رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم أحضر المؤتمر السادس لمنتدى الوحدة الإسلامية الذي انعقد ابتداءً من يوم الجمعة الماضي في العاصمة البريطانية لندن، ولم يكن السبب الوحيد هو غيابي في رحلة خارج بريطانيا، إذ لو كنت هنا لما كلفت نفسي عناء حضور هذه المناسبة التي لا تخدم قضية الحوار. ويكفي أنني لم استشر في أي من ترتيبات هذا اللقاء، بل لم أخطر به مسبقاً، رغم أنني من المؤسسين للمنتدى المذكور، وإنما تلقيت الدعوة مثل سائر الناس. وإذا كان القوم يرفضون الحوار مع بقية مؤسسي المنتدى، فكيف يزعمون أنهم من أنصار الحوار بين طوائف الأمة التي ترفع السيوف على بعضها البعض؟
بحسب الأسماء التي وردت في تغطية اللقاء، فإن اللقاء الذي لم تحضره شخصيات ذات تأثير في الأمة لم يعد كونه حملة علاقات عامة لبعض الأنظمة. وقد خلا البيان الختامي من أي ذكر للصراعات التي تمزق الأمة في سوريا والعراق ولبنان والبحرين وغيرها، واكتفى بعبارات عامة مثل "التأكيد على وحدة الأمة" وعلى "حرمة استباحة دماء المسلمين من أهل القبلة بأي ذريعة" و"التصدي لمثيري ثقافة الكراهية بين المذاهب" و"نشر ثقافة التسامح والتقارب بين أبناء الأمة الواحدة".
يذكرني هذا باللقاءات التي دأبت بعض المنظمات الطوعية لترتيبها بين الشباب الفلسطيني والإسرائيلي، أو بين المسلمين واليهود في بلدان عدة، لنشر "ثقافة التسامح" بين العرب واليهود والحوار الديني والتقريب بين الأديان. فهل الخلاف بين الفلسطينيين واليهود هو خلاف على المذاهب والعقائد؟ أم هل الفلسطينيون محتاجون لتعلم "التسامح" الديني حتى يقبلوا بأن تهدم بيوتهم ويهجروا منها؟ وكيف يمكن أن تنظم "معسكرات" حوار بين الشباب في فلسطين المحتلة فيما يتعرض المشاركون الفلسطينيون للإذلال على الحواجز، أو قد تهدم بيوت بعضهم أثناء الاجتماع؟
بنفس المنطق، هل كان أي حوار مع قادة نظام صدام حسين حول هامشية الخلاف بين السنة والشيعة يجدي نفعاً ويمنع قمع النظام؟ بل حتى في إيران اليوم، هل الخلاف بين موسوي والخامنئي هو حول عصمة الأئمة أو نصرة الحسين عليه السلام؟
عندما اندلعت الحروب في صفين وكربلاء لم تكن هناك ذرة خلاف ديني بين المسلمين. كان الجميع يصلون في نفس المساجد، ويروون نفس الأحاديث ويتعبدون بنفس الطريقة. ولكن الثابت هو أن الصراع على الحكم كان سياسياً محضاً غلف بغلاف ديني فيما بعد.
ما سمي بالفرق الدينية في صدر الإسلام لم يكن سوى أحزاب سياسية بغطاء ديني. فالخوارج كانوا الفئة المناهضة للوضع السياسي العام، وكانت تكفر كل من يخالفها. أما المرجئة، فكانوا أنصار الوضع القائم، ويرفضون انتقاد أي جهة، بينما كان المعتزلة إصلاحيين يوجهون النقد للأوضاع القائمة ولكن باعتدال "وسطي". القرآن أكد أن الخلافات بين أتباع الديانات السماوية حتمية، وإنما مصدرها البغي: "وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم". فما وقع في كربلاء وغيرها من عدوان غاشم على مدنيين أبرياء عزل من قبل سلطة غاشمة لمجرد الخلاف في الرأي كان البغي بعينه. وإنما يكون حسم الخلاف بالتصدي للبغي والبغاة ونصرة المظلوم. وليس هناك معنى لوجود الأمة الإسلامية إلا بالقيام بواجبها الوجودي في الشهادة لله بالقسط ولو على الأنفس والأقربين، وبالأخص على الأنفس والأقربين.
