رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يشتعل في منطقتنا صراع حربي، يتلوه صراع حربي جديد، إذ كل صراع حربي صار بمثابة فتيل إشعال لصراع حربي آخر، حتى وصلت الأمور إلى حد الاشتعال الكامل والدائم، وهو ما أنتج حالة معقدة من حروب الخطوط والمواقع المتداخلة التي تربك العقول وتثير حالة شاملة قاسية من الفوضى، تؤثر على فهم ما يجري وتحديد المواقف منه.
هي حالة تحدث حين تندلع وتتطاول الحروب والصراعات داخل أكثر من بلد في ذات المنطقة، وحين تجري تلك الحروب بمشاركة أطراف عديدة خارجية دولية وإقليمية متضاربة المصالح والاستراتيجيات والأهداف. ما يجري في طول البلاد الأمة وعرضها يظهر أمام الناس وكأنه حالة فوضى عارمة، يصعب فهمها بحكم أننا تعودنا على أن الحروب تجري واضحة المعالم بين طرفين، فيما الحروب جارية الآن بين عشرات الأطراف المشتبكة في بلاد متعددة ووفق أهداف مختلفة وبمقاييس متضاربة للمواقف. وفي مثل تلك الحالة (الراهنة) يجري الانغماس في الحروب والصراعات دون تفكير في الاستراتيجيات العليا إذ تغيب الرؤى الكلية، بحكم أن الصراعات تجري على أسس قبلية وجهوية وحزبية وعلى طريقة أن الرشاش والمدفع يجب أن يصوب على شيء محدد يرى بالعين أو المنظار. وخلالها يكتشف كل طرف أنه حين يمارس العنف أو القتال فهو واقع في تماس أو تقاطع مصالح، مع قوى أخرى هو يرفضها أو يبغضها أو يراها عدوة له، وهو ما يزيد من حالة تشويش المشهد.
لقد كان العرب في مواجهة حالة صراع واحدة في الستينيات (القضية الفلسطينية)، فدخلت الأمة في صراع حربي آخر مع إيران (الحرب العراقية الإيرانية)، ولم يمر وقت حتى جرى خلاف صراعي حربي في داخلها بعد غزو العراق للكويت. كانت تلك بداية مرحلة انهيار حالة المواقف الواضحة الموحدة والمحددة، وبعدها استهدفت الولايات المتحدة المنطقة لتفجر سلسلة من الحروب بإعلانها الحرب على الإرهاب وغزو أفغانستان والعراق (وانفجرت معها باكستان بحروب داخلية) وقبل أن تصل الحروب السابقة إلى أي نتائج حاسمة، انفجر الربيع العربي وتحركت الثورات المضادة له في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن، فأعيد انقسام المواقف بين القوى والأحزاب والجماعات في داخل الدول العربية وعلى الصعيد الرسمي، واختلفت وتضاربت المواقف الإقليمية وصار من يأخذ موقفا في الصراع الحربي الجاري في دولة ما، يتخذ موقفا آخر مختلف أو متناقض في الصراع الجاري في دول أخرى. فإيران التي تقتل الشعب والربيع في سوريا والعراق، تعلن وقوفها مع الحركة الجارية في البحرين وتدعم الحوثيين تحت شعارات دعم الثورة والربيع اليمنى. ودول الخليج التي وقفت بقوة مع الربيع الليبي والسوري في بدايته، وقف بعضها في الموقع المضاد في مصر وفي تونس، وعادت ذات الدول لتغير موقفها من نتائج وتطور حالة الربيع في ليبيا -ويمكن القول في سوريا أيضاً –وهو أربك وشوش المشهد وأحدث انقساما وتضاربا بين تلك الدول.
