رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما تزال أعمال العنف تتصاعد في سوريا رغم تبني الجمعية العامة للأمم المتحدة لقرار يدين القمع في سوريا ويدعو الرئيس السوري بشار الأسد للتنحي ووقف القمع الوحشي ضد المتظاهرين في البلاد.
ودخلت الانتفاضة السورية مرحلة أكثر عنفا حينما اجتاحت يوم السبت الماضي موجة أخرى من موجات العنف الدموي العاصمة السورية دمشق، عندما قامت قوات أمن النظام بإطلاق الذخيرة الحية والغاز المسيل للدموع على مشيعين حضروا لتشييع جنازة ثلاثة من الشبان الذين قتلوا في مظاهرة احتجاج سابقة ضد الأسد.
ومع اشتداد وتيرة الصراع في سوريا واقتراب ذكرى مرور عام كامل على انطلاق الثورة السورية في مارس المقبل، وفي ظل غياب أي بارقة أمل تخفف من وطأة أعمال العنف وتحقق آمال وتطلعات الشعب السوري للحرية، فإن خطوات سوريا أصبحت على قاب قوسين أو أدنى من فوضى عارمة مركبة.
ومع ذلك، فلقد ظهر سيناريو آخر جديد على مسرح الأزمة السورية، وهو أن وضع سوريا كما هو عليه الآن بات يشابه الوضع في أفغانستان، فالأصوات التي كانت تحذر في السابق من مخاطر حرب أهلية، أيقنت أن سوريا اليوم ماضية أكثر فأكثرلأن تصبح أفغانستان القادمة.
وذكر رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية الأمريكي، جيمس كلابر، أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي خلال جلستها الخميس الماضي: "هناك ظاهرة أخرى مثيرة للقلق، وهي أننا لاحظنا مؤخرا وجود متطرفين اخترقوا جماعات المعارضة". وأضاف أن التفجيرات التي شهدتها دمشق وحلب خلال شهر ديسمبر من العام الماضي "تحمل كلها بصمات القاعدة، لذلك نعتقد أن القاعدة في العراق آخذة في مد نفوذها إلى سوريا".
وذكرت صحيفة ديلي تلغراف في نوفمبر من العام الماضي أن عبد الحكيم بلحاج، رئيس المجلس العسكري في طرابلس، والزعيم السابق للجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة، كان في اسطنبول واجتمع مع قادة الجيش السوري الحر. وأعقب ذلك تقرير آخر من صحيفة كراسنايا زفيزدا الروسية، كشف عن أن ليبيا تقوم بتزويد جماعات المعارضة في سوريا بالمال والسلاح، ووفقا للصحيفة، فلقد تم نشر كتيبة من المقاتلين الليبيين بقيادة بلحاج، على الحدود التركية السورية. وفي الوقت نفسه، ذكرت قناة روسيا اليوم الفضائية، أنه تم إرسال نحو 600 جندي ليبي لمساعدة مجموعات المعارضة في سوريا في صراعهم المصيري ضد نظام الأسد.
إلا أن أعضاء الجيش السوري الحر نفوا نشر أي مجموعة من المقاتلين الليبيين على الحدود السورية، وقال المتحدث باسم الجيش السوري الحر، الرائد ماهر النعيمي - في حوار لصحيفة الشرق الأوسط في ديسمبر من العام الماضي - أن مجموعته ليس لديها أي اتصال مع عناصر عربية أو أجنبية.
ورغم هذا الإنكار، إلا أنه و بلا أدنى شك فإن الاضطرابات الجارية والصراع المحتدم في سوريا يفتحان الباب على مصراعيه أمام الجماعات المتطرفة للإسراع في انتهاز هذه الفرصة.
ومؤخرا، دعا زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري في شريط فيديو ظهرعلى مواقع جهادية على الإنترنت، والذي جاء بعنوان "إلى الأمام يا أسود سوريا"، المسلمين إلى نصرة الشعب السوري بكل ما يملكون لمساعدتهم على مواجهة قوات الأسد.
