رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أ.د عبد الهادي العجمي

• أستاذ التاريخ – جامعة الكويت

مساحة إعلانية

مقالات

10524

أ.د عبد الهادي العجمي

الدولة بين العقل وفقدانه

22 ديسمبر 2024 , 02:00ص

باعتبار التاريخ، (الدولة كيان عاقل)، يصف عدد كبير من الفلاسفة الدولة على أنها هيكل العقل، فهيجل يرى أن الدولة تجسد الحرية والعقلانية، والقادرة على تحقيق التوازن بين الفرد والجماعة، ويقول عنها أرسطو إنها كائن طبيعي يسعى إلى تحقيق الخير العام، في حين يراها جان جاك روسو أنها عقل جمعي للمجتمع.

هنا ربما نحتاج إلى أن نبسط بعض هذه الإشارات، لنفهم ما الذي يعنى أن الدولة عقل المجتمع، المشهد ببساطة يتمثل في أن الدولة كيان ضخم من المؤسسات المتعددة التي يصب ويتحرك داخلها كل مصالح المجتمع بكل فئاته، كل هذه المصالح المجتمعية مفترض أن تدار بعدالة وشفافية وبعيداً عن الشخصانية، والنزوات الفردية، والدوافع المناقضة للمصلحة العامة، هذا ببساطة محتوى عقل الدولة، وعليه، يُفترض أن ما يأتي عن الدولة يكون في اتجاه الأفعال العقلانية والتصرفات العاقلة.

إن الفرق بين السلطة والدولة – بتصوري- أن السلطة قد تقع في لحظات خطأ وردود فعل عنيفة غير منضبطة ومطامع ذاتية ضيقة الأفق تنعكس على قرارات مجحفة بحق المجتمع وأفراده، وقتها سيكون الضابط لهذه الأفعال هو عقل المجتمع أو الدولة بمعنى أدق وقتها سيكون هذا العقل هو القادر على ضبط ردود فعل السلطة والوقوف بوجهها دون صِدام مع المجتمع، ودون استقطاب فئة لفئة او طائفة أو فصيل، فالجميع لدى عقل الدولة متساوٍ في الحقوق والوجبات.

إن المتأمل لأغلب الأفعال اللاعقلانية أو اللاأخلاقية التي وقعت فيها السلطات، والمنافية لمصالحها التي تدمّر وتهدم، ولا ترتقي ولا تحقق المصلحة، كانت في الغالب عندما غاب وعي وعقل الدولة، وغابت مؤسساتها الرقابية وسادت الإرادة الفردية.

المثير أن هذه اللحظات التي يغيب فيها عقل الدولة، وتظن السلطة أنها أمسكت بكافة الخيوط يفاجئ الطرفين، السلطة والدولة، أنهما أصبحا مصابين بالترهل والهرم، وأنهما عرضة لمزيد من التفكك والانعزال، ومهددين بالانقلابات، والثورات، والحروب، والقلاقل الداخلية، والمؤامرات الخارجية.

حينها وبدلا من تراجع السلطة للحفاظ على الدولة، تبدأ السلطة باتخاذ سلوك مضاد، يكون في الغالب مستجيبا بشكل مباشر لأوهام ونظريات المؤامرة والنزاعة الفردية الغاضبة الموسوسة وهنا تحديداً مكمن الخطر من السلطة على الدولة.

حينها تنسى أو تتغافل السلطة أن الدولة كيان يقاتل من ذاته وقادر على حماية ذاته إذا ترك بعقلانيته وعقله، تتناسى السلطة بوعي أو دون وعي أنه حين تغيب العقلانية وتفقد المؤسسات اتزانها تفقد الدولة اتزانها وتسقط، وقد رأينا كيف انهارت دول كبيرة ومستقرة حين تحكمت في عقلها الجمعي الفردية وسقطت عقلانية مؤسساتها، وحكمت خوفها على عقلها الجمعي، إن مشاهد وحالات انهيار الدول وسقوطها وقيام دول وأنظمة جديدة و موجات الثورات الواسعة التي قامت في المنطقة، حتما كلها (سجل تاريخي) يكشف عن حالات الارتباك والسلوكيات الفردية التي قادتها لهذا المصير.

لا دليل أقوى على الرأي السابق من التطورات الراهنة في سوريا، وما جرى من تغيير كامل للنظام، هذا المشهد الذي أتى ليشرح وبشكل عميق وواضح كيف غيبت السلطة عقل المجتمع ومؤسساته، فانهارت وزال زيف شعاراتها الكاذبة، المثير وربما المقلق في نفس الوقت – بتصوري- أن الممسكين بمقاليد السلطة الجدد استفادوا بشكل كبير من أخطاء الماضي معنويا، فنراهم يرسلون إشارات عقلانية للجميع ويخطون نحو مزيد من الامساك بمقاليد السلطة بشكل هادئ لاكتساب شرعية مجتمعية وليس شرعية القوة، ورغم أنهم في الحقيقة يمتلكون شرعية الثورة بكل ما فيها من تسونامي انفعالات وتجاوزات وتصفيات لرموز النظام القديم، إلا أنهم حتى الان ناجحون في إدارة معركة الدولة بفكر هادئ وعقلاني وليس (جولاني).

أخيرا: يبقى مثيرا للاهتمام والتساؤل والأمل أن يستمر هذا التوجه، ويتغلب مبدأ “أن الدولة مهما حدث يجب أن تمتلك عقلانيتها وعقلها «وتحافظ على مؤسساتها وأدواتها الفاعلة، فالسلطة قد تتغير لكن الدولة وعقلانيتها يجب ألا يسقطوا، نتمنى أن يعي الحاكمون الجدد لدمشق أيضاً حقيقة أن التاريخ يعود ليكرر نفسه، وليكن مصير الدولة نابعا من عقلها وعقلانيتها وأن يعي الأفراد في المجتمع ويَحذروا أيضاً من خطورة تحكم الفردية والانفراد بالسلطة وتحييد الشعب، وعلى السلطة الجديدة أن تتقبل هي الأخرى، حتى لا نرى الشعب يخرج ليتغنى فرحاً مرة أخرى بلهيب النيران المشتعل بمرقدها، وصور الماضي المنسية على طاولات غرف قصور ظن حكامها أنهم قادرون عليها.

اقرأ المزيد

alsharq بين السيف والسكينة.. التاريخ يتكلم بلسان القرآن

حين تضيق السماء بأخبار متلاحقة، ويتحول الأفق إلى شاشة ممتلئة بالتحليلات والاحتمالات، يقف الإنسان عند حافة السؤال: ماذا... اقرأ المزيد

213

| 08 أبريل 2026

alsharq يا وصيـة الأنبياء.. لقد خذلوك

ليس هذا المقال الأول الذي أكتبه عن المسجد الأقصى المبارك في ظل استمرار إغلاقه، ولن يكون الأخير؛ فهذه... اقرأ المزيد

195

| 08 أبريل 2026

alsharq من يملك رواية الحرب الحقيقية؟

هل نعيش حربا بلا هزيمة؟ أم هي حرب وهمية؟ أم الحرب خدعة؟ لم تعد اليوم الحروب تعتمد على... اقرأ المزيد

114

| 08 أبريل 2026

مساحة إعلانية