رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في علم الاجتماع، تسمى عملية جعل الشخص جزءا كاملاً من المجتمع بالتنشئة الاجتماعية (socialization). وهذا أوسع من تعليم أطفالنا لأنه يتضمن نقل ثقافتنا وإعداده للحياة. إن نقل الثقافة من الجيل القديم إلى الجيل الجديد يشكل تحدياً لأن هناك عوامل كثيرة تؤثر فيه وكثيراً ما تتصادم. بالإضافة إلى ذلك، فإن تربية الإنسان تستغرق أيضًا سنوات طويلة، وربما هي أطول السنوات مقارنة بالحيوانات. على سبيل المثال، ينمو الخروف الصغير إلى مرحلة النضج بينما ينضج الصبي أو الفتاة خلال 20 عامًا تقريبًا.
تتأثر عملية التنشئة الاجتماعية بعوامل كثيرة أو يسمونها عوامل التنشئة الاجتماعية (agents of socialization) في علم الاجتماع. وهي البيئة الأسرية، والمدرسية، ومجموعات الأقران، ومكان العمل، والجماعات الدينية، والحكومة، ووسائل الإعلام. كان هذا هو النظام النموذجي الذي تم استكشافه في كتب علم الاجتماع ولكن هذا الترتيب تغير كما سنوضح في التالي. في تعليم الأطفال، كانت الأسرة هي العامل الرئيسي التي تُعلم الطفل كل شيء تقريبًا بدءًا من التحدث إلى عادات الأكل وأعراف الحياة.
ويذكر علماء النفس أيضًا أن الأعمار الحرجة هي من 1 إلى 4 سنوات في حياة الطفل، حيث يبدأ في تعلم أساسيات الحياة وخاصة الثقة والخوف. ويشيرون أيضًا إلى أهمية الأعمار من 13 إلى 16 عامًا في تكوين هوية الفرد. في المجتمعات الشرقية، يظل تأثير الوالدين وحتى الأجداد مهمًا في حياة المرء حتى بعد أن يكبر. بدءًا من اختيار الزوج ونوع العمل ومكان العمل، يؤثر الوالدان على القرارات الحاسمة التي يتخذها أطفالهما. ويمكن أن يكون بمثابة تأمين على الحياة حتى لو كان يحد من حريتهم إلى حد ما.
بالطبع، في مجتمع اليوم حيث يعمل الأب والأم، يتعرض الأطفال لتأثير خارجي حتى من السنة الأولى مع المربيات أو رياض الأطفال. وفي السياق الخليجي، يتعرض الأطفال لمربيات أو جليسات أطفال من ثقافات ولغات أجنبية أيضًا. مع تقدم التعليم، تتنافس المدارس والمعلمون مع أولياء الأمور في تشكيل النظرة العالمية للأطفال.
هناك ما يسمى «المناهج الخفية» حيث تعلم البيئة المدرسية طرقًا معينة للحياة بشكل غير مباشر، ومرة أخرى ربما تختلف عما يتوقعه الآباء. على حسب الروابط بين الشعب والدولة، هناك دائما فجوة بين توقعات أولياء الأمور والمناهج الدراسية التي تقررها الحكومة. وقد فتحت هذه الفجوة الطريق أمام التعليم المنزلي في الولايات المتحدة الأمريكية ولتشغيل برامج بديلة (أي المدارس الإسلامية هنالك والعلمانية) في البلدان الإسلامية.
بالتوازي مع المدارس، تؤثر مجموعات الأقران أو الأصدقاء في الحي على اكتساب الأطفال للثقافة (التنشئة الاجتماعية). عادةً ما يتبنى الأصدقاء من المدرسة أو الألعاب أو النادي الرياضي أو من الشارع وجهة نظر مختلفة للعالم. يمكن أن يكون للزملاء في مكان العمل تأثير على أفكار أو تصرفات الشخص حتى بعد أن يكبر. من الرياضة والسياحة إلى التجارة والتعليم، يمكن أن يكون لطبيعة العمل ونسبة الأجانب هناك تأثير على حياة الفرد وثقافته. علاوة على ذلك، يمكن أن تؤثر السياسات واللوائح الحكومية أيضًا على المناهج المدرسية وتفرض مميزات المواطن الصالح.
