رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إن محاولة دراسة المساعدات الامريكية للجيش المصري كالوقوع في شباك العنكبوت، فكلما حاولت ان تفك طلسما وقعت في اخر، فهو امر متشابك معقد متعدد الأوجه والآراء بشكل يصعب فهمه.
الجيش المصري هو اقوى جيش في القارة الافريقية ويحتل الرقم 11 على مستوى جيوش العالم، ولكنه كما يقول البروفيسور روبرت سبرنغبورغ الاستاذ في المدرسة البحرية للدراسات العليا في مونتري كاليفورنيا في مقاله المنشور في صحيفة الاندبندت البريطانية بتاريخ 12 فبراير 2011، وهو بالمناسبة من افضل التحليلات التي قرأتها عن المؤسسة العسكرية المصرية واكثرها واقعية.
يقول سبرنغبورع: "ان الهياكل الداخلية للمؤسسة العسكرية تكذب دورها في تشكيل مصر الحديثة، فالواقع هو عكس الرسالة التي استطاعت القوات المسلحة ايصالها لوعي المواطن المصري من خلال المتاحف العسكرية والمناهج الدراسية التي تمجد دور القوات المسلحة ووسائل الاعلام التي تتحدث عن دوره بشكل استعراضي.
ثم يواصل، لا يستطيع احد ممن هو في المعارضة ان ينتقد دور الجيش بشكل علني، ليس لان هذا النقد خط احمر لا يحق لاحد اجتيازه من قبل الحكومة، بل لان هذا النقد لن يجد له صدى في اوساط المصريين ايضا.. فالجيش يستخدم مصانعه وامكنياته لانتاج الكثير من المواد الاستهلاكية المدنية التي تباع في الاسواق بدون أن تورد ارقام مبيعاتها في موازنة الدولة.. وليس هناك أي بند في الدستور أو في التشريعات المصرية يسمح لأي نوع من الرقابة على الجيش". انتهى.
إن المؤسسة العسكرية المصرية ليست الوحيدة التي نجحت في تشكيل هالة من القدسية حول نفسها ورجالاتها، بل ان هناك من سبقها الى ذلك، فالعسكرية التركية سابقا فعلت الشيء ذاته وكذلك الباكستانية والاندونيسية والروسية، ولكن ما يجمع بين كل هذه المؤسسات انها سيطرت على الدولة بطرق متعددة ونخرت في هياكلها الاقتصادية والسياسية حتى اوصلتها الى جرف هار بتعليقها المشانق للمعارضين خوفا الى مكتسباتها ، وفي النهاية تحجم دور المؤسسة العسكرية في هذه الدول و تركت خلفها ارثا ثقيلا و ظلما كثيرا يصعب على من جاء بعدهم التخلص منه .
ينص البند P.L. 112-74 في القانون الامريكي صراحة على وقف الدعم عن أي دولة يحصل فيها انقلاب عسكري على حكومة منتخبة ، ولكن الغريب ان هذا القانون لايطبق على كل المساعدات فهناك صندوقان تستطيع بهما الحكومة الاميريكة ايصال المساعدات لأي دولة مهما كان نظامها قاسيا ودمويا هما ..
السيطرة الدولية على المخدرات وفرض القانون : والذي كما هو من اسمه له معنى واسع مخادع ، فقد تستطيع ان تفصل التعريف الطويل هذا ليكون المخدرات أو فرض القانون ، و لكليهما معنى مختلف ، فهل دعم نظام السيسي يدخل تحت فرض القانون مثلا !!
أما الصندوق الآخر فهو منع الانتشار النووي، ومكافحة الإرهاب، وإزالة الألغام، وبرامج ذات صلة : فهو ايضا يحمل عدة معان تستطيع ان الادارة الامريكية ان ارادت ان تحتال من خلاله لايصال المساعدات الى اي نظام دموي ان كان هناك مصلحة في فعل ذلك ، فقد يكون دعم نظام السيسي يدخل تحت دعم الارهاب أو قد يدخل تحت برامج ذات صلة !!