وكان الهدوء قد خيم على تنظيم القاعدة خلال ظهور انتفاضات الربيع العربي، كما أن مقتل زعيمها أسامة بن لادن قد زاد الطين بلة، إذ مثل ضربة موجعة للقاعدة. ولكن مع دعوة الظواهري السوريين إلى حمل السلاح ضد نظام الأسد بغية التحرر والاقتصاص منه من أجل العدالة، فإنه من الواضح أن الجماعات المتطرفة سوف تشارك بنشاط وفاعلية في الصراعات الإقليمية الدائرة في المنطقة العربية لإثبات وجودها، في محاولة فيما يبدو لرفع روحها المعنوية، لقد رأت الجماعات المتطرفة في الأزمة السورية فرصة سانحة تحقق لهم طموحاتهم، خصوصا بعد أن رأت تردد الدول العربية والغربية والأمم المتحدة حيال الأزمة في سوريا، وعدم اتفاقها على ما يمكن عمله كحسم فوري لإنقاذ الشعب السوري، بالإضافة إلى غياب صيغة سياسية ناجعة من أجل تهدئة الاضطرابات ناهيك عن وقف التظاهرات وتنحي الأسد.
سوف تجد هذه الجماعات المتطرفة فرصة لاستخدام سوريا كقاعدة لعملياتها الجهادية وساحة لحربها الفكرية، حيث يمكنهم نشر أفكارهم المتطرفة والإعداد لبدء حروبهم المقدسة في جميع أنحاء المنطقة، ولقد نجحت هذه الجماعات بالفعل في تسويق أفكارها وبالتالي في إيجاد موطئ قدم لها في بعض الدول العربية والإسلامية، إذ أنهم يستقطبون عقول الشباب وقلوبهم للتغرير بهم، مستغلين في ذلك الأخطاء التي تقع فيها أنظمة بعض الدول، وها هي سوريا تقدم لهذه الجماعات المتطرفة الفرصة المؤاتية على طبق من ذهب، وتفتح لهم بابا يدخلون من خلاله للحصول على الهدف المنشود.
وبالفعل، قام تنظيم القاعدة في العراق بالبدء في حشد عناصره الميدانية للسير نحو الأراضي السورية، حيث أشارت تقارير إخبارية هذا الأسبوع إلى أن مكتب رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي كان قد أصدر بيانا جاء فيه أنه تم اتخاذ التدابير اللازمة لتعزيز الأمن في الحدود العراقية السورية لمنع تهريب الأسلحة، بعد مزاعم تفيد بأن كميات ضخمة من الأسلحة وجحافل من المسلحين المسلمين السُنة قد دخلوا إلى الأراضي السورية.
ومع جلاء القوات الأمريكية ومغادرتها العراق، واستمرار الصراع الداخلي، فإن كثيرا من هؤلاء المتطرفين ظلوا يبحثون عن مناطق نزاع أخرى يستطيعون من خلالها توسيع رقعة الاضطرابات في المنطقة، ويرى هؤلاء في سوريا أرض ميعادهم وبغيتهم التي يمكنهم فيها تحقيق الكثير من أجل قضيتهم التي يدعون لها، حيث إن الجماعات المتطرفة هذه لم تستطع إسقاط الحكومة الحالية التي يقودها الشيعة في العراق، ولذلك كان لا بد لتنظيم القاعدة في العراق من البحث عن بدائل أخرى لإعادة تأكيد وبسط نفوذ القاعدة في المنطقة.
إن وصول عناصر تنظيم القاعدة إلى سوريا لن يؤدي إلى تعقيد الأمور وتفاقم الأزمة هناك فحسب، بل سيكون له أيضا تأثير كبير على الدول المجاورة لسوريا مثل لبنان والأردن والعراق.
