رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثمة خطر حقيقي باتت تمثله الجماعات والتنظيمات التي ترتدي حلة الإرهاب، والتي لا يقف تهديدها عند حد محاولة تقويض الدولة الوطنية في النظام الإقليمي العربي, بل مجمل أمنه القومي, وهو ما يستوجب البحث عن إطار مغاير, لكل الأطر والقنوات والمنافذ المتاحة حاليا, فضلا عن التصورات القائمة للتعاطي بحسم مع هذا الخطر، وذلك بعد ثبوت فشلها في التصدي للظاهرة التي توصف في الأدبيات السياسية بالآفة إن لم تكن قد أسهمت في توسيع هامشها وتمددها مثلما حدث في الأشهر القليلة المنصرمة فتمدد تنظيم مثل داعش في مساحات شاسعة في كل من العراق وسوريا وأخيرا وجد له موقع قدم في ليبيا، وأعلن عن حضوره بقوة في كل منطقتي درنة وسرت وقدم أوراق اعتماد هذا الحضور, عبر الإقدام على إعدام 21 عاملا مصريا ينتمون إلى ديانة أخرى ذبحا بأسلوب شديد الهمجية.
والمنظور العربي للتعاطي بحسم مع الإرهاب بات عنوانا دائما, في كل لقاء ومنتدى ومؤتمر, سواء بمشاركة النخب الرسمية أو النخب السياسية والفكرية وهو أمر محمود, بيد أنه لم ينتج حتى الآن سوى تصورات غير قادرة على ملامسة الواقع, وتتسم بالفعالية المحدودة في تحليل الظاهرة ومنهجية العمل للخلاص منها ليس على المدى المنظور, ولكن على المدى البعيد, حتى تتفرغ مجتمعاتنا العربية للبناء, عوضا عن تركيز جهودها ومقدراتها وطاقاتها في حروب داخلية مع تنظيمات تشرع سيف التمرد تحت راية الإسلام.
وفي هذا السياق, ثمة طروحات ظهرت في الآونة الأخيرة تدعو إلى فكرة بناء قوة عربية مشتركة لدحر الإرهاب, كان في مقدمتها اقتراح الدكتور نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية, والذي جاء ضمن الدراسة المهمة التي أخذت عنوان "صيانة الأمن القومي العربي"، وتقدم به للاجتماع الطارئ لمجلس الجامعة, الذي عقد على مستوى وزراء الخارجية منتصف يناير الماضي, والذي يستند إلى ميثاق الجامعة العربية الصادر في العام 1947, واتفاقية الدفاع العربي المشترك المبرمة في العام 1950 والبروتوكولات الإضافية لها التي تتضمن إيجاد نظام دفاعي إقليمي مشترك مرن, ومتكامل للدفاع الجماعي وحفظ السلم والأمن في المنطقة, وإنشاء قيادة عامة موحدة لقوات التدخل العسكرية, وفقا لمقتضيات المعاهدة أو أي صيغة أخرى يتم التوافق عليها. واللافت أن الاقتراح تضمن الدعوة لعقد اجتماع عاجل لمجلس الدفاع العربي المشترك (وزراء الخارجية العرب ووزراء الدفاع لبحث إمكانية تشكيل قوات التدخل العسكري العربي والآليات اللازمة لعملها ومرجعياتها السياسية والقانونية ووسائل تنظيم عملها وتشكيلاتها العسكرية والدول الأعضاء والمساهمة فيها, إلا أنه سرعان ما صدر تصريح من الأمانة العامة للجامعة, ينفي مثل هذه الدعوة, الأمر الذي عكس قدرا من التباين في مواقف الدول العربية خلال الجلسة المغلقة, التي عقدها وزراء الخارجية في اجتماعهم الطارئ لبحث هذه الدراسة, التي قام الأمين العام للجامعة بإعدادها بناء على تكليف سابق من وزراء الخارجية العرب, فتقرر إجراء المزيد من المناقشات في قطاع الأمن القومي بالجامعة وهو قطاع مستحدث ضمن هيكلية الأمانة العامة ومكلف بمتابعة كل الشئون ذات الصلة بقضايا الأمن القومي والمهددات التي تواجه النظام الإقليمي العربي.
وحسبما يقول السفير محمد صبيح الأمين المساعد للجامعة العربية لشئون فلسطين والأراضي المحتلة لكاتب هذه السطور, فإن الجامعة تنبهت مبكرا لهذا الخطر الإستراتيجي, الذي تجسده هذه التنظيمات والجماعات الإرهابية وفي صدارتها "داعش", والذي يسعى إلى زعزعة النظام الإقليمي العربي بأسره , وترويع مواطنيه العرب على الأرض العربية, من خلال استعمال أساليب وحشية قاسية خارجة عن تقاليد هذه الأمة وأعرافها, ودينها السمح بهدف واحد على الرغم من تباين مسميات هذه الجماعات والتنظيمات, يتمثل في محاولة النيل من الدين الإسلامي وسمعة المسلمين والإسلام عبر عمليات وحشية إجرامية, تجلت في آخر مظاهرها في هذا العمل الإجرامي الذي أصاب مجموعة من المواطنين المصريين الآمنين العزل, والتعامل بهذا القدر من القسوة معهم مما استوجب إدانة عربية شاملة لهذا الفعل.