ما يهمنا في الامر برمته أن الادارة الأمريكية لم تعترف حتى الان بأن ما حصل في مصر انقلاب، ومازالت تعليقات المسؤولين الامريكان تتهرب من هذ الاعتراف بكل الكلمات المتاحة في القاموس الانجليزي ، وليس علينا سوى قراءة جواب السيد جي كارني السكرتير الصحفي للبيت الابيض بتاريخ 8 يوليو 2013 حين سأله صحفي عن موقف الادارة الامريكية من الانقلاب في مصر ، ثم جواب السيد جون كيري وزير الخارجية الامريكية في 17 يوليو 2013 حين سئل عن نفس الموضوع ، لم أجرؤ على ترجمة الردين نظرا لتعقد الرد باللغة الانجليزية اصلا ، وترجمته إلى العربية ستكون عبارة عن كلمات و جمل لا تعطي معنى للمستمع والقارئ .
من الواضح ان البراغماتية الامريكية وصلت الى اقصى مستواها في التعامل مع الانقلاب المصري ، فهي تتلاعب بالمصطلحات لكسب الوقت وللتعامل مع نظام السيسي الدموي الذي يعمل بكل امكانياته العسكرية والإعلامية للسيطرة على الوضع في القاهرة و بقية المحافظات قبل ان يخسر معركته مع الوقت والدم ، وحتى ان قررت واشنطن الاعتراف باالانقلاب و أعلنت انها ستوقف المساعدات عنه فإن هناك الصناديق التي سبق وان ذكرناها والتي تستطيع ان تفتحها لتخرج مخزونها له وقت الحاجة بدون تبرير ذلك قانونيا للكونغرس ، فالإرهاب تعريف مطاط تستطيع واشنطن أو المنظمات الدولة توجيهه لكل نظام أو اشخاص يتعارض فكرهم أو توجههم أو أهدافهم مع السياسة الامريكية ، وقد يكون في هذا المقام الإخوان المسلمين أو المطالبون بعودة الشرعية او حتى الرئيس المنتخب شرعيا محمد مرسي نفسه .
بقي أن نعرف أن القوات المسلحة المصرية ستستلم مخصصاتها من الادارة الامريكية والتي تشكل ربع المعونات العسكرية الامريكية المخصصة للعالم حتى يستطيع هذا العملاق العسكري والمالي الحياة ، فبدون هذه المساعدات سيجد الجيش المصري نفسه في حالة انهيار اقتصادي شبه تام، ولذلك يعرف العالم بأن الولايات المتحدة الامريكية تؤيد الانقلاب، لأنها أن قررت وقف المساعدات فإن الجيش المصري لن يفي بأبسط التزاماته .
ولكن أين تذهب هذه المساعدات ؟ و كيف يستطيع كبار ضباط الجيش المصري الاستفادة منها ؟
يملك الجيش نظاما اقتصاديا منوعا غير خاضع لرقابة الدولة وبعيد عن المساءلة ، استطاع من خلاله تجاوز النظام الرقابي للجيش الأمريكي من خلال استحداث تعقيدات و تقديم التزامات لاتنفذ حال استلام المبالغ ، فمثلا :
هناك تشكيلة عريضة من الأدوات الاستهلاكية والكهربائية التي تباع في الاسواق من نتاج المصانع العسكرية والتي تم تمويلها في الاصل لانتاج أسلحة للجيش المصري ، ولكن قرر كبار الضباط تحويلها الى انتاج مدني للاستفادة المادية منها، ففي دفاتر المراقبين الماليين الأمريكان هي مصانع عسكرية ولكنها في حقيقتها هي غير ذلك أبدا .
وهناك أسطول صغير من تسع طائرات نوع جت ستريم تبلغ كلفتها اكثر من 333 مليون دولار في خدمة كبار ضباط القوات المسلحة وعوائلهم تم شراؤها على أساس انها طائرات مراقبة للحدود المصرية ولكنها بالتأكيد لاتقوم بذلك حين يكون على متنها كبار الشخصيات وحاشيتهم ، وقد كثرت شكاوي بعض ضباط الارتباط الامريكان الذين اكتشفوا ذلك و رفعوا تقاريرهم للادارة الامريكية التي غضت الطرف عن هذه التجاوزات ، فإبقاء كبار ضباط القوات المصرية في حالة من الرضا خير من أغضابهم .
