رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا نستطيع أن نراهن على الاستقرار في مصر ما لم نضع حدا للظلم وبغير ذلك، لن تكون للإرهاب نهاية.
(١)
هذه قصة صغيرة تثير القصة الكبيرة والخطرة المسكوت عليها، فقد نشرت الناشطة الشابة المصرية منى سيف رسالة على صفحتها على فيسبوك وجهتها إلى الأجانب بعد اكتشاف جثة الباحث الإيطالي ريجيني، حذرتهم فيها من القدوم إلى مصر لأي سبب، فذكرت أن مناخها بات موبوءا والموت والرعب ينتظر كل أجنبي، وإن السلطات المصرية عاجزة عن حماية الأجانب، بعدما أصبح الأجنبي معرضا للاتهام بأنه جاسوس فضلا عن أنه بات بوسع كل شرطي أن يحتجز أو يعذب أي عابر سبيل في الطريق لأي سبب... إلخ.
بعدما ظهرت الرسالة على صفحتها على موقع فيسبوك انتقدها كثيرون، وكان أبرزهم الكاتب القدير والمناضل اليساري المخضرم الأستاذ صلاح عيسى. إذ نشر تعليقا عن دعوتها استهله بالعبارة التالية: لا أعرف على وجه التحديد طبيعة المشاعر التي دفعت منى سيف إلى كتابة الرسالة. مضيفا أنها «لو وجهت ضد نظام الحكم الحالي أو ضد الشرطة والقوات المسلحة لا يمكن اعتبارها ــ مع كثير من التسامح ــ مجرد وجهة نظر سياسية خاطئة ومضرة، تتصادم مع وجهة نظر أغلبية المصريين الذين يساندون النظام، ولكن الرسالة في جوهرها تتوجه ضد الشعب المصري. إذ هي بدعوتها السياحة الأجنبية لعدم زيارة مصر تسعى إلى زيادة الصعوبات الاقتصادية والمعيشية التي يعانيها المصريون منذ سنوات، كما أنها تتبنى وجهة نظر فوضوية يتوهم أصحابها أن الوسيلة الوحيدة لدفع الشعب المصري ليتخلى عن مساندة نظام الحكم الحالي هي تجويعه وتصعيب الحياة اليومية عليه، وختم الأستاذ صلاح تعقيبه قائلا إن منى سيف وأمثالها من الفوضويين الذين يتوهمون أنهم ثوريون، وأنهم يدافعون عن حقوق الإنسان وعن الديمقراطية، وأنهم يحاربون ما يسمونه سلطة الانقلاب في حين أنهم لا يحاربون إلا الشعب المصري.
(٢)
أتفق مع الأستاذ صلاح عيسى في موقفه، وأعارضه في الحجج التي أوردها. بما يعني أن الإدانة في محلها إلا أن المنطوق معيب والحيثيات مشوبة بالتغليط، ذلك أنني معه في أن دعوة الأجانب لعدم القدوم إلى مصر أيا كان الموقف من نظامها خطأ جسيم. مع ذلك فقد استغربت قوله إنه لا يعرف طبيعة المشاعر التي دفعتها إلى كتابة ذلك الكلام. إذ توقعت أن يكون هو من أكثر الناس معرفة بظروفها وطبيعة مشاعرها. فهي ابنة أسرة عانت طويلا من الظلم والاضطهاد. بدءا من الأب والشقيقة وانتهاء بشقيقها علاء الذي يعد من أشهر المساجين المصريين الذين دفعوا ثمنا باهظا لاعتراضهم على المحاكمات العسكرية ولمواقفهم السياسية، وهو ينفذ الآن حكما بسجنه خمس سنوات. إذ حين تمر الفتاة بهذه التجربة – (في محيطها المباشر، ناهيك عن غير المباشر) فلا يستغرب أن تمتلئ بالنقمة والسخط، وتلك خلفية تساعدنا تفهم موقفها الذي دفعها إلى التعبير عن نفسها بذلك الأسلوب.
عندى ثلاث ملاحظات على مضمون تعليق الكاتب القدير:
• إن ما صدر عن الأستاذة منى سيف بولغ في حجمه بأكثر من اللازم. ذلك أنني لم أسمع به إلا بعد التعليق الذي صدر عن الأستاذ صلاح عيسى، لذلك فادعاؤه بأن ما ذكرته على صفحتها الخاصة يمكن أن يؤدى إلى تطفيش المستثمرين والسياح وتجويع المصريين وتهديد مستقبل الشعب المصري، كلام يعطيها وزنا أكبر مما ينبغي ويحمل كلامها بأكثر مما يحتمل. ذلك أنه ليس أكثر من «فشة خلق» لا تستحق أكثر من العتاب، لا التهويل الذي يمكن أن يؤدى إلى تجريمها ومحاكمتها.
