رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثمة خطر حقيقي باتت تمثله الجماعات والتنظيمات التي ترتدي حلة الإرهاب، والتي لا يقف تهديدها عند حد محاولة تقويض الدولة الوطنية في النظام الإقليمي العربي, بل مجمل أمنه القومي, وهو ما يستوجب البحث عن إطار مغاير, لكل الأطر والقنوات والمنافذ المتاحة حاليا, فضلا عن التصورات القائمة للتعاطي بحسم مع هذا الخطر، وذلك بعد ثبوت فشلها في التصدي للظاهرة التي توصف في الأدبيات السياسية بالآفة إن لم تكن قد أسهمت في توسيع هامشها وتمددها مثلما حدث في الأشهر القليلة المنصرمة فتمدد تنظيم مثل داعش في مساحات شاسعة في كل من العراق وسوريا وأخيرا وجد له موقع قدم في ليبيا، وأعلن عن حضوره بقوة في كل منطقتي درنة وسرت وقدم أوراق اعتماد هذا الحضور, عبر الإقدام على إعدام 21 عاملا مصريا ينتمون إلى ديانة أخرى ذبحا بأسلوب شديد الهمجية.
والمنظور العربي للتعاطي بحسم مع الإرهاب بات عنوانا دائما, في كل لقاء ومنتدى ومؤتمر, سواء بمشاركة النخب الرسمية أو النخب السياسية والفكرية وهو أمر محمود, بيد أنه لم ينتج حتى الآن سوى تصورات غير قادرة على ملامسة الواقع, وتتسم بالفعالية المحدودة في تحليل الظاهرة ومنهجية العمل للخلاص منها ليس على المدى المنظور, ولكن على المدى البعيد, حتى تتفرغ مجتمعاتنا العربية للبناء, عوضا عن تركيز جهودها ومقدراتها وطاقاتها في حروب داخلية مع تنظيمات تشرع سيف التمرد تحت راية الإسلام.
وفي هذا السياق, ثمة طروحات ظهرت في الآونة الأخيرة تدعو إلى فكرة بناء قوة عربية مشتركة لدحر الإرهاب, كان في مقدمتها اقتراح الدكتور نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية, والذي جاء ضمن الدراسة المهمة التي أخذت عنوان "صيانة الأمن القومي العربي"، وتقدم به للاجتماع الطارئ لمجلس الجامعة, الذي عقد على مستوى وزراء الخارجية منتصف يناير الماضي, والذي يستند إلى ميثاق الجامعة العربية الصادر في العام 1947, واتفاقية الدفاع العربي المشترك المبرمة في العام 1950 والبروتوكولات الإضافية لها التي تتضمن إيجاد نظام دفاعي إقليمي مشترك مرن, ومتكامل للدفاع الجماعي وحفظ السلم والأمن في المنطقة, وإنشاء قيادة عامة موحدة لقوات التدخل العسكرية, وفقا لمقتضيات المعاهدة أو أي صيغة أخرى يتم التوافق عليها. واللافت أن الاقتراح تضمن الدعوة لعقد اجتماع عاجل لمجلس الدفاع العربي المشترك (وزراء الخارجية العرب ووزراء الدفاع لبحث إمكانية تشكيل قوات التدخل العسكري العربي والآليات اللازمة لعملها ومرجعياتها السياسية والقانونية ووسائل تنظيم عملها وتشكيلاتها العسكرية والدول الأعضاء والمساهمة فيها, إلا أنه سرعان ما صدر تصريح من الأمانة العامة للجامعة, ينفي مثل هذه الدعوة, الأمر الذي عكس قدرا من التباين في مواقف الدول العربية خلال الجلسة المغلقة, التي عقدها وزراء الخارجية في اجتماعهم الطارئ لبحث هذه الدراسة, التي قام الأمين العام للجامعة بإعدادها بناء على تكليف سابق من وزراء الخارجية العرب, فتقرر إجراء المزيد من المناقشات في قطاع الأمن القومي بالجامعة وهو قطاع مستحدث ضمن هيكلية الأمانة العامة ومكلف بمتابعة كل الشئون ذات الصلة بقضايا الأمن القومي والمهددات التي تواجه النظام الإقليمي العربي.
وحسبما يقول السفير محمد صبيح الأمين المساعد للجامعة العربية لشئون فلسطين والأراضي المحتلة لكاتب هذه السطور, فإن الجامعة تنبهت مبكرا لهذا الخطر الإستراتيجي, الذي تجسده هذه التنظيمات والجماعات الإرهابية وفي صدارتها "داعش", والذي يسعى إلى زعزعة النظام الإقليمي العربي بأسره , وترويع مواطنيه العرب على الأرض العربية, من خلال استعمال أساليب وحشية قاسية خارجة عن تقاليد هذه الأمة وأعرافها, ودينها السمح بهدف واحد على الرغم من تباين مسميات هذه الجماعات والتنظيمات, يتمثل في محاولة النيل من الدين الإسلامي وسمعة المسلمين والإسلام عبر عمليات وحشية إجرامية, تجلت في آخر مظاهرها في هذا العمل الإجرامي الذي أصاب مجموعة من المواطنين المصريين الآمنين العزل, والتعامل بهذا القدر من القسوة معهم مما استوجب إدانة عربية شاملة لهذا الفعل.