وهناك أيضا المستشفى الذي موله دافع الضرائب الامريكي و الذي يقع على بعد 45 دقيقة على الشرق من القاهرة بارتفاع ستة طوابق وبمواجهة زجاجية و حدائق غناء و الذي يعتبر جنة في المنطقة التي يقع فيها ، فقد دفعت أمريكا حوالي 163 مليون دولار لانشائه على أساس أنه مستشفى للقوات المسلحة، ولكنه تحول إلى شيء غير ذلك بعد أن تم الانتهاء منه ، وهو مستشفى راق لا يحلم أي ضابط متوسط أو صغير دع عنك اصحاب الرتب الأخرى من الدخول عبر بوابته التي تحرس بشكل مشدد ، لقد أعلن موقع القوات المسلحة مؤخرا عن انشاء اجنحة ملكية فيه لخدمة من يستطيع ان يدفع من المرضى ، فقد اصبح هذا المستشفى منتجعا صحيا للأثرياء و محرما على افراد القوات المسلحة ، وقد علمت الادارة الامريكية ايضا بذلك و لكنها لم تفعل شيئا يذكر حيال الأمر .
إن المساعدات العسكرية الأمريكة للقوات المسلحة المصرية تبلغ حوالي 1.3 مليار دولار أمريكي استطاع كبار ضباط القوات المسلحة المصرية استخدامها لانشاء امبراطورية مالية متعددة لا يستطيع المواطن المصري العادي الوصول إلى خدماتها ، ومع ذلك فإن جيشا مصريا فاسد ماليا قد يكون أفضل من جيش مصري يصنع سلاحه كما كان يتمنى الرئيس مرسي .
الشيخ حمد بن خليفة.. العلامة الفارقة والرقم الصعب
تلقينا ببالغ الحزن والأسى خبر وفاة الأمير الوالد صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي يعد... اقرأ المزيد
33
| 17 يوليو 2026
رسالة وفاء لقطر وإرث الأمير الوالد
أعلنت الحكومة الفيدرالية الصومالية، الحداد الوطني لمدة ثلاثة أيام عقب وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل... اقرأ المزيد
39
| 17 يوليو 2026
إلى جنات الخلد يا فقيد الوطن
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، تلقى العالم العربي والإسلامي نبأ وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل... اقرأ المزيد
39
| 17 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في رحيل الرجال العظام لا تُطوى صفحة من تاريخ البشرية، بل يُفتح فصلٌ جديد في ذاكرة الأمم. وحين يترجل قائد بحجم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طيب الله ثراه، فإن الحديث لا يكون عن سيرة رجلٍ فحسب، بل عن قصة وطن أعاد تعريف نفسه بطريقة مختلفة، وعن إرثٍ تجاوز جميع الحدود والجغرافيا ليترك أثره في الإنسان أينما كان. رحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وبقيت بصماته شاهدة على مرحلةٍ صنعت الفارق في تاريخ قطر الحديث والمنطقة والعالم. لقد كان رحمه الله من أولئك القادة الذين لا يكتفون بإدارة الحاضر، بل يغامرون بصناعة المستقبل. وحين تسلم زمام المسؤولية والقيادة عام 1995، كانت قطر دولة واعدة، لكنه رأى فيها ما هو أبعد من ذلك بكثير، رأى وطناً قادراً على أن يكون رقماً مهماً وصعباً في الاقتصاد والسياسة والإعلام والتعليم والتنمية الإنسانية ونصرة المظلوم وصوتاً للحرية. ومن الإنصاف للتاريخ أن يُقال إن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله لم يبنِ مشاريع إسمنت وحديد فقط، بل بنى ما هو أهم، بنى الفكرة. فكرة أن الدولة الصغيرة في مساحتها يمكن أن تكون كبيرة في