• إن الأستاذ صلاح في مرافعته وسعها «حبتين» حين ذكر أن كلامها كان يمكن التسامح معه لو أنه كان ضد نظام الحكم الحالي أو أنه كان ضد الشرطة والقوات المسلحة، وذلك إفراط شديد في التفاؤل، لأن الكاتب يعلم أن ثمة شبابا كثيرين يقبعون بلا محاكمة في السجون منذ سنة أو سنتين لأنهم اتهموا بما هو دون ذلك بكثير، أحدهم صبي معتقل منذ ٧٠٠ يوم لمجرد أنه ارتدى يوما ما قميصا «تى شيرت» كتبت عليه عبارة «وطن بلا تعذيب».
• إنني تمنيت ألا يضم الأستاذ صلاح المدافعين عن حقوق الإنسان والديمقراطية الذين يمثلون بعض آمالنا في انصلاح الأحوال، ضمن الفوضويين، خصوصا أنه كان يوما ما من ضحايا غياب الديمقراطية واستمرار الانتهاكات التي عانت منها أسرة الأستاذة منى سيف.
(٣)
القضية أكبر بكثير من كونها رأيا ناقما ورد عليه. ذلك أن حالة الأستاذة منى تنبهنا إلى خطورة ما يحدثه الظلم والاضطهاد في عائلات ومحيط المظلومين، فإنزال الظلم بأناس والتنكيل بهم لا يروعهم أو يصيبهم وحدهم، ولكنه يشيع درجات من السخط والغضب في أسرهم، ويجعل أبناءهم وأشقاءهم بمثابة كيانات مملوءة بالنقمة، وهو ما يحولهم إلى مشروع ألغام وقنابل موقوتة جاهزة للانفجار في أي وقت. وإذا انتبهنا إلى أن المساجين السياسيين يقدر عددهم بأربعين ألفا، حسب التقديرات الحقوقية، فذلك يصور لنا النتائج السلبية الفادحة التي تترتب على استمرار احتجازهم وتلفيق القضايا لهم. إذ إن ذلك يحول ذويهم إلى جيش من الساخطين على كل شيء في البلد، وهؤلاء يصبحون جاهزين لممارسة العنف بمختلف درجاته، بما في ذلك العمليات الانتحارية.
مشهورة عبارة ابن خلدون التي ذكر فيها أن الظلم مؤذن بفساد العمران، إلا أن خبرة ذاكرة القهر علمتنا أن الظلم يخرب الإنسان أيضا وليس العمران وحده. وذاكرة القهر عنوان لكتاب للدكتورة بسمة عبد العزيز درست فيه استفاضة حالات المعذبين، الذين تعرضوا للتشويه النفسي والبدني.
موقف الأستاذة منى سيف يعد نموذجا مخففا للغاية لأصداء الظلم في محيط المظلومين، وهو الجانب المسكوت عليه رغم أنه يختزن مشاعر النقمة والعنف ويجهز لعوامل الانفجار لذلك فلا بد أن يدهش المرء إزاء تعدد التجارب المعاصرة التي كان فيها الظلم أحد أهم مصادر العنف في المجتمعات العربية، بحيث ظل بطش السلطة ملهما ومعلما لشيوع العنف في تلك المجتمعات. مع ذلك فإن أحدا لم يتعلم أو يعتبر، لا من تجربة جماعة التكفير التي ظهرت في مصر خلال سبعينيات القرن الماضي، ولا من نموذج تنظيم داعش الذي يروع كثيرين هذه الأيام بعدما القيت بذوره في السجون العراقية والسورية.
استوقفني في هذا السياق تقرير بثّته وكالة «رويترز» للأنباء (في ١٥/٢) تحدث عن محاولات داعش اختراق الواقع المصري، قالت فيه إن الأجواء السائدة في البلاد أحدثت تدهورا في الأوضاع الأمنية، تزامن مع الفراغ الأيديولوجي الناشئ عن استمرار الصراع مع الإخوان، الأمر الذي وفر أرضا خصبة تمكن التنظيم الإرهابي من مد نشاطه إلى مصر. لم أستطع التثبت من أصل التقرير ولكنني وجدت خلاصة له نشرتها صحيفة الديار اللبنانية في ١٦/٢.
في اليوم ذاته ١٥/٢ نشرت جريدة «الشروق» تقريرا تحدث عن التحاق مئات من شباب الإخوان الذين لجأوا إلى تركيا إلى تنظيم داعش. ونسب التقرير معلومة إلى شخص باسم محمد هرب بعد أن وضع اسمه في أحد محاضر الضبط والإحضار على ذمة قضايا للتظاهر من دون ترخيص، الأمر الذي اضطره للهرب «لأن ذلك أفضل من السجن».
