رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في محاولات يائسة لرفع معنويات نظام دمشق المتجه للانهيار، وطمأنة من يؤيدونه داخل وخارج سوريا، بعد أن صدمتهم خسائره وتفككه المتواصل، رغم الدعم الكبير الذي يتلقاه، تحاول أبواق إعلامية موالية له، وهي متركِّزة في دولة مجاورة له، قلب الحقائق لتتحدث عن صمود مزعوم للمحور الداعم له " سوريا روسيا إيران"، في مواجهة ما يكررون الحديث عنه من "حرب كونية باردة" تجري في سوريا، وتمكّن هذا المحور من تحقيق إنجازات سياسية وأمنية، وعن اطمئنان نظام الأسد بأن الرياح السياسية والعسكرية تتبدّل، لتصب في صالحه.
مثل هذه الكتابات جاءت بعد خطاب الأسد الأخير، الذي حاول أن يظهر نفسه بمظهر القوي، والرافض للتخلي عن منصبه، ولأي حوار أو تسوية سياسية إلا وفق شروط نظامه، رغم قرب إتمام الثورة السورية لعامين من حراكها المتواصل لانتزاع الحرية.
وكما كان الخطاب مليئا بالمغالطات، التي يكذّبها الواقع على الأرض، في إطار الحرب النفسية التي برع النظام فيها، تأتي هذه المقالات أيضا في مسعى لتزييف الحقائق والوعي، ولكنها تسقط في أول مناقشة لها تستند إلى الحجة والمنطق، وتسمية الأسماء بمسمياتها.
حتى على مستوى اللحظة الآنية فإن مثل هذه الادعاءات سرعان ما جاءت الوقائع على الأرض لتفضح زيفها، فبعد خطاب الأسد مباشرة جاءت صفقة الإفراج عن الأسرى الإيرانيين الذين كان الجيش الحر يحتجزهم، واضطرت إيران، وهي أحد أطراف المحور المذكور لتتوسط كلا من تركيا ودولة قطر، لإنفاذ الصفقة. وقبل النظامان السوري والإيراني مرغمين التفاوض مع الجيش الحر، وإطلاق سراح ما يزيد على 2100 أسير من أبناء الشعب السوري الثائر في سجون الأسد، مقابل الأسرى الإيرانيين، ولكم أن تتصوروا علاوة على ذلك ضعف النظام السوري الذي لم يكن في واقع الأمر سوى من منفذ للأوامر الإيرانية، وكيف انقلبت معادلة تبادل الأسرى، ليقبل بأن يقايض الإفراج عن رعايا غيره برعايا أبناء بلده الذين يحتجزهم لديه.
وفي ذات الوقت الذي كان أحد مهرجي النظام السوري يتحدث مؤخرا عن صمود محور " سوريا روسيا إيران"، ويسوّق الادعاءات المضللة، كانت الأنباء تتحدث عن قيام روسيا بإرسال طائرتي ركاب إلى العاصمة اللبنانية ببيروت لإجلاء مئة مواطن من رعاياها، فرّوا من الصراع في سوريا، وذكرت وكالات الأنباء أن هذا يندرج ضمن خطة طوارئ لوزارة الخارجية الروسية لحملة إجلاء واسعة النطاق لنحو 30 ألف مواطن روسي في سوريا. ولاحظوا أن عملية الإجلاء ستتم من بيروت وليس من دمشق، لتتضح صلابة وصمود هذا المحور بحق!!
تسمية الأمور بمسمياتها بعيدا عن المخادعة، تفرض على أبواق النظام السوري والمنافحين عنه أن يحدثونا عن:
ـ حقيقة صمود نظام دمشق وهو بيت القصيد، بعد أن ثار الشعب ضده، وليس عن صمود محور، خاصة في العامين الأخيرين، وكيف سيكون حاله من دون دعم طهران وموسكو العسكري والسياسي له، وهل كان بإمكانه أن يصمد يوما واحدا من دونهما، وحجم التبعية التي ترتبت على ذلك، والأثمان التي تدفع من كرامة الشعب السوري، وعلى حساب سيادة بلاده نتيجة لذلك.