تأثيرها، وأن الثروة الحقيقية ليست في الغاز والنفط وحدهما، بل في الإنسان والعلم والمعرفة والاستثمار في العنصر البشري. ولذلك شهدت قطر في عهده نهضة تعليمية غير مسبوقة وتحولت إلى مركز عالمي للجامعات والبحوث والابتكار، فصارت المعرفة جزءاً من مشروعها الوطني لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات. ولم يقتصر اهتمامه بالتعليم على أبناء وطنه فحسب، بل امتد أثره إلى آلاف المدارس والمبادرات التعليمية حول العالم. فقد آمن بأن التعليم هو الطريق الأقصر لمكافحة الفقر والجهل وفتح آفاق المستقبل أمام الشعوب، فدعمت قطر في عهده برامج ومشروعات تعليمية وصلت إلى ملايين الأطفال والشباب في مناطق عديدة من العالم، ومنحت فرصة التعلم لمن حُرموا منها بسبب الحروب أو الفقر أو النزوح. وهكذا تحولت رسالة التعليم من مشروع وطني إلى رسالة إنسانية عابرة للحدود، كان أثرها ممتداً في حياة أجيال كاملة ستبقى شاهدة على هذا العطاء. وفي الجانب الإنساني لم يكن حضوره مقتصراً على حدود وطنه. فقد امتدت يد قطر إلى مناطق الأزمات والكوارث، حاملةً الغذاء والدواء والتعليم والأمل. وساهمت في دعم الشعوب المنكوبة ورعاية اللاجئين، وتمويل المبادرات التنموية حول العالم، حتى أصبحت المساعدات الإنسانية القطرية عنواناً معروفاً في كثير من بقاع الأرض. لقد آمن رحمه الله بأن قيمة الدول تُقاس أيضاً بما تمنحه للإنسانية من خير ورحمة. أما في الإعلام فقد ارتبط اسمه بتحولٍ تاريخي غيّر المشهد الإعلامي العربي بشكل خاص والعالمي بشكل عام، حين انطلقت تجربة إعلامية جعلت من حرية الرأي والنقاش مساحةً أوسع مما عرفته المنطقة من قبل، فكان لذلك أثره العميق في تشكيل الوعي العام وإيصال الصوت الذي كان لا يجد طريقاً للوصول. واقتصادياً قاد مشروعاً استراتيجياً جعل قطر من أبرز القوى الاقتصادية العالمية في مجال الغاز الطبيعي المسال، وفتح أبواب الاستثمار الدولي على مصراعيها، حتى أصبحت الدوحة اسماً حاضراً في كبريات الأسواق والمؤسسات المالية العالمية. ولم يكن ذلك مجرد نجاح اقتصادي، بل كان بناءً طويل الأمد لأجيالٍ قادمة. وفي ميدان السياسة والدبلوماسية والوساطات رسخ نهجاً جعل من الحوار والوساطة وسيلةً لحل النزاعات وتقريب وجهات النظر. فغدت قطر لاعباً مؤثراً في ملفات إقليمية ودولية معقدة، واستحقت مكانةً تفوق الجميع وتفوق حجم الدول جغرافياً. ومن المواقف التي ستبقى علامة فارقة في مسيرته السياسية قراره التاريخي بتسليم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2013، في خطوة جسدت إيماناً راسخاً بتجدد القيادة واستمرارية الدولة، وقدمت نموذجاً حضارياً نادراً للتداول السلس للمسؤولية، مؤكدةً أن بناء الدول لا يكتمل بصناعة الإنجازات فحسب، بل بضمان استدامتها وانتقالها بأمان وثقة إلى الأجيال اللاحقة. كما أدرك مبكراً رحمه الله أن الرياضة لغة عالمية توحد الشعوب، فكان من مهندسي المسار الذي أوصل قطر إلى استضافة كأس العالم 2022، الحدث الذي لم يكن بطولة رياضية فحسب، بل رسالة حضارية عرّفت العالم بالثقافة الإسلامية والعربية والخليجية وقدرة المنطقة على تنظيم أكبر الأحداث الدولية. واليوم ونحن نودع الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فإننا لا نرثي رجلاً غاب جسده، بل نستحضر إرثاً سيبقى حياً في التعليم الذي أُسس، والمستشفيات التي شُيدت، والفرص التي خُلقت، والوساطات التي أوقفت النزاعات وإزهاق الأرواح، والأفكار التي ألهمت أجيالاً كاملة. رحل القائد لكن أثره باقٍ. ورحل الإنسان لكن ما زرعه في وطنه وفي وجدان شعبه وفي صفحات التاريخ سيظل ينبض بالحياة. فبعض الرجال تنتهي أعمارهم لكن أعمالهم تواصل السير نيابةً عنهم. والوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني واحد من أولئك الذين كتبوا أسماءهم لا بالحبر بل بالأثر. رحم الله الفقيد بواسع رحمته وجزاه عن قطر وأمتها والإنسانية خير الجزاء. فكما جاء في الحديث الشريف: (خيرُ الناس أنفعهم للناس)، وأنا أشهد أمام الله بذلك. وجاء في الحديث أيضاً: (إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ يُنتفعُ به، وولدٍ صالحٍ يدعو له). وأشهد كذلك أمام الله بما رأيت بعيني أنه قدم لهذا الدين وللإنسانية الشيء الكثير من صدقاتٍ ومساعداتٍ وعلومٍ ومراكز ومساجد، وبهذا كلنا نكون أبناءً له ندعو له جميعاً. أما عنوان المقال فهو جزء من حديثه رحمه الله في لقاء تلفزيوني يصف فيه قطر للعالم.
5664
| 14 يوليو 2026
لعل أسوأ ما قدمته بطولة كأس العالم الحالية هو بروز الحالة البالوجونية، نسبةً للاعب المنتخب الأمريكي: فولارين بالوجون. وهي حالةٌ تقوم على التعامل مع الاتحاد الدولي لكرة القدم وكأنه دولة في القرون الوسطى يحكمها فرد كما يشاء دون اهتمام بقوانين أو أعراف أو مشاعر ومصالح وآمال الآخرين. فرغم ما كانت تتعرض له الفيفا سابقاً من انتقادات، إلا أنها ظلت محافظةً على الحد الأدنى لمظهرها كمنظمةٍ ترعى رياضة كرة القدم دولياً، وحرصت دائمًا على أن تكون الحكم العادل في الخلافات بشأن اللعبة ومبارياتها. ولم يكن أحدٌ يتوقع أن تبلغ التجاوزات حد الاستهانة العلنية بقوانين اللعبة وأخلاقياتها كما فعل رئيسها جياني إنفانتينو. كان على إنفانتينو، قبيل انطلاق البطولة، التأكيد على أن الرياضة هي النقطة التي تتوقف عندها التأثيرات السياسية، وهي المظلة التي تلتقي تحتها الشعوب وتتنافس بنديةٍ. ولكنه صمت عن التجاوزات بحق الحكام والإعلاميين والإداريين الذين منعوا من دخول الولايات المتحدة. وكان هذا الصمت ثم تبرير ما حدث بحجج واهية هو السبب في الانهيار النسبي لشعبية البطولة دوليًا، لأن معظم عشاق اللعبة أدركوا أن طعنةً أصابتها في صميم أخلاقياتها التي تجمعهم. يجب علينا القول إن الفيفا في عهد إنفانتينو أصبحت مظهراً للفردية الديكتاتورية في مجال كرة القدم، فكان إلغاء البطاقة الحمراء التي تلقاها المهاجم الأمريكي فولارين بالوجون أمام البوسنة، وإسقاط عقوبة الإيقاف عنه ليشارك في مباراة بلجيكا هو المظهر الأبرز لتلك الفردية. ومناقشة ذلك كمخالفةٍ قانونيةٍ هو أمرٌ يبعث على الملل والشعور بعدم احترام عقولنا، لأن رئاسة الفيفا هي الجهة التي ارتكبت المخالفة. ورغم الاحتجاجات الدولية، لم يقم إنفانتينو بتبرير الأمر أو تقنينه، وكأن قراره لا يمكن لأحد مناقشته أو الاعتراض عليه. ثم جاءت مباراة مصر والأرجنتين لتخبرنا بأن هناك