بنفس القدر فإن كل ما أنتجته الأحزاب السياسية المتنكرة دينياً من أساطير تنسجها كانت ملونة بالغرض السياسي وتحتاج لكثير من المراجعة والتمحيص. ولكن الأسوأ حين تستخدم هذه الأساطير في عكس ما تمثله وترمز له. فعندما يتعرض أهل القصير للتجويع والعطش والعسف تماماً كأصحاب الحسين في كربلاء، ثم يأتي مجترحو هذه الجرائم اليزيدية لينصبوا رايات تدعي وصلاً بالحسين فوق المساجد التي هدموها بأسلحة وردتهم من عاصمة الكفر والقهر موسكو وبرضاها ومباركتها، فإن هذا يمثل عدواناً على الحسين عليه السلام أسوأ من جريمة كربلاء. فتلك جريمة أودت بالأجساد وكتبت لضحاياها الشهادة. أما هذا التشويه لرسالة الحسين ورمزيته فهو عدوان على مبادئه وما استشهد من أجله، وتدمير لرسالته.
من هذا المنطلق فإن الحديث عن خلافات طائفية ومذهبية مع إهمال الخلفيات السياسية والواقعية لهذه الخلافات هو من باب خداع النفس على الأفضل، والالتفاف على الأمور وليّ عنق الحقيقة على الأرجح. فالاستخدام السياسي للطائفية يبدأ بالعدوان على الطائفة المزعومة وفرض سطوة زعيم فرِض عليها، وافتعال العداوة مع الآخرين للظهور بمظهر المدافع عن الطائفة. والدكتاتور لا تهمه عقيدة من يخالفه، لأن قسوة الأسد على مخالفيه العلويين أشد من قسوته على غيرهم، وكذلك صدام مع مخالفيه من السنة.
إذا أردنا إصلاح ذات البين وسط المسلمين فإن البداية تكون بكف البغي والعدوان بينهم، والانتصار للمظلوم من الظالم، وفي أضعف الإيمان إنكار الظلم صراحة وبدون أي مواربة وتلجلج. فلن تقوم علاقة وفاق بين الناس على ظلم وكذب وتخادع، ولا ينبغي، أما تصوير صراع الدنيا على أنه صراع دين فهو كذب على الله ورسوله.
بنفس القدر لا نحتاج إلى مراجعة الكتب السماوية حتى نعلم علم اليقين أن في سوريا اليوم طائفتين، واحدة تمارس الإجرام وتقتل وتدمر من دون وازع من دين أو خلق، ولا يهمها من يموت أو يهجر من أجل أن تبقى في السلطة، والأخرى تدافع عن نفسها ضد البغي والعدوان والقهر.
وفي كل طائفة قوم من كل الأديان والمذاهب. وهنا نحتاج إلى اتباع مقولة الإمام علي عن أن الرجال يعرفون بالحق، وليس العكس. فمن ينحاز للإجرام فهو مجرم أياً كان دينه، والعكس كذلك.
وكل من يزعم أن الإسلام يبرر الإجرام فإن الله بريء منه ورسوله والمؤمنون. وهذا هو أساس الحوار والتلاقي. فالأمة لن تتواطأ على ظلم ولن تجتمع على ضلالة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليست الإجازة الصيفية مجرد أيام تُطوى بعيداً عن الدراسة، وليست فترة فراغ تُستهلك بين النوم الطويل والشاشات الممتدة وساعات الانتظار، في الحقيقة هي موسم استثنائي لصناعة الشخصية، وفرصة ثمينة لإعادة اكتشاف المواهب وتنمية القدرات وبناء القيم التي قد لا تجد المساحة الكافية خلال العام الدراسي. ولهذا السبب تحرص الدولة، من خلال مؤسساتها وهيئاتها ومراكزها المتخصصة، على تقديم عشرات البرامج والأنشطة والفعاليات التي تستهدف مختلف الفئات