أهم عاملين يؤثران على التنشئة الاجتماعية للفرد هما الدين والإعلام. إن الدين مؤثر في جميع المجتمعات، لكن الإسلام، كدين دنيوي وآخروي، له تأثير أقوى على حياة المسلمين. من خلال تحديد جميع قواعد السلوك الثقافية تقريبًا، يؤثر الإسلام على كل شيء بدءًا من عاداتنا الغذائية و حتى علاقاتنا الأسرية. العامل الأخير وربما الأكثر تأثيرًا في التنشئة الاجتماعية هو وسائل التواصل الاجتماعي. وكانت وسائل الإعلام التقليدية (الصحف والتلفزيون) مؤثرة بالفعل ولكنها لم تكن مهيمنة مثل وسائل الإعلام الاجتماعية اليوم لأن الوصول إلى وسائل الإعلام كان محدودا ويمكن أن تؤثر بالآباء أو الحكومات.
لا تعترف وسائل التواصل الاجتماعي اليوم بأي حدود، ويبدأ التعرض للإنترنت واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي منذ سن مبكرة. نقدم رسومًا كاريكاتورية على اليوتيوب لأطفالنا الصغار كملهيات دون التحقق من الفيديو التالي في القائمة. وعلى عكس ما وعدت به، تسمح شركات التواصل الاجتماعي بفتح حسابات في أعمار مبكرة جدًا لخلق الإدمان بينهم في وقت مبكر. إنهم يروجون للأفكار المثيرة للجدل والمتضاربة. كما أنها تسمح بالفحش وترويج للأفكار والعادات الأجنبية التي ترعاها علناً أو سراً. ولذلك أستطيع أن أقول بصفتنا آباء فقدنا السيطرة على تعليم أطفالنا لذلك علينا أن نفكر في الحلول معًا.
مشهد أثقل الأرواح والمقابل جيفة
في مشهد لا يمكن تصنيفه إلا بوصفه ذروة الانحطاط الأخلاقي، أقدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، أمس الأول، على نبشٍ... اقرأ المزيد
135
| 28 يناير 2026
الأقصى المحكوم بالإقصاء
من منا يكره أن يحلم ويكون حلمه هادئاً حلواً لا تتخلله كوابيس تقض منامه؟ من منا يكره أن... اقرأ المزيد
69
| 28 يناير 2026
في قاعات الاختبار، ينشغل الجميع بالأسئلة والأجوبة والدرجات، بينما تمر بعض المواقف الصغيرة مرور الكرام، رغم أنها تحمل... اقرأ المزيد
114
| 28 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أستاذ علم الاجتماع في جامعة قطر
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
المتأمِّل الفَطِن في المسار العام للسياسة السعودية اليوم يجد أنه مسارٌ مرنٌ ومنضبطٌ في آنٍ معًا؛ مرنٌ من حيث قدرته على التناغم مع المنظومة الدولية القائمة والمفروضة، ومنضبطٌ من حيث حفاظه على أهدافه العليا في استقرار المنطقة. ومن هنا تنبثق جملةٌ من التساؤلات الضرورية: ما موقع دول المحور اليوم؟ وما موقفها مما يجري في المنطقة من حولها؟ وهل ثمة تأثيرات سلبية للمليشيات العسكرية في دول الجوار على طموحاتها ورؤيتها ونهضتها الاستثمارية؟ وكيف تتعامل المملكة العربية السعودية مع دول المحور تجاه ما يجري في الساحتين الإقليمية والدولية، لاسيما في ما يتصل بتمويل الجماعات الانفصالية المسلحة وتقويض أمن اليمن والسودان؟ وفي تقديري أن هذه القضايا جميعها مطروحة على طاولة الاجتماعات السياسية والاقتصادية، عبر لجان التنسيق المشترك التي عقدتها السعودية مؤخرًا مع قطر وتركيا. ومما لا ريب فيه أن تثبيت السعودية وقطر وسلطنة عُمان لدعائم البيت الخليجي، وتحصين هويته التنموية وأهدافه الجيوسياسية من التصدّع، لا يعني بالضرورة استتباب الأمن والاستقرار الكامل، إذ لا يمكن لهذه الدول أن تنعم بالاستقرار وتحقق طموحاتها التنموية بمعزل عن محيطها الساخن، ولا سيما في البلدان العربية. ولا شك أن السعودية تُدرك هذه الحقيقة سلفًا؛ فالاستقرار لا يتجزأ، بمعنى أن استقرار أي بلد لا يكتمل إلا باستقرار البلدان المجاورة، أي