مسارات غير رياضية أدخل فيها إنفانتينو كرة القدم، والتي تتمثل في جماعات ضغط اقتصادية تعمل في مجال المراهنات الدولية، وتعتمد على وجوب استمرار منتخبات بعينها في المنافسة بغضِّ النظر عن خسارتها الفعلية لو خضعت مبارياتها لتحكيم نزيه غير خاضع لإملاءات إنفانتينو الخاضع بدوره لجهات لها مصالح عظمى في عدم نزاهة التحكيم. المخالفات علنيةٌ وكثيرةٌ جدًا، وليست المشكلة في السكوت أو عدم السكوت عنها، وإنما هي أن الشكوى ترفع للفيفا، وتكون على الحكام، ولا توجد آلية تخضع رئاسة الفيفا نفسها للمحاسبة القانونية. ومع وقوفنا مع الاتحاد المصري في شكواه، وانتظارنا لما ستسفر عنه مطالبات أعضاء في البرلمان الأوروبي بالتحقيق مع إنفانتينو، لكننا، للأسف، ندرك جيداً أن الحالة البالوجونية ستستمر، ولا يمكن التحكم فيها. الحل، ليس في الشكوى وإنما في العمل على توسيع دور المحكمة الرياضية الدولية ليشمل النظر والحكم في الخلافات مع الفيفا والشكاوى ضدها. وهذا الأمر ليس ترفًا فكريًا، وإنما هو واجبٌ على المختصين القانونيين في الرياضة لمنع استفحال الحالة البالوجونية التي تهدد لعبة الجماهير الأولى في العالم. كلمة أخيرة: البالوجونية، ليست سلوكياتٍ فرديةً، وإنما هي منظومةٌ أخلاقيةٌ فاسدةٌ تقتل الروح الرياضية، وتدمر الأمل في كون الرياضة عنصرًا يجمع الشعوب.
1749
| 12 يوليو 2026
عندما ترتفع المخاطر الجيوسياسية، لا تحتاج التجارة العالمية إلى إغلاق الممرات البحرية حتى ترتفع تكاليف الشحن. فمجرد عودة التوترات كفيل بزيادة أقساط التأمين وارتفاع ما يُعرف بعلاوة المخاطر، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة نقل البضائع، حتى لو استمرت السفن في العبور بصورة طبيعية. وهذا ما نشهده اليوم مع عودة التوتر إلى مضيق هرمز، حيث بقيت الملاحة مستمرة، بينما لم تعد تكاليف الشحن والتأمين إلى مستوياتها السابقة. فالمشكلة اليوم لم تعد تتمثل في احتمال إغلاق المضيق بقدر ما تتمثل في استمرار حالة عدم اليقين، وما تفرضه من تكاليف إضافية تنتقل تدريجياً عبر سلاسل الإمداد إلى المستوردين، ثم إلى الأسواق، وصولاً إلى المستهلك النهائي. وفي قطر، لا يقتصر أثر هذه الزيادات على شركات الاستيراد، بل يمتد إلى قطاعات واسعة تعتمد على الواردات، مثل مواد البناء والتشطيب، والأثاث، والأجهزة المنزلية، والسيارات وقطع الغيار، وغيرها من السلع التي تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكلفة المشروعات وتكلفة المعيشة. ومن هنا يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن الحد من هذه الأعباء إلى أن تستعيد أسواق النقل البحري والتأمين استقرارها الكامل؟ قبل الإجابة، من المهم التفريق بين نوعين من الحلول. فهناك حلول استراتيجية بعيدة المدى، مثل تنويع مسارات التجارة، وتعزيز الأمن اللوجستي، وتقليل الاعتماد على أي ممر بحري واحد، وهي خيارات ضرورية لكنها تحتاج إلى سنوات من التخطيط والاستثمار. أما المرحلة الحالية، فتتطلب إجراءات تشغيلية سريعة ومؤقتة تحد من ارتفاع التكلفة وتحافظ على انسياب الواردات. ولعل أسرع هذه الإجراءات يتمثل في تشغيل ميناء حمد، والجمارك، والجهات الرقابية على مدار