رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الصراع السياسي الحاصل في مصر الآن لا يمكن أن يستمر بوتيرته الراهنة، وترشيده صار مطلبا ضروريا ومصيريا.
(١)
على عهدة جريدة «الشروق»، فإن مصادر إخوانية بارزة كشفت عن أن الشبان الهاربين إلى تركيا أصبحوا فريسة لعصابات تجنيد الأفراد للقتال في صفوف التنظيمات المتطرفة المسلحة في سوريا، وخاصة تنظيمي داعش وجبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة.. ومعظم هؤلاء الشبان ممن فروا من مصر قبل انتهاء دراستهم الجامعية، وهو ما أشعرهم بضياع مستقبلهم، خاصة في ظل تنازع قيادات الجماعة على السلطة داخلها، الأمر الذي زاد من أزمتهم وأفقدهم الأمل في الرجوع إلى مصر في وقت قريب لاستكمال دراساتهم. ذلك بالإضافة إلى ما أسمته المصادر الإخوانية بكفر هؤلاء الشبان بالطرق السلمية في إدارة الصراع مع الدولة.
الفقرة السابقة مقتبسة من التقرير الذي نشرته جريدة «الشروق» يوم الأحد الماضي (١٢/ ٢٠) لمحررها النشيط محمد خيال، إذ أبرزته على صفحتها الأولى تحت العنوان التالي: أبناء قيادات إخوانية ينضمون إلى داعش سوريا، وفي التفاصيل أن المجموعة المشار إليها ١١ شابا.
التقرير المنشور هو الأحدث في المتابعات التي انفردت بها جريدة «الشروق» في تغطية التطورات الداخلية في صفوف الجماعة، ويتمثل أبرزها في التنازع حول القيادة بين من وصفوا بالقيادات التقليدية والتاريخية من ناحية وبين هؤلاء وبين القيادات الشبابية التي خرجت من صفوف «الربعاويين» من ناحية أخرى. والمصطلح منسوب إلى ميدان رابعة العدوية الذي شهد الاعتصام الشهير في عام ٢٠١٣. وكان ذلك جزءا من أزمة الجماعة التي تفاعلت على المستويات العليا، ولم تكن هي الأزمة الوحيدة، لأن مؤشرات التمرد والانشقاق ظهرت بشكل مواز في محيط القواعد، وفي حين اهتمت الصحف المصرية بنشر أخبار انشقاقات الجماعة، فإن ذلك الاهتمام شمل التقرير الذي أصدرته الحكومة البريطانية وتولت فيه لجنة من مسؤوليها وخبرائها تقييم موقف الجماعة بتكليف من رئيس الوزراء ديفيد كاميرون. حدث ذلك بشكل مواز مع الجهود التي يبذلها في مصر الحقوقيون وأسر المعتقلين، سواء لوقف الاختفاء القسري أو لإنقاذ نزلاء سجن العقرب وتوفير الأغطية والأدوية لهم.
(٢)
لا سبيل للتحقق من صحة المعلومات المتعلقة بالتفاعلات الحاصلة داخل الجماعة والتي أبرزتها الصحف المصرية لأسباب مفهومة. لكني أستطيع القول بأن ما تحدثت به تلك التقارير لا يفاجئ أي باحث متابع للموضوع، ذلك أن مآلات الصراع الحاصل في مصر ظلت موضوع دراسة ومناقشة طول الوقت في العديد من المراكز البحثية الخارجية المعنية بالشرق الأوسط، إذ في حين ظل الخطاب في مصر تعبويا ومعبرا عن وجهة نظر واحدة، انطلقت من أن الموضوع حسم ولا محل للاجتهاد أو المناقشة فيه، فإن المراكز البحثية التي أتحدث عنها تعاملت مع الملف باعتباره مفتوحا وحافلا بالعناوين الجديرة بالمناقشة. بكلام آخر فإنه إذا كان الخطاب السياسي والإعلامي في مصر قد حصر أداءه في الحديث عن لحظة الصراع، فإن الباحثين اعتدوا بتداعياته ومستقبله. أتحدث مثلا عن الدراسة التي صدرت عن مركز كارنيجي للشرق الأوسط التي عنوانها «تصاعد التمرد الإسلامي في مصر»، وأعدها الباحثان مختار عوض ومصطفى هاشم. وأخرى صدرت عن «مبادرة الإصلاح العربي» بعنوان «الإخوان بعد الانتقال مسارات ومآلات»، لإبراهيم الهضيبي الذي نشر له موقع «مدى مصر» تحليلا كان عنوانه «الإخوان في مرحلة انتقالية»، وبحث آخر بعنوان «الخائفون من المستقبل داخل الإخوان» للباحث عمار فايد نشره موقع «رصد» وبحث خامس نشره موقع مدى مصر عنوانه «العالم المجهول للجان التوعية ــ الطريق السريع من السلمية التنظيمية إلى العبوات الناسفة» ــ وهو يروي قصة شاب التحق بمظاهرات ٢٥ يناير ٢٠١١، وانتهى مقتنعا بممارسة العنف واستخدام السلاح، وعازما على السفر إلى سوريا للالتحاق بتنظيم أحرار الشام.