عبر الاستقرار الإقليمي، ومن ثم العالمي. وعلى الرغم من الضغوط الكبيرة التي فرضها القطاع الاستثماري الواعد الجديد على المملكة، وما شكّله من ضغطٍ على إمكاناتها المتاحة، فإنها تراقب عن كثب عدة ملفات ساخنة في آنٍ واحد، بل تؤدي دورًا مؤثرًا في اتفاقيات التهدئة. فهي فاعلٌ ومتفاعلٌ في الوقت نفسه؛ فاعلٌ إيجابي عبر أدوار الوساطة والتنسيق وجمع الأطراف المتناقضة على طاولة المفاوضات، ومتفاعلٌ من خلال مرونتها وقدرتها على امتصاص الصدمات المباغتة، خاصة في ما يتصل بالملف اليمني، فضلًا عن مرونتها في التعاطي الدبلوماسي مع الخصوم. إن رياح التغيير السعودية لا تصطدم برياح التغيير الإقليمية أو العالمية، بل تتفاعل معها إيجابيًا، وتتحاشى انعكاساتها السلبية، وهي نقطة تُحسب لصالح الدبلوماسية السعودية، خلافًا لما يراه بعض المراقبين من أنها تحاول التنصّل من القضايا ذات الشأن. فهذه النظرة قاصرة؛ إذ إن المملكة العربية السعودية، وإن تأثرت بسخونة الملفات المحيطة بها، فإن رؤيتها وطموحاتها الواعدة لا تزال قائمة وتسير بثبات، لما تتسم به من مرونة تسمح بالتعامل مع الملفات بصيغ متعددة، واستبدال أدوات السياسة وفق ما يطرأ من متغيرات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية.
693
| 21 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
675
| 25 يناير 2026
يُعدّ مبدأ العطاء أحد الثوابت الإنسانية التي تقوم عليها المجتمعات المتماسكة، وقد جسّد الحديث النبوي الشريف «خيرُ الناس أنفعُهم للناس» رؤية أخلاقية عميقة تجعل من نفع الإنسان لأخيه الإنسان معيارًا حقيقيًا للقيمة والأثر. ولا يقتصر هذا النفع على الدعم المادي أو المبادرات الظرفية، بل يتجسد بصورة أعمق في الإيمان بقدرات الآخرين، وتمكينهم من أداء أدوارهم بثقة ومسؤولية. إن الإيمان بقدرات الأفراد يمثل أحد أهم أشكال الدعم المستدام، إذ يسهم في بناء شخصية قادرة على العطاء والمبادرة، ويعزز روح الانتماء والمسؤولية المجتمعية. فحين يشعر الإنسان بأن هناك من يثق بإمكاناته ويقدّر جهوده، يصبح أكثر قدرة على تجاوز التحديات، وأكثر التزامًا بالمشاركة الإيجابية في خدمة مجتمعه. وتشير التجارب التنموية إلى أن المجتمعات التي تقوم على ثقافة الثقة والدعم المتبادل، تحقق مستويات أعلى من التماسك الاجتماعي والاستقرار المؤسسي. فالدعم المعنوي، المتمثل في التشجيع، والتقدير، ومنح الفرص العادلة، يعد عنصرًا أساسيًا في إطلاق الطاقات الكامنة، خاصة لدى فئة الشباب، الذين يمثلون عماد الحاضر وأمل المستقبل. كما أن الإيمان بقدرات الآخرين يسهم في ترسيخ قيم التعاون والعمل الجماعي، ويعزز رأس المال الاجتماعي الذي تعتمد عليه الدول في مساراتها التنموية. فالتنمية الحقيقية لا تُبنى بالإنجازات الفردية المعزولة، بل تقوم على منظومة متكاملة يشعر فيها كل فرد بأن له دورًا مؤثرًا ومسؤولية مشتركة. وفي ظل ما يشهده العالم من تحديات متسارعة، تبرز الحاجة إلى خطاب مجتمعي يعلي من قيمة الدعم الإنساني القائم على الثقة والتمكين، بوصفه مدخلًا لبناء مجتمعات قادرة على الصمود والتجدد. فالكلمة الإيجابية، والثقة الصادقة، والإيمان بالقدرات، قد تكون في كثير من الأحيان نقطة التحول في مسيرة فرد، وأثرها يمتد ليشمل المجتمع بأسره. ختامًا، يظل نفع الناس للناس هو جوهر الرسالة الإنسانية، وأحد أهم مقومات النهضة المجتمعية. فحين نؤمن بقدرات بعضنا البعض، وندعم مسارات النجاح، نكون قد جسّدنا المعنى الحقيقي للخيرية، وأسهمنا في بناء مجتمع أكثر تماسكًا واستدامة
630
| 22 يناير 2026