وفي ضوء هذه المعطيات, فإنه بات من الضرورة بمكان, بلورة موقف عربي موحد, في التعاطي بفعالية مع المخططات التي تعمل هذه الجماعات والتنظيمات الإرهابية على تنفيذها في المنطقة العربية.
وقد سألت ضمن بحثي عن كيفية التعامل مع هذه الإشكالية السفير هاني خلاف مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للشئون العربية, عن منظوره لتشكيل قوة عربية مشتركة, فأفاد بأنه كان من أوائل من طرحوا مثل هذا المقترح, في كتابه الذي أصدره في العام 2010 بعنوان"الدبلوماسية المصرية والهموم العربية", مضيفا: لقد طالبت آنذاك بتشكيل قوة عربية للتدخل السريع في حالات الطوارئ ووجود أي مهددات لأمن إحدى الدول العربية, وذلك تنفيذا لجوهر اتفاقية الدفاع العربي الموقعة بين الدول الأعضاء بالجامعة العربية في العام 1950, أي بعد تأسيس الجامعة بخمس سنوات, ومنذ ذلك التاريخ لم يتم تحديث أي آلية للتعاون العسكري فيما بين الدول العربية باستثناء تأسيس مجلس للأمن والسلم, والذي ما زال يخضع للدراسة, ومن ثم فإنه بات مطلوبا بإلحاح تشكيل قوة عربية تضم الدول الأعضاء بالجامعة العربية الراغبة في الانضمام إليها, والقادرة والفاعلة مثل مصر والسعودية والإمارات والمغرب والجزائر وغيرها, بما يتفق مع أهداف ميثاق الجامعة وكذلك ميثاق الأمم المتحدة.
وتكمن الأهداف المنوطة بهذه القوة- كما يقول - في التعامل مع التنظيمات الإرهابية,عندما تعرض أمن إحدى الدول العربية للخطر مثلما حدث مع كل من العراق وسوريا ومصر وليبيا, إلى جانب توفير الحماية للمدنيين في أي دولة عربية عندما يواجهون أي مخاطر, بالإضافة إلى إمكانية القيام بتنسيق توصيل المساعدات الإنسانية, ومساعدة اللاجئين والنازحين, والعمل على إعادتهم إلى مناطقهم وغير ذلك من مهام تستوجب وجود مثل القوة المشتركة.
على أية حال، فإن خيار تشكيل هذه القوة, بات مطروحا داخل أروقة الجامعة العربية التي تقوم قطاعاتها السياسية والأمنية بدراسته بتوسع وعمق على نحو يدفع به ,إلى الواقع العملي- وحسب مصدر رفيع المستوى بالأمانة العامة للجامعة العربية- فإن هذا الخيار سيكون على رأس الملفات التي سيتم طرحها على القمة العربية السادسة والعشرين التي ستعقد بشرم الشيخ يومي 28 و29 مارس المقبل بعد أن يتم إقراره من قبل الاجتماع التحضيري للقمة ضمن الدورة الـــ143 لمجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية, في الأسبوع الأول من الشهر نفسه.
ويأتي تنظيم "مؤتمر الأمن الإقليمي والتحديات التي تواجه الدول العربية "والذي ينظمه المجلس المصري للشؤون الخارجية بالتعاون مع جامعة الدول العربية، اليوم الإثنين والذي سيشارك فيه نخبة من أبرز رؤساء مراكز البحوث والدراسات الإستراتيجية العربية كخطوة ممهدة لتعاطي وزراء الخارجية العرب والقادة العرب مع المسألة الإرهابية, خاصة أنه سيركز على اقتراح عدد من الإجراءات والتدابير العملية القابلة للتنفيذ لمكافحة الإرهاب, في مقدمتها الإمكانيات المتاحة لإنشاء منظومة دفاعية وأمنية عربية مشتركة لمواجهة التنظيمات الإرهابية.
انتفاضة أم هبة في فلسطين..؟
ثمة من يحاول أن يقلل من الحراك الشعبي المدهش في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة بوصفه مجرد هبة جماهيرية... اقرأ المزيد
383
| 11 يناير 2016
أحوال الأمة في العام 2016
بعد ساعات قليلة، نعانق العام الجديد 2016 وثمة تساؤل يدق الرؤوس: هل سنشهد أحوالا مغايرة لأحوالنا في العام... اقرأ المزيد
443
| 28 ديسمبر 2015
ليبيا .. الخروج من دائرة الوجع
ينطوى الاتفاق السياسي الذي وقع عليه الفرقاء الليبيون بمدينة الصخيرات المغربية يوم الخميس الماضي, على رغبة حقيقية في... اقرأ المزيد
313
| 21 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4599
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3198
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1245
| 28 سبتمبر 2026