إذا أتيح للمرء أن يطلع على تلك الأوراق فلن يفاجئه شيء مما تتحدث به الصحف هذه الأيام من تجاذبات وانشقاقات واختيار بعض الشباب المتمرد اللجوء إلى العنف المسلح في نهاية المطاف، باعتباره الخيار الوحيد الذي بات متاحا إزاء استمرار انسداد الأفق السياسي في مصر.
الملاحظة التي لا تقل أهمية أن أغلب تلك الأوراق لا تتحدث عن «مصالحة»، وتعتبرها غير مطروحة في الوقت الراهن، ولكنها تركز على ثلاثة أمور ضرورية، هي:
< إن لدى الطرفين مصلحة مشتركة في تحييد ما وصف بالتمرد الجهادي الذي يجذب الشباب اليائس إلى العنف المسلح، وتلك مهمة يتعين أن ينهض بها العقلاء على الجانبين، لأنها تمثل أهمية بالغة لتحقيق الاستقرار في الوطن.
< التهدئة وتجنب التصعيد من جانب السلطة في مواجهة النشطاء مهما كانت اتجاهاتهم السياسية، عن طريق وقف الاعتقالات العشوائية والاختفاء القسري، والكف عن ممارسة التعذيب، وإطلاق سراح المظلومين المحتجزين.
< التمييز بين مواقف جماعات الإسلام السياسي، وتجنب وصم الجميع ووضعهم في سلة واحدة مع تنظيم داعش أو جبهة النصرة، ذلك أن ثمة فروقا أساسية في الموقف من العنف والتكفير بين تلك الجماعات، فضلا عن أن الإصرار على ضم الجميع في وعاء واحد يصيب عناصر الاعتدال باليأس، بحيث يصبح الخيار الوحيد أمامها هو أن تنخرط في مسار العنف، طالما أنها موصومة ومتهمة في كل الأحوال.
(٣)
لا أعرف ما إذا كانت العمليات الإرهابية التي شهدتها مصر خلال السنتين الأخيرتين قد خضعت للتحليل والدراسة أم لا من جانب جهات الاختصاص في مصر. وسواء كان عدد المحتجزين في السجون أربعين ألفا كما هو متواتر في أوساط المنظمات الحقوقية أم ٦٠ ألفا كما تقرر الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، فإن توفر هذا العدد الكبير يشكل فرصة ممتازة لدراسة مختلف جوانب الظاهرة تساعد في إنجاح جهود التعامل معها ووضع حد لها. عند الحد الأدنى فإن ذلك يتيح للأجهزة الأمنية أن تتعرف على حقيقة مواقف جماعات الإسلام السياسي ودور كل منها في العمليات الإرهابية التي وقعت، والأسباب التي دفعتها إلى ارتكابها.
كنت قد دعوت أكثر من مرة إلى ضرورة التمييز والفرز بين مواقف تلك الجماعات على الأقل لكي يكون صاحب القرار السياسي، فضلا عن الجهاز الأمني، على بصيرة وبيِّنَة من مواقف مختلف الأطراف التي تقف على الجانب الآخر في الصراع، ولاحظت أن الإسرائيليين اتبعوا ذلك النهج في تعاملهم مع انتفاضة السكاكين التي فجرت في شهر أكتوبر الماضي. فطرحوا السؤالين الكبيرين، من أين جاء هؤلاء الشبان الذين أصبحوا يتنافسون على طعن المستوطنين بالسكاكين ولماذا؟ وكانت المفاجأة التي أدهشتهم أنهم اكتشفوا في الأسابيع الأولى أن أولئك الشبان لا علاقة لهم بفصائل المقاومة المعروفة، حماس أو الجهاد أو الجبهة الشعبية أو أي كيان فلسطيني آخر. وفي تقرير من الأراضي المحتلة نشره موقع رأي اليوم (في ١٧/١٢)، أن المصادر الأمنية في تل أبيب أدركت أن منفذي العمليات أقدموا على ما فعلوه بناء على دوافع ذاتية لا علاقة لها بأي تنظيم. وفي حالات نادرة كان للمنفذ شريك آخر، وفي حالات قليلة تبين أن بعض المنظمين كانت لهم انتماءات تنظيمية سابقة ومن هؤلاء من كانت لهم سوابق أمنية، وفي كل الحالات لم يثبت أن ما نفذ من عمليات انبنى على قرار أو انطلاقا من الانتماء التنظيمي، باستثناء حالة طعن واحدة وقعت قرب نابلس.