العمرية، وتراعي احتياجات الأبناء والبنات، وتمنحهم بيئة آمنة ومفيدة تجمع بين المتعة والفائدة. لقد بذلت الجهات المعنية في الدولة من وزارات ومؤسسات ومراكز وجمعيات جهوداً كبيرة في تصميم برامج صيفية متنوعة تشمل المجالات الثقافية والعلمية والرياضية والفنية والتطوعية والتقنية، مع مراعاة أن تكون في متناول الأسر من حيث التكلفة والوقت والمكان. كما رُوعي أن تتمكن أكبر شريحة ممكنة من أفراد المجتمع من الاستفادة منها، وأن تكون الأعباء المالية محدودة بحيث لا تشكل عائقاً أمام مشاركة الأبناء. ولذلك لم يعد هناك مبرر حقيقي لترك الأبناء أسرى الفراغ أو رهن ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية، بينما تتوافر أمامهم فرص حقيقية للتعلم والنمو واكتساب الخبرات. إن مشاركة الأبناء في الأنشطة الصيفية ليست ترفاً، بل استثمار طويل الأمد في مستقبلهم. فكل مهارة يتعلمها الطفل اليوم قد تتحول غداً إلى موهبة متميزة أو مشروع ناجح أو مسار مهني واعد. وكل قيمة إيجابية يكتسبها من خلال العمل الجماعي أو التطوع أو تحمل المسؤولية سترافقه طوال حياته. كما أن هذه البرامج تسهم في تعزيز الثقة بالنفس، وتنمية مهارات التواصل، وترسيخ روح المبادرة والاعتماد على الذات. ومن المؤسف أن ينظر بعض أولياء الأمور إلى هذه الأنشطة على أنها مجرد وسائل لملء الوقت، بينما هي في الواقع أدوات تربوية وتعليمية متقدمة. فالدول المتقدمة تدرك أن بناء الإنسان لا يقتصر على التعليم النظامي داخل المدارس، بل يمتد إلى كل تجربة تثري الفكر وتصقل الشخصية. ولذلك تستثمر كثير من المجتمعات الناجحة في برامج النشء والشباب خلال الإجازات الصيفية بمبالغ وجهود كبيرة، إدراكاً منها أن الطالب في هذه الفترة يكون أكثر استعداداً للتجربة والاكتشاف، وأكثر تقبلاً للتعلم عندما يُقدم له بأسلوب تفاعلي ممتع بعيد عن ضغوط الاختبارات والواجبات. والجميل في الأنشطة الصيفية الحديثة أنها لم تعد تقدم المعرفة بصورة تقليدية جامدة، بل أصبحت تمزج بين الترفيه والتعليم بطريقة احترافية تجعل الأبناء يتعلمون وهم يستمتعون. فالطفل قد يكتسب مهارات القيادة من خلال لعبة جماعية، ويتعلم مبادئ البرمجة عبر ورشة تفاعلية، ويكتشف أهمية العمل التطوعي من خلال مبادرة مجتمعية، وكل ذلك في أجواء محفزة وممتعة. إن المسؤولية اليوم لا تقع على الجهات المنظمة وحدها، بل تبدأ من الأسرة التي تملك القرار الأول في توجيه أبنائها نحو الاستفادة من هذه الفرص. فكما نحرص على نجاح أبنائنا الدراسي، يجب أن نحرص على بناء شخصياتهم وتنمية مهاراتهم واستثمار أوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع. الإجازة الصيفية ستمضي سريعاً، لكن أثرها قد يبقى سنوات طويلة. وبين صيف يضيع في الفراغ وصيف يُبنى فيه الإنسان، يكمن الفرق بين وقت مستهلك ووقت مستثمر. والقرار في النهاية يبدأ من الأسرة، لأنها الشريك الأول في صناعة جيل أكثر وعياً وقدرةً وإسهاماً في خدمة وطنه ومجتمعه.
