رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
کان لدى الشاه الإيراني جيشاً يعتبر واحداً من أقوى جيوش العالم، وکان يعتبر شرطي أمريکا في المنطقة، ولم يفكر أحد ان مثل هذا الرجل القوي سيتهاوى ويصبح أثراً من الماضي. وعندما استلم الخميني مقاليد الأمور في إيران عام 1979 بدأ يشيع بأنه سوف يقوم بتصدير الثورة الإيرانية لبقية دول المنطقة التي كان يصفهم بالأنظمة الكافرة والعميلة للغرب. ولكن كانت هناك عقبة أمامه لابد من إزاحتها قبل الشروع بهذا التصدير وهو العراق. وبدأت القيادة الإيرانية بحملة إعلامية واسعة وكبيرة لزعزعة وإسقاط النظام العراقي معتقدة بأن شيعة العراق سوف يقفون معها، ولكن ما حصل كان عكس التوقعات الإيرانية. ولهذا بدأت الحرب الإيرانية العراقية والتي امتدت لثماني سنوات (من 1980 إلى 1988). وبدأت مخاوف الدول الخليجية بالتزايد، ووقعوا، في فبراير 1981، وفي استحياء شديد، اتفاقية إنشاء مجلس التعاون والتي ـ خوفاً من إيران ـ لم تأت على أي ذكر للنواحي الأمنية، أو التعاون العسكري. ومع ذلك فقد أنشأت دول الخليج في أكتوبر 1982 قوات درع الجزيرة المشتركة. واتفق أن يكون مقره قرب الحدود بين الكويت والعراق في السعودية. وأصبح درع الجزيرة يثير مخاوف بعض دول المجلس، وبخاصة ما جرى من نزاع حول حقل الشيبة وحادثة مركز الخفوس الحدودي والتوتر الحدودي بين عمان والإمارات وبين السعودية وعمان، لذلك كان التعاون المشترك في هذا الدرع هشا. وعندما اجتاحت العراق دولة الكويت، لم يكن بدرع الجزيرة سوى 5000 جندي، معظمهم سعوديين. وطالب السلطان قابوس بزيادة أعداد القوات إلى مائة ألف جندي، إلا أنه مع هزيمة القوات العراقية في فبراير 1991، والخوف من درع الجزيرة، وبضغط سعودي كبير، فقد صرف النظر، بنهاية 1991، عن زيادة القوات، واستعيض عنها في 1994 بالاتفاقية الأمنية. وظهر الخلاف جلياً بين قطر ودول الخليج أثناء تصاعد الصراع بين اليمن الشمالي والجنوبي في 1994 حيث انحازت دول الخليج، باستثناء قطر، إلى جانب الحزب الاشتراكي (الجنوب)، وقدموا له دعماً مادياً وإعلامياً وسياسياً ومع ذلك خسر الحرب. وزاد الخلاف بين قطر و"بعض" دول المجلس عندما أشارت أصابع الاتهام لمشاركة "بعضهم" في الحركة الانقلابية الفاشلة في قطر عام 1996.
إن مجلس التعاون الخليجي، في منشوراته، يدعي أنه حقق العديد من الإنجازات الاقتصادية والمالية والاجتماعية والثقافية والتربوية والبيئية والجمركية. ولنأتي إلى ذكر الانجازات الاقتصادية. فقد اتفقت دول الخليج على إنشاء هيئة مشتركة، لكن هذه الهيئة وجدناها تعطل مصالح رجال الأعمال الخليجيين، لفائدة رجال الأعمال في دولة المقر (حدثت معي شخصياً) ولذلك وجدنا إمارة دبي تضرب عرض الحائط بقرارات هذه الهيئة، لأنها أضرت برجال الأعمال بدبي، وأنشأت لها مواصفاتها الخاصة. أما الإنجازات التربوية، فقد كانت قطر من الدول المتقدمة في المجال التربوي، وكانت مناهجها تضارع مناهج أكثر الدول المتقدمة، ولكن عندما تم إقرار المنهج التربوي الخليجي الموحد، وجدنا تراجعاً حقيقياً في تحقيق الأهداف التربوية القطرية، لأن المناهج أعدت لتناسب توجهات دولة معينة. أما على مستوى الإنجازات الجمركية، فلقد تم إنشاء الاتحاد الجمركي الخليجي، ووجدنا بعض الدول الخليجية تفرض التعرفة الخليجية الموحدة والتي تبلغ 5 % من قيمة السلعة على مواطنيها التجار ولكن على الأوراق فقط. أما الاتفاقية النقدية، فإن قطر على علم بالخسائر المالية التي ستتكبدها من الاتفاقية النقدية لمجلس التعاون، وذلك لأن الريال القطري أقوى من عملات الدول الخليجية الأخرى (ما عدا الكويت) وعلى أثر هذه الاتفاقية سيتم تخفيض قيمة الريال القطري، ومع ذلك وقعت قطر على الاتفاقية لأن هدفها توحيد الكلمة. (تخفيض العملة هو الذي منع بريطانيا من الدخول في السوق الأوروبية المشتركة). ونكتفي بما ذكر من أمثلة.
إنه من المعيب أن ينشأ مجلس تجتمع فيه القيادات وفي الأخير يتضح لنا أن كل دولة تضحك على الدول الأخرى لتحقيق مصالح خاصة لها ولمواطنيها على حساب الآخرين. إنه من الصعب علينا أن نفهم لماذا يتم التعدي على حدود الدول داخل الكيان الواحد الذي يسمى مجلس تعاون، أو يتجسس البعض على الآخر، أو كما شاهدنا مؤخراً، تآمر دول المجلس على دولة أخرى، ولم تكتف تلك الدول بذلك بل قاموا بإشعال نار الفتنة بين شعوب المنطقة. ومن العجيب أن معظم تحركات بعض دول المجلس تكون سريعة فيما نهى الله عنه مثل "ولا تعتدوا" و"ولا تجسسوا" و"ولا تفرقوا" و"لا يغتب بعضكم" وغيرها الكثير. هل هذا مجلس يستحق الإشادة به والمطالبة باستمراره. إنني شخصياً، ولما ذكرته من أسباب ولغيره الكثير التي أعلمها ولا أريد مشاركة الآخرين بها، ضد بقاء دولة قطر بمجلس التعاون الخليجي ولكن للأخطار الكثيرة التي تريد النيل من دول الخليج فإنني مع المجلس بعلاته.
وفي الختام نعترف بأننا القطريين ناس طيبين ونلتزم بالاتفاقيات المبرمة مع دول المجلس وغيرها ومع ذلك حدث ما حدث. وفيها نقول كما قال طرفة بن العبد:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على المرء من وقع الحسام المهند
ونقول لدول الخليج التي ـ ولأول مرة بالتاريخ ـ مزقت الصف الخليجي كما قال الفرزدق:
فإن تنأ عنا لم نضرك وإن تعد *** تجدنا على الود الذي كنت تعهد
أما مجلس التعاون بشكله الحالي لن يفيد دول المنطقة وكما قال الشاعر:
وما ينفع المدفون عمران قبره *** إذا كان فيه جسمه يتهدم
سيري يا قطر الخير واليمن والبركات وعين الله ترعاك.
والله من وراء القصد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4245
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3174
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1116
| 28 سبتمبر 2026