إذا صحت معلومات جريدة «الشروق»، فلن يكون ذلك التقرير الأول من نوعه، لأن الصحف المصرية دأبت على الحفاوة بانفراط عقد الجماعة وإبراز خلافات قياداتها وتمرد شبابه، مع إشارات مستمرة إلى العلاقة المفترضة بين الإخوان وتنظيم داعش الذي أفتت قياداته في وقت سابق بتكفيرها.
هذا كله لا أستبعده، خصوصا أن بعض الباحثين الجادين الذين تطرقوا إلى حاضر الجماعة ومستقبلها توقعوا وحذروا من تحول بعض شبابها إلى داعش، إذا تمكن منهم اليأس والإحباط وأمام انسداد الأفق الذي لا يتيح لهم التعلق بأي أمل في المستقبل.
(٤)
هل هذا المصير ــ إذا تحقق ــ يخدم الاستقرار والمصلحة الوطنية؟ هل المطلوب أن نصيب الأبرياء باليأس، ويملؤهم بالغضب والنقمة بحيث يصبح خيار العنف الوحيد المتاح أمامهم؟ وهل هذا النهج يسهم في مكافحة الإرهاب أم أنه يحث عليه ويوسع نطاقه؟ ــ أكرر أنني أتحدث عن الأبرياء الذين أشير إلى مظلوميتهم أكثر من مرة. وليس عندي أي دفاع أو أعذار لمن ثبت تورطهم في العنف، إذا ما تم ذلك من خلال تحقيق نزيه وليس اعتمادا على تقارير كيدية ملفقة.
يثير الدهشة أن ذلك الموضوع مسكوت عليه، رغم أنه بات ينذر بخطر لا ينبغي لمسؤول عاقل أن يتجاهله. وتتضاعف الدهشة حين نفاجأ بأن الجهاز الأمني المنسوب إليه إيقاع الظلم وممارسة التعذيب دفع أخيرا باتجاه إغلاق مركز «النديم» لعلاج ضحايا التعذيب. إذ بدلا من مراجعة سياسة التعذيب وتخفيف حدة الغضب والاحتقان، فإن السياسة الأمنية أرادت للتعذيب أن يستمر على وتيرته، وألا يمكن ضحاياه من الشفاء والتعافي بما يمكنهم من التصالح مع المجتمع.
في الأجواء الراهنة الملتبسة والملبدة بالغيوم فإن دائرة التشوه اتسعت كثيرا. إذ تجاوزت الضحايا وأسرهم إلى المجتمع بأسره. الذي بات يستقبل أخبار «التصفية» بعدم اكتراث مستغرب. بحيث ما عاد أحد يهتز ضميره الإنساني حين يقرأ أن عشرة أو عشرين شخصا تمت تصفيتهم بقذيفة من الجو، ولا يتساءل كيف ثبت أن هؤلاء إرهابيين ولا عن احتمال أن يكون بينهم برئ أو مستحق للسجن وليس القتل. بل حين ألغت محكمة النقض حكما بإعدام ١٥٠ شخصا، ولم تبرئهم وإنما دعت إلى إعادة محاكمتهم أمام دائرة أخرى، فإن بعض الأصوات عبرت عن الغضب والاحتجاج لأن الإعدام تأجل، في انحياز صريح إلى القتل والدم واستهجان للإنصاف والعدل.
إن الاستغراق في مواجهة التطرف والإرهاب صرف الانتباه عن إذكاء الاعتدال والدفاع عنه. رغم أن الأول استثناء عارض والثاني يمثل الأصل الذي ينبغي أن نثبته ونعض عليه بالنواجذ. ولم يخل الأمر من جوانب أخرى عبثية، بحيث صارت بعض الجهات تحارب الإرهاب بالمؤتمرات والبيانات والمقالات، في حين تركت تفاعلات المجتمع وثمار السياسات المتبعة تخصم من رصيد الاعتدال حينا بعد حين، بحيث مضت تزود التطرف والإرهاب بالغاضبين والناقمين الذين وجدوا الخلاص في التفجير والعمليات الانتحارية.
إننا لا نستطيع أن نراهن على الاستقرار ولا الاعتدال ما لم نطو صفحة الظلم بما يحيى الأمل عند الناس ويعيد بسمة الرضى والاطمئنان إلى وجوه الضحايا وذويهم المقهورين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8862
| 20 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7194
| 15 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4704
| 22 سبتمبر 2026