وإذا ما حدث ذلك، فإننا نتوقع أن يأخذ شكل الصراع ثلاثة محاور:
المحور الأول: سيكون الصراع ما بين تلك الجماعات المتطرفة ونظام الأسد، فهذه الجماعات المتطرفة تتشاطر نفس الهدف الاستراتيجي لابن لادن والداعي لإسقاط الحكام العرب، مثل الأسد، كما يحدوهم الأمل في تأسيس نظام حكمهم الإسلامي القاعدي الخاص بهم، ووضع لبنات فكرهم المتطرف في جميع أنحاء المنطقة العربية. والمحور الثاني: هو اندلاع الحرب الأهلية الحقيقية في سوريا بين مختلف المجموعات العرقية والقبلية في البلاد، وهذه الجماعات لديها أنواع شتى من المعتقدات والولاءات، وبعضها موالية للأسد في حين أن البعض الآخر مناهض له، وهذا ما سيزيد النار اشتعالا والحرب الأهلية استفحالا في ظل النزاع المتفجر أصلا. أما المحور الثالث: فسيكون العنف الطائفي بين السنة والشيعة، فلقد ظلت هذه الفتنة النائمة تعكر صفو الوحدة الوطنية في سوريا وتهدد أمنها وتقض مضاجع السوريين في مختلف أرجاء البلاد.
وهناك احتمال كبير بأن تؤدي الأزمة السورية في نهاية المطاف إلى أن تصبح سوريا النسخة العربية من أفغانستان أخرى، أو بالأحرى أسوأ من أفغانستان، خاصة إذا ما تمكنت الجماعات المتطرفة من إدخال إسرائيل في الصراع وتكبير مساحة الأزمة.
ومما لا شك فيه، أن الصراع سيمتد ليهدد أمن البلدان المجاورة، وبطبيعة الحال لن تتأثر فقط الدول العربية المجاورة لسوريا مثل العراق أو لبنان، ولكن سوف تكون إسرائيل طرفا في الصراع وذلك بسبب موقع سوريا الاستراتيجي. وإذا تمكنت هذه الجماعات المتطرفة من قلب نظام الأسد وأصبح لها نفوذ قوي في سوريا، فإنها قطعا ستعمل على تمكين أجندتها السياسية الخاصة بها والتي تسعى لبسط نفوذها على مجمل الخارطة العربية وتعزيز فكرها القاعدي في الدول العربية الأخرى، ومن أجل تحقيق ذلك، فإنها حتما ستشن حربها المقدسة ضد كل أولئك الذين تعتبرهم أعداءها، وهذا يعني تحديدا إسرائيل وبقية الدول الغربية الذين يعارضون خطها الفكري المتطرف. أضف إلى ذلك أن هذه الجماعات ربما تنال قدرا من التعاطف من قِبل الدول العربية الأخرى التي اجتاحتها رياح الربيع العربي، مثل مصر وتونس وغيرها من بلدان الربيع، والتي تمكنت فيها الجماعات الإسلامية من اكتساح القوى الأخرى ونالت ثقة الناخبين، وبالتالي نالت نصيب "الأسد" من الكعكة الحكومية.
ولذلك، فإننا نحث المجتمع الدولي والأمم المتحدة على عدم التردد، واتخاذ إجراءات فورية وحاسمة ضد الأسد وإجباره على التنحي، قبل أن يحدث ما لا يحمد عقباه وتصل سوريا إلى النقطة التي يكون فيها للجماعات المتطرفة كامل التصرف في شؤون البلاد والعباد. وإذا لم يقم المجتمع الدولي الآن بواجبه الإنساني والأخلاقي تجاه الأزمة في سوريا، فإنه سيتركها تلاقي مصيرها المحتوم ووقتها سيكون هناك المزيد من التعقيد على الوضع المتأزم بالفعل، فلا نريد في العالم العربي أفغانستان أخرى على خارطة الوطن العربي، ولا يرغب أحد منا في مشاهدة التناحر الطائفي والتفكك الاجتماعي واشتعال الحروب واصطلائها بسعير الفتن والمحن، لاسيَّما أن الوضع العربي يرثى له.
رئيس تحرير جريدة البننسولا
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
1713
| 31 مايو 2026
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
1668
| 30 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1545
| 29 مايو 2026