ـ صمود الشعب السوري الذي ما زال منتفضا ثائرا، مواصلا لكفاحه ضد ديكتارتورية نظام عائلي، رغم ما قدمه هذا الشعب من ضحايا (شهداء) ومعتقلين وجرحى ومصابين ونازحين ولاجئين، وخسائر في البيوت والممتلكات والأرزاق، بسبب مجازر النظام الوحشية ودمويته، ورغم تخلي الأقربين والأبعدين والمجتمع الدولي عن واجباتهم الأخلاقية والأخوية تجاه شعب يذبح صباح مساء.
ـ حجم الأراضي وعدد المعابر والمواقع الإستراتيجية التي يسيطر عليها كل من قوات جيش النظام من جهة والثوار والجيش الحر من جهة أخرى.
ـ سقوط هيبة النظام بما في ذلك رأس هرمه لدى الشعب السوري، واتساع رقعة المعارضة الداخلية بأنواعها المختلفة السياسية والعسكرية كما وكيفا، مقارنة بعامين مضيا، حيث كانت رقعة المعارضة محدودة، وكان مصيرها أفرادها الاعتقال والتغييب والخطف دائما.
ـ تآكل نفوذ النظام الإيراني وحلفائه بعد ربيع الثورات العربية، والممتد من طهران وحتى الضاحية الجنوبية بلبنان، مرورا ببغداد ودمشق، خصوصا بعد الثورة السورية، ثم تحرك مارد الثورة العراقية.
ما يمكن أن نقوله، ويقوله كل منصف شريف ـ بعيدا عن أكاذيب أبواق النظام أن الزمن اللازم لحسم الثورة السورية ربما تأخر، ولعل سببه واضح ألا وهو "محور الشر" الذي يدعم الأسد ليس لأجل سواد عيون الشعب السوري، بل لأجل مصالح طرفي المحور الآخرين " موسكو وطهران"، ولأنهما يعرفان أن سقوط حليفتهما الرئيسة، يعني الكثير لهما. ثم حجم العلاقات الدولية المريبة التي بناها النظام السوري في عهد الأب والابن، بحيث لا يزال الشرق والغرب يصم أذنيه عن جرائمه، وربما يتمنى بقاءه لو أمكن، ثم تخلي النظام الدولي عن مسؤولياته الإنسانية، بما في ذلك مسؤوليات تلبية احتياجات الإغاثة العاجلة، فضلا عن ما يحتاجه الثوار من بعض الأسلحة النوعية لحسم المعركة.
الخلاصة: معركة الشعب السوري مع طاغيته قد تطول للأسباب التي سبق ذكرها، إن حاله من دون دعم طهران وموسكو السياسي والعسكري.. هل كان بإمكانه أن يصمد يوما واحدا من دونهما، وعن حجم تبعيته لهما خصوصا بعد الثورة السورية، وعن دوره في الدفاع عن مصالحهما، وليس عن مصالح شعبه ن حاله من دون دعم طهران وموسكو السياسي والعسكري.. هل كان بإمكانه أن يصمد يوما واحدا من دونهما، وعن حجم تبعيته لهما خصوصا بعد الثورة السورية، وعن دوره في الدفاع عن مصالحهما، وليس عن مصالح شعبه هل كان بإمكانه أن يصمد يوما واحدا من دونهما، وعن حجم تبعيته لهما خصوصا بعد الثورة السورية، وعن دوره في الدفاع عن مصالحهما، وليس عن مصالح شعبه هل كان بإمكانه أن يصمد يوما واحدا من دونهما، وعن حجم تبعيته لهما خصوصا بعد الثورة السورية، وعن دوره في الدفاع عن مصالحهما، وليس عن مصالح شعبهولكن الشيء المؤكد الوحيد أن هذا الشعب بات مصمما على انتزاع حريته، ورفضه لبشار وأركانه جملة وتفصيلا، مهما كلفه من ثمن، وأن كل حقائق التاريخ والواقع ستكون إلى جواره، مع المظلوم ضد الظالم. وعليه فليقل النظام ومن يلف لفّه في إطار حربهم الحرب النفسية والدعائية ما يقولون، لأنهم لا يخدعون إلا أنفسهم ومن هم معهم فقط، وحساب الشعب السوري سيكون معهم بعد الانتهاء من معركة بشار.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12165
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10413
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3495
| 22 أكتوبر 2026