5754
| 07 يوليو 2026
لم يكن إغلاق مضيق هرمز مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على حماية اقتصاداتها، وقدرة الشركات على مواصلة أعمالها في واحدة من أكثر البيئات التجارية حساسية في العالم. فهذا الممر البحري لا يمثل فقط شريانًا رئيسيًا لتجارة النفط والغاز، وإنما يعد أحد أهم الممرات التجارية في العالم، إذ تعتمد عليه حركة جزء كبير من الواردات والصادرات التي تغذي اقتصادات دول الخليج وتؤمن احتياجاتها من المواد الخام والسلع ومستلزمات الإنتاج. نجاح الدولة... وتحديات القطاع الخاص خلال تلك المرحلة أثبتت دولة قطر جاهزية عالية في إدارة الموقف، فلم تشهد الأسواق المحلية نقصًا في السلع الأساسية، واستمرت حركة التجارة بصورة مطمئنة، ونجحت الجهات المعنية في الحد من أي آثار مباشرة على المستهلك. ويعكس ذلك نجاح الاستثمارات في الأمن الغذائي، وتطوير الموانئ، وتعزيز البنية التحتية، وتنويع مصادر الاستيراد، وبناء منظومة متقدمة لإدارة الأزمات. ومع ذلك، فإن نجاح الاقتصاد الكلي لا يعني بالضرورة أن جميع الشركات خرجت دون خسائر. فالاقتصاد قد يحافظ على استقراره العام، بينما تتحمل بعض الشركات تكاليف إضافية وضغوطًا تشغيلية نتيجة ظروف خارجة عن إرادتها. من تضرر فعلاً؟ هل قامت جهة رسمية بحصر الشركات القطرية التي تأثرت بصورة مباشرة من إغلاق مضيق هرمز؟ وهل نملك اليوم صورة واضحة لحجم تلك الأضرار وطبيعتها؟ لقد واجهت بعض شركات الاستيراد ارتفاعًا في تكاليف الشحن، كما ارتفعت أقساط التأمين البحري، واضطرت بعض الشركات إلى تغيير مسارات النقل أو الاعتماد على وسائل أكثر كلفة. كما تأثرت بعض المنشآت الصناعية التي تعتمد على استيراد المواد الخام أو المكونات التشغيلية. أما قطاع المقاولات، فمن أكثر القطاعات حساسية لأي اضطراب في سلاسل الإمداد. فكثير من المشاريع تعتمد على استيراد الرخام، والسيراميك، والأدوات الصحية، وأنظمة التكييف، والمصاعد، والواجهات الزجاجية، والألومنيوم، ومواد العزل، ومواد التشطيبات المختلفة، وأي تأخير في وصولها قد ينعكس مباشرة على الجدول الزمني للمشروعات ويرفع تكلفة التنفيذ ويؤثر في التدفقات النقدية. كما امتد التأثير إلى شركات الخدمات اللوجستية والنقل، بينما واجه قطاع الضيافة ضغوطًا إضافية، خصوصًا المنشآت التي تتحمل رسومًا خدمية ثابتة كما هو الحال في عدد من المشروعات بمدينة لوسيل. أما الشركات الصغيرة والمتوسطة فهي غالبًا الأقل قدرة على امتصاص الصدمات. الحصر قبل الدعم إن الخطوة الأولى ليست تقديم الدعم، وإنما حصر الأضرار بصورة دقيقة وبناء قاعدة بيانات وطنية توثق حجم الضرر ونوعه ومدى ارتباطه المباشر بالظروف الاستثنائية. ولا تقتصر أهمية هذا الحصر على تقدير حجم الضرر، بل تمتد إلى بناء قاعدة بيانات تساعد في سرعة اتخاذ القرار إذا واجه الاقتصاد ظروفًا مشابهة مستقبلاً. ما شكل المساندة؟ إذا اتفقنا على أن الحصر هو البداية، فإن الخطوة التالية هي إنشاء آلية مؤسسية تضم الجهات الاقتصادية والمالية ذات العلاقة، تتولى تقييم الطلبات وفق معايير واضحة وشفافة. ويمكن إطلاق منصة إلكترونية تستقبل طلبات الشركات المتضررة مدعومة بالمستندات التي تثبت طبيعة الضرر. وبعد دراسة الطلبات، يمكن تصنيف الشركات وفق حجم الضرر بما يضمن توجيه أي مساندة إلى مستحقيها. ولا يشترط أن تكون المساندة في صورة تعويضات مالية مباشرة، فقد تشمل تأجيل بعض الرسوم الحكومية، أو إعادة جدولة الالتزامات المالية، أو منح تسهيلات ائتمانية، أو توفير ضمانات حكومية للقروض التشغيلية، أو منح مرونة في تنفيذ العقود الحكومية عندما تثبت الظروف القاهرة. كما قد يكون من المناسب دراسة منح بعض المنشآت الفندقية التي يثبت تضررها