واختلطت الأوراق وتداخلت المواقع على نحو أشد وأخطر بعد ظهور تنظيم الدولة الإسلامية، الذي غير مواقف دول في الحالتين السورية والعراقية، وغير سياساتها الداخلية ضد قوى إسلامية أخرى كانت محل رعاية ودعم في السابق، كما جلب ظهوره مخاوف أو تدخلات عسكرية من قبل دول في الإقليم وأخرى من أوروبا إلى كندا إلى أستراليا، وقبلهما الولايات المتحدة بطبيعة الحال..إلخ.
الآن يجد المتابع للحرب في اليمن أن الحوثيين صاروا حلفاء لعلي عبد الله صالح الذي قاتلهم لست حروب، وهناك تجد الولايات المتحدة وإيران في موقع واحد، وتجد أبناء اليمن قد غير قطاع منهم وجهة نظره وصار ينظر للقاعدة كعنوان لإنقاذهم مذهبيا، وهكذا اختلطت الأوراق بعد أن صارت الأقلية الحوثية هي الحاكم بقوة السلاح، وبعد أن صنعت تماسا مع دول ترفض دور الإخوان أو السلفيين في اليمن وأخرى رأت في الحوثيين فرس رهان في الحرب على القاعدة، وبين هذا وذاك صارت القبائل تحمل السلاح لتدافع عن نفسها، كما الجنوب أصبح مصبا ومهبا لرياح لم تتحول بعد إلى عاصفة. وفي سوريا تجري أعقد الحروب المتداخلة وأشدها تشوشا، فتجد الأمريكي والروسي والإيراني والخليجي والمصري والأوروبي في وضع التغيير للتكتيكات والتحالفات حتى اقترب بعضهم من حالة التخلي عن الثوار والميل لإبقاء النظام، وتجد القوى الثورية الفاعلة على الأرض متناثرة التنظيمات والاتجاهات وبعضها في حالات اقتتال مع أخرى، وتجد تنظيم الدولة يخوض حربا ضد الخارج وحرب ضد ثوار الداخل وبينهم التنظيم الأصلي (القاعدة)، كما تجد معركة أخرى جارية على أساس انفصالي، كما هو حال الأكراد، فلا يواجهها إلا تنظيم الدولة والنظام أيضا.
في مثل تلك الأوضاع بديهي أن تسمع أن القاعدة ثم تنظيم الدولة الإسلامية، صناعة أمريكية تارة وتركية تارة وإيرانية تارة ثالثة، وتجد أن انقلاب الحوثيين في اليمن جاء لمصلحة تنظيم القاعدة –الذي حصل على مشروعية جديدة-وتجد أمريكا وإيران أقرب إلى بعضهما البعض في العراق واليمن وفي وضع الخلاف في سوريا، وتجد حركة حماس تراجع موقفها من إيران (حيث الموقف العربي مخجل) وتجد المقاومة العراقية في وضع لا تعلن فيها رفضها أو قتالها ضد تنظيم الدولة –بحكم الاستهداف الأمريكي والإيراني للجميع- وتجد حزب نصر الله يعمل للتهدئة في لبنان مع ذات القوى التي يقاتلها في سورية.
وهكذا اختلطت الأوراق في الإقليم وتداخلت الحروب والمواقع والمواقف.
العالم مندفع نحو خطب جلل
المشهد مرعب حقا.العالم منغمس ومندفع إلى حقبة صراعات وحروب تقوم على استدعاء كل الأسس والمبررات والشعارات التي جرت... اقرأ المزيد
1798
| 23 ديسمبر 2016
لم تهزم حلب ..بل الثورة تصحح مسارها
كان المشهد داميا بغزارة السيل الجارف،وكل الآلام احتشدت في حلب لتنهك النفوس وتدميها بكاء وحسرة .هناك حشد الروس... اقرأ المزيد
1455
| 16 ديسمبر 2016
استعمار جديد بشعارات دينية وعنصرية؟
حصل مرشح اليمين العنصري المتطرف على أصوات نصف الناخبين إلا قليلا في انتخابات الرئاسة النمساوية، وهذا هو الأهم... اقرأ المزيد
978
| 09 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4242
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3159
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1110
| 28 سبتمبر 2026