وفي ضوء هذه المعطيات, فإنه بات من الضرورة بمكان, بلورة موقف عربي موحد, في التعاطي بفعالية مع المخططات التي تعمل هذه الجماعات والتنظيمات الإرهابية على تنفيذها في المنطقة العربية.
وقد سألت ضمن بحثي عن كيفية التعامل مع هذه الإشكالية السفير هاني خلاف مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للشئون العربية, عن منظوره لتشكيل قوة عربية مشتركة, فأفاد بأنه كان من أوائل من طرحوا مثل هذا المقترح, في كتابه الذي أصدره في العام 2010 بعنوان"الدبلوماسية المصرية والهموم العربية", مضيفا: لقد طالبت آنذاك بتشكيل قوة عربية للتدخل السريع في حالات الطوارئ ووجود أي مهددات لأمن إحدى الدول العربية, وذلك تنفيذا لجوهر اتفاقية الدفاع العربي الموقعة بين الدول الأعضاء بالجامعة العربية في العام 1950, أي بعد تأسيس الجامعة بخمس سنوات, ومنذ ذلك التاريخ لم يتم تحديث أي آلية للتعاون العسكري فيما بين الدول العربية باستثناء تأسيس مجلس للأمن والسلم, والذي ما زال يخضع للدراسة, ومن ثم فإنه بات مطلوبا بإلحاح تشكيل قوة عربية تضم الدول الأعضاء بالجامعة العربية الراغبة في الانضمام إليها, والقادرة والفاعلة مثل مصر والسعودية والإمارات والمغرب والجزائر وغيرها, بما يتفق مع أهداف ميثاق الجامعة وكذلك ميثاق الأمم المتحدة.
وتكمن الأهداف المنوطة بهذه القوة- كما يقول - في التعامل مع التنظيمات الإرهابية,عندما تعرض أمن إحدى الدول العربية للخطر مثلما حدث مع كل من العراق وسوريا ومصر وليبيا, إلى جانب توفير الحماية للمدنيين في أي دولة عربية عندما يواجهون أي مخاطر, بالإضافة إلى إمكانية القيام بتنسيق توصيل المساعدات الإنسانية, ومساعدة اللاجئين والنازحين, والعمل على إعادتهم إلى مناطقهم وغير ذلك من مهام تستوجب وجود مثل القوة المشتركة.
على أية حال، فإن خيار تشكيل هذه القوة, بات مطروحا داخل أروقة الجامعة العربية التي تقوم قطاعاتها السياسية والأمنية بدراسته بتوسع وعمق على نحو يدفع به ,إلى الواقع العملي- وحسب مصدر رفيع المستوى بالأمانة العامة للجامعة العربية- فإن هذا الخيار سيكون على رأس الملفات التي سيتم طرحها على القمة العربية السادسة والعشرين التي ستعقد بشرم الشيخ يومي 28 و29 مارس المقبل بعد أن يتم إقراره من قبل الاجتماع التحضيري للقمة ضمن الدورة الـــ143 لمجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية, في الأسبوع الأول من الشهر نفسه.
ويأتي تنظيم "مؤتمر الأمن الإقليمي والتحديات التي تواجه الدول العربية "والذي ينظمه المجلس المصري للشؤون الخارجية بالتعاون مع جامعة الدول العربية، اليوم الإثنين والذي سيشارك فيه نخبة من أبرز رؤساء مراكز البحوث والدراسات الإستراتيجية العربية كخطوة ممهدة لتعاطي وزراء الخارجية العرب والقادة العرب مع المسألة الإرهابية, خاصة أنه سيركز على اقتراح عدد من الإجراءات والتدابير العملية القابلة للتنفيذ لمكافحة الإرهاب, في مقدمتها الإمكانيات المتاحة لإنشاء منظومة دفاعية وأمنية عربية مشتركة لمواجهة التنظيمات الإرهابية.
الصمت كنز
تَأَمَّلْ صاحِ هل لاحظتَ شيئًا أحَقَّ بِطُولِ سَجنٍ من لسانِ؟! وكم ضاقت صدورٌ من حروفٍ تعجَّلَت المُضِيَّ بلا... اقرأ المزيد
108
| 01 يونيو 2026
وداعا عبدالله بن حمد العطية
رحم الله الوالد سعادة عبدالله بن حمد العطية نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الطاقة الأسبق الذي توفي في... اقرأ المزيد
198
| 01 يونيو 2026
قطر.. موقف ثابت دعما لسيادة واستقرار لبنان
يشكل التصعيد العسكري الخطير للكيان الاسرائيلي في جنوب لبنان، الذي تجاوز كل الخطوط رغم اتفاق وقف اطلاق النار،... اقرأ المزيد
114
| 01 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
2829
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2538
| 31 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1608
| 29 مايو 2026