الساعة خلال الفترة الحالية. فكل يوم إضافي تقضيه الحاوية داخل الميناء يعني ارتفاعاً في تكاليف التخزين والتمويل، وتأخيراً في وصول البضائع إلى الأسواق. ولذلك، فإن تسريع دورة الإفراج عن الشحنات يعد من أكثر الوسائل فعالية في خفض التكلفة. ويأتي بعد ذلك تخفيض رسوم المناولة والخدمات المينائية بصورة مؤقتة لمدة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، حتى تستعيد أسواق النقل البحري توازنها. كما يمكن إعفاء الحاويات التي تأخرت بسبب اضطرابات الملاحة من رسوم الأرضيات والتخزين، لأن هذه الرسوم ترتبت نتيجة ظروف استثنائية لم يكن المستورد مسؤولاً عنها. ومن الأفكار التي تستحق الدراسة أيضاً تشجيع المستوردين على حجز سعات الشحن بصورة جماعية. ولا يعني ذلك توحيد البضائع أو الموردين، وإنما توحيد القوة التفاوضية مع شركات الملاحة. فكلما ارتفع حجم الحجوزات، زادت القدرة على الحصول على أسعار أفضل، وأولوية في الحجز، وشروط نقل أكثر مرونة، وهو ما يفيد على وجه الخصوص الشركات الصغيرة والمتوسطة. كما قد ينعكس ذلك إيجاباً على تكلفة التأمين نتيجة تحسن شروط التفاوض. أما التأمين البحري، فقد أصبح يمثل جزءاً متزايداً من تكلفة الاستيراد. ومن هنا، يمكن لشركات التأمين المحلية أن تؤدي دوراً أكبر عبر التفاوض الجماعي مع شركات إعادة التأمين العالمية للحصول على شروط أكثر ملاءمة، مستفيدة من متانة الاقتصاد القطري واستقرار بيئته التشغيلية، بدلاً من تفاوض كل مستورد بصورة منفردة. ومن المناسب كذلك تشكيل فريق عمل لوجستي مؤقت يضم وزارة التجارة والصناعة، والجمارك، وميناء حمد، وغرفة تجارة وصناعة قطر، إلى جانب ممثلين عن شركات الملاحة والتأمين، لمتابعة تطورات سلاسل الإمداد بصورة يومية، والتدخل السريع لمعالجة أي اختناقات تشغيلية قبل أن تتحول إلى أعباء اقتصادية أكبر. وجميع هذه المقترحات يجمعها هدف واحد؛ فهي إجراءات استثنائية لمعالجة ظرف استثنائي، وليست تغييرات دائمة في السياسة الاقتصادية، وتنتهي تلقائياً عندما تعود تكاليف الشحن والتأمين إلى مستوياتها الطبيعية. أما الحلول الاستراتيجية، مثل تنويع مسارات التجارة، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، فهي تستحق نقاشاً مستقلاً، لأنها تعالج جذور المشكلة، بينما تعالج الإجراءات السابقة آثارها المباشرة. لقد أثبتت قطر في أكثر من مناسبة قدرتها على التعامل بكفاءة مع التحديات اللوجستية، بفضل بنيتها التحتية المتطورة ومؤسساتها القادرة على اتخاذ القرار بسرعة. واليوم، لا يحتاج الاقتصاد إلى برامج دعم واسعة، بقدر ما يحتاج إلى إجراءات تشغيلية ذكية ومؤقتة تخفف تكلفة وصول السلع إلى السوق المحلية، وتحافظ على تنافسية الشركات، وتحد من انتقال الضغوط التضخمية إلى المستهلك. فكل ريال يُوفَّر في تكلفة النقل أو التخزين أو التأمين ينعكس في النهاية على تكلفة المعيشة، ويعزز قدرة الاقتصاد على تجاوز هذه المرحلة بأقل الخسائر، إلى أن تستعيد أسواق الشحن العالمية استقرارها الكامل. فالتعامل مع الأزمات لا يكون بردود الفعل فقط، بل بالاستعداد لها، وتقليل كلفتها، وتحويل التحديات إلى فرص لتعزيز كفاءة الاقتصاد ومرونته.
1665
| 11 يوليو 2026