وذكرت صحيفة «هآرتس» أن تلك كانت خلاصة لدراسة شملت ١٢٣ فلسطينيا قاموا بتنفيذ عمليات الطعن أو حاولوا ذلك. مما توصلت إليه الدراسة أيضا أن ما يسمى بالتحريض عبر الإنترنت لم يكن بالضرورة عاملا أساسيا في اتخاذ المنفذ قراره بالعملية، كما أدرك الباحثون أنه في أغلب الحالات فإن المنفذين كانوا يعملون وحدهم ويبلورون قرارهم النهائي في مدة قصيرة نسبيا، وأحيانا في أقل من ساعة.
أثار انتباهي في هذا الصدد تحليل كتبه المثقف الفلسطيني البارز الدكتور أسعد عبد الرحمن (نشرته له صحيفة الاتحاد بأبو ظبي في ١١/١٢ الحالي) تحدث فيه عن وثيقة أعدها جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) حذر فيها الحكومة من سياسة التصعيد ضد الفلسطينيين. وذكرت الوثيقة أن التصعيد سوف يشجع الفلسطينيين على مواصلة الانتفاضة، ذلك أن تحركهم نابع من الشعور بالاضطهاد الوطني والاقتصادي والشخصي. مضيفة أنه حتى إذا تم القضاء على «الهبة» الراهنة فإنها ستعود وتتصاعد مجددا، لأن الأسباب التي تدفع الفلسطينيين لا تزال مستمرة. وهي تكمن في شعورهم بالإحباط واليأس، وخيبة الأمل في السلطة الفلسطينية والرغبة في مواجهة إسرائيل (الاحتلال).
ذكر الدكتور أسعد عبد الرحمن أيضا أن رئيس الاستخبارات العسكرية اللواء هرتسي هليفي أبلغ حكومته بأن «أحد أسباب «الإرهاب» الحالي هو الشعور بالغضب والإحباط لدى الفلسطينيين، خصوصا بين أبناء الجيل الشاب الذين يشعرون بأنه لم يعد لديهم ما يخسرونه». ولم تكن تلك هي الشهادة الوحيدة، لأنه استشهد بعدة تعليقات أخرى لخبراء أمنيين وقادة عسكريين نصحوا الحكومة بأن تعمل على إعطاء الفلسطينيين «العمل والاحترام»، وتوفير التسهيلات لهم في المجالات الأمنية والاقتصادية والمدنية، تشمل الإفراج عن بضع عشرات من الأسرى المحتجزين في السجون. وذلك لتهدئة الفلسطينيين وامتصاص غضبهم الذي يترجم إلى أعمال عنف تروع الإسرائيليين بين الحين والآخر.
أهمية هذا النمط من التفكير تكمن في أنه يدعو إلى عقلنة الصراع، بحيث لا تكتفي السلطة بالإجراءات الأمنية المتصلة بمعاقبة الغاضبين الذين يلجأون إلى العنف، وإنما تحاول أيضا أن تتعرف على دوافع العنف والغضب وأن تخفف من أسبابها.
(٤)
ربما لاحظت أنني لا أتحدث عن إنهاء الصراع، لكنني أتحدث عن ترشيده. ذلك أننا لا نريد أن نعالج ما هو سيئ بما هو أسوأ. والأسوأ الذي أحذر منه أن تتواصل الضغوط ويخيم انسداد الأفق إلى الحد الذي يقنع الطرف الآخر بأن الانفجار والانتحار هو الحل. وأخشى ما أخشاه أن نطبق على المعارك السياسية منطق المواجهات العسكرية، ذلك أن فكرة الإبادة إذا كانت واردة في المواجهات الأخيرة فإنها تصبح مغامرة خطرة ولها عواقبها الوخيمة في المعارك السياسية. وأزعم أن أداء الأجهزة الأمنية المصرية في ثمانينيات القرن الماضي كان أكثر رشدا، لأنها رغم قسوتها المفرطة آنذاك حرصت على التمييز بين جماعات الإسلام السياسي وعملت على تحييد بعضها، وحققت بذلك نجاحات نسبية مشهودة. والمشكلة التي تواجهها مصر الآن أن السياسة تدار فيها بأساليب الحروب بين الدول، وهو النهج الذي لم يحقق نجاحا، بحيث صار في أمسِّ الحاجة إلى المراجعة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2235
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1125
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
645
| 12 أكتوبر 2026