مرونة في بعض الالتزامات الثابتة، بما في ذلك الرسوم الخدمية أو مواعيد استحقاقها. الاستعداد للأزمة القادمة المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، فالقطاع الخاص أيضًا مطالب بتعزيز جاهزيته من خلال تنويع الموردين، وزيادة المخزون الاستراتيجي، ووضع خطط لاستمرارية الأعمال، إلى جانب تعزيز التعاون مع الجهات الحكومية لتسريع معالجة التحديات عند وقوعها. ولا يهدف هذا الطرح إلى معالجة أزمة انتهت فحسب، بل إلى الاستفادة من دروسها لبناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية. فكل أزمة تحمل معها فرصة لمراجعة السياسات، وتطوير الأدوات، وتعزيز جاهزية الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص. إن قوة الاقتصاد لا تُقاس فقط بقدرته على تجاوز الأزمات، بل بقدرته على التعلم منها والاستعداد لما بعدها. وإذا كانت قطر قد نجحت في إدارة أزمة مضيق هرمز بكفاءة عالية، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون فرصة لترسيخ نموذج اقتصادي أكثر مرونة، يقوم على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وعلى التخطيط الاستباقي، وعلى بناء منظومة مؤسسية قادرة على رصد آثار الأزمات واحتوائها. فحماية الشركات المتضررة ليست حماية لأصحابها وحدهم، بل هي حماية للاستثمار، وللاقتصاد، ولسوق العمل، ولمسيرة التنمية. وعندما ننجح في تحويل تجربة صعبة إلى فرصة لتطوير السياسات ورفع الجاهزية، فإننا لا نكون قد تجاوزنا مرحلة استثنائية فحسب، بل نكون قد وضعنا أساسًا أكثر قوة وصلابة لمواجهة الأزمات المستقبلية بثقة أكبر، واقتصاد أكثر مرونة، وقطاع خاص أكثر قدرة على الاستمرار والنمو.
4035
| 04 يوليو 2026
قدَّم منتخب الرأس الأخضر في مواجهته أمام الأرجنتين نموذجًا كرويًا يتجاوز القراءة التقليدية لمعادلة القوة في كرة القدم، حيث لم يعد الاسم أو الإرث التاريخي معيارًا حاسمًا لتحديد ملامح التفوق، بل أصبحت التفاصيل الدقيقة داخل المستطيل الأخضر هي التي تعيد تشكيل موازين الهيبة بين المنتخبات. لقد دخل الرأس الأخضر اللقاء بعقلية لا تكتفي بردّ الفعل، بل تسعى إلى فرض وجودها كقيمة تنافسية قائمة بذاتها. انضباط يتجاوز الشكل التكتيكي إلى وعيٍ جماعي بكيفية إدارة مجريات المباراة، حيث بدا الفريق وكأنه يتحرك كوحدة واحدة تُدرك بدقة متى تهاجم ومتى تُحسن التمركز، ومتى تُعيد ضبط إيقاعها أمام ضغط خصم يملك خبرة وتاريخًا وثقلاً عالميًا. وفي هذا السياق، لم تكن المواجهة مجرد اختبار فني، بل امتحانًا ذهنيًا أمام أحد أكثر المنتخبات اكتمالًا في كرة القدم الحديثة. فالأرجنتين، رغم تفوقها الفردي، وجدت نفسها أمام خصم لا يمنحها لحظات راحة، ويجبرها على التعامل مع كل تفصيلة في المباراة بجدية كاملة، وكأنها مواجهة مفتوحة حتى اللحظة الأخيرة. ما قدمه الرأس الأخضر في هذه المواجهة لا يُختزل في أداء لحظي، بل في نموذج سلوكي يعكس أن الهيبة ليست قيمة ثابتة في كرة القدم، بل بناء نفسي يتغير وفق طريقة استقباله من الطرف الآخر. فعندما يُلغى هذا البناء من الوعي، تتغير طبيعة المباراة نفسها. ورغم الخروج من البطولة، فإن الأثر الذي يتركه هذا النوع من الأداء يتجاوز حدود المنافسة اللحظية، ليصبح جزءًا من الذاكرة الكروية التي تُنصف الفرق التي تُجيد صناعة صورتها داخل الملعب حتى في لحظات الخسارة. كلمة أخيرة: قدّم منتخب الرأس الأخضر درسًا مباشرًا للمنتخبات التي تفتقر إلى الشجاعة داخل الملعب، إذ يثبت أن الجرأة المنضبطة والوعي الجماعي ليسا مجرد أدوات تكتيكية، بل قوة قادرة على قلب موازين المواجهة، وكسر الفوارق مع المنتخبات الكبرى، وفرض الندية الحقيقية بعيدًا عن سطوة الاسم أو التاريخ.
1446
| 05 يوليو 2026