به من حقد وغل على قاتليه، ثم ما يجده من قِصَر اليد، وفقد الحيلة، في طلب ثأره، والأخذ بدمه المهدور، فهو موتور لا يجد سبيلا على واتره.
في ذات يوم خرج صفوان يجول في مكة، لا يدري أين يقصد، خرج هائما على وجهه، بلا وجهة معينة يريدها، من فَرْط ما به من ضجر وضيق، فبينما هو يمشي، إذ لقي عمير بن وهب، أحد رجال قريش وقادتها المبرّزين، وفرسانها الماهرين، وكان هو أيضا ممن ذاق مر الهزيمة النكراء في بدر، وفي نفسه ما فيها من مَوْجِدة وضغينة على المسلمين، ولا سيما وقد أخذوا ولده أسيرا عندهم. فجلس الاثنان، صفوان وعمير يتحدثان، وهما متشاكلان في حالتيهما النفسية، وما يجدانه من شعور أليم على ما بهما من مصاب شديد بسبب المسلمين، فقال صفوان، ذاكراً قتلى بدر: والله ما في العيش بعدهم خير. قال عمير: صدقت، والله لولا دَينٌ علي لا أملك قضاءه، وعيالٌ أخشى عليهم الضَّيعة بعدي، لركبت إلى محمد حتى أقتلَه، فإن لي عنده علةً أعتل بها عليه، أقول: قدمت من أجل ابني الأسير. هنا حَدَقَه صفوان بعينه، واقترب منه، وقال وهو يضرب بكفه على صدره: عليّ دينك يا بن عمي، أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقيت. فسكت عمير هنيهة ثم قال: إذن فاكتم شأني وشأنك، ولا تطلع عليه أحداً أبداً.
أخذ عمير بن وهب، يعد العدة، ويتجهز للسفر إلى المدينة، حاملا معه سيفا صارما مسموما، وانطلق نحو المدينة قاطعا المفاوز، وهو يحث السير، ويحدث نفسه بقرب نيل ثأره، وإشفاء غليله، فكان ذلك يقوي عزيمته، ويُذْكي حماسته، فيما خرج من أجله، فلما قدم المدينة لقيه عمر بن الخطاب، الفاروق، الذي من شدته وبأسه في دين الله، لو سلك شعبا لسلك الشيطان شعبا غير شعبه، فأوجس عمر من مقدمه وظن به شرا، وقال: هذا عدو الله، عمير بن وهب، والله ما جاء إلا لشر. ثم دخل عمر على رسول الله فقال: يا نبي الله، إن عمير بن وهب قد جاء متوشحا سيفه. فقال رسول الله: أدخله علي. فأقبل عمر على عمير، ولبّبه ودخل به على رسول الله، فلما رآه النبي قال: أرسله يا عمر. وقال: ادنُ يا عمير. فدنا عمير في رهبة قد أقلقه الموقف، ثم سأله رسول الله: ما جاء بك يا عمير؟ قال: جئت لابني الأسير الذي في أيديكم. قال: فما بال السيف في عنقك؟ أجاب عمير: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئا- يعني يوم بدر-. قال رسول الله: أصدقني يا عمير، ما الذي جئت له؟ قال: ما جئت إلا لذلك. فقال رسول الله:(بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحِجْر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دَين علي، وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا، فتحمل لك صفوان بدينك وعيالك، على أن تقتلني له، والله حائل بينك وبين ذلك).
فدَهِشَ عمير حينئذ أشد الدَّهَش، وأخذت منه المفاجأة، لعلمه أن هذا الخبر لم يعلمه أحد من البشر، وعلم أن هذا لا يكون إلا بوحي من السماء، من لدن العليم الخبير، جل شأنه، ومما زاد ما به من دهشة أن رسول الله قد أرسله ولطف به مع علمه أنه قادم للفتك به، فما عتَّمَ أن شهد شهادة الحق، ونطق قلبه قبل لسانه: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. فقال النبي لأصحابه:(فقهوا أخاكم في الدين، وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره)، وهكذا أسلم عمير بن وهب بفضل معاملة النبي له بمبدأ قول الله تعالى:(ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)، وكذلك صار عمير وليا حميما، بعد أن كان عدواً أثيما.
كان صفوان بن أمية في أثناء تلك الأيام، يترقب وصول الأخبار من المدينة، ويتشوق إلى سماعها مبشرة بنجاح صاحبه في مهمته، ويسأل عنها القادمين إلى مكة، فلما طال انتظاره اغتم وظن أن في الأمر ما لا يَسُر، وإنه في حالته تلك حتى قدم بعضهم إلى مكة حاملا معه خبر إسلام عمير، وإقامته في المدينة يتفقه في الدين، نزل هذا الخبر كالصاعقة على صفوان، أشعلت في نفسه حريقاً، كاد يذوب له حسرة وأسفا.
عاد عمير من بعدُ إلى مكة، ونفسه مفعمة بروح الإيمان، ونور الهداية، عاد إليها كي يشهرَ إسلامه أمام جميع من في مكة، معلنا دخوله في دين الله بلا خشية ولا رهبة، علّه بذلك يدعو إلى الإسلام، بعد أن كان يصد عنه، ويؤذي أتباعه، ويجاهر بعداوته، فينصر بذلك الإسلام، ويستدرك ما فاته أيام كفره، ولقي هناك صفوان بن أمية، يتميز من غيظه وغضبه، وأراد صفوان لومه ومنازعته فيما أقدم عليه، ولكنه تركه وشأنه، لما رأى منه الحزم والشدة يظهران في أفعاله وأقواله على من يسيء لدينه، فتجنبه وهجره، على ما كان بينهما سابقا من مودة حميمة، وعلاقة قديمة، ولم يمكث عمير في مكة طويلا، حتى عاد إلى المدينة، ومعه نفر ممن يريدون الإسلام.
ثم تمضي السنوات حتى أتى عام فتح مكة، ودخل رسول الله مكة مبشرا ونذيرا، مع أصحابه المهاجرين والأنصار، ومن بينهم عمير بن وهب، الذي تذكر حين دخوله مكة صاحبه وابن عمه، صفوان بن أمية، فراح يسأل عنه ويبحث، حتى يطلب له الأمان من رسول الله بدخوله الإسلام، ولكن صفوان كان قد فر هاربا، خوفا على حياته يريد (جُدَّة) ليبحر منها إلى اليمن، منذ أن عرف بمقدم المسلمين، لم ييأس عمير من ذلك، بل ازداد حرصا وأملا، فذهب إلى رسول الله وقال: يا نبي الله، إن صفوان بن أمية، سيد قومه، وقد خرج هاربا منك، ليقذف نفسه في البحر، فأمنه عليك الصلاة والسلام. فقال النبي: هو آمن. قال عمير: يا رسول الله، فأعطني آية يعرف بها أمانك. فما كان من الرسول الكريم إلا أن أعطاه عمامته التي دخل بها مكة لرحمته ورأفته عليه الصلاة والسلام، وحرصه على أن يؤمن الناس جميعا بربهم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4677
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3318
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1185
| 01 أكتوبر 2026