رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تعود العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأمريكية وتونس إلى بداية القرن التاسع عشر، من الناحية التاريخية تشبه زيارة الرئيس التونسي الحالي السيد الباجي قائد السبسي إلى الولايات المتحدة الأمريكية نفس الزيارة التاريخية التي أدّاها الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة إلى أمريكا سنة 1961 والتي تلاها تدعيم لموقع تونس المستقلة ورفع الضغوط المسلطة عليها خاصة من فرنسا، إذ استغل بورقيبة الصراع التنافسي بين أمريكا القوة الدولية الصاعدة بعد الحرب العالمية الثانية، وفرنسا القوة الاستعمارية الآيلة للأفول، لكي يحصل على الدعم الأمريكي، وسيل من المساعدات والإعانات الأمريكية للشعب التونسي، لا سيما أن الإدارة الأمريكية في حينها كانت داعمة للاستقلال التونسي وللدولة التونسية. واليوم تتشابه الأوضاع فمن تونس المستقلة والباحثة عن بناء دولتها الحديثة وتعزيز علاقاتها الدولية إلى تونس الثورة حيث تتطلع إلى آفاق أرحب خاصة في تنفيذ استحقاقات الثورة الاجتماعية والاقتصاديّة ومواصلة تأمين مسارها في تجربة الانتقال الديمقراطي. فهل يُعيد السبسي ملحمة الرئيس بورقيبة الذي أحسن استثمار الواقع الدولي في ستينيات القرن الماضي ليُحرز لبلده الموقع والدعم اللازمين لدولة فتية وناشئة؟. علما أن قائد السبسي سيلتقي خلال زيارته للولايات المتحدة بالرئيس أوباما ونائبه وبوزراء الخارجية والمالية والدفاع الأمريكيين وعدد من نواب الكونجرس الأمريكي، كما ستكون له فرصة التواصل مع بعض المؤسسات والمنظمات الأمريكية الفاعلة من الناحية الاقتصادية ومع عدد من المستثمرين الأمريكيين.
يُذكر أنّ حجم الاستثمار الأمريكي في تونس لا يتجاوز في الوقت الراهن 61 مليار دولار.
وقد تم التوقيع في هذه الزيارة التاريخية على مذكرة الشراكة الإستراتيجية بعيدة المدى بين البلدين في المجالات الاقتصادية والتربوية والثقافية والأمنية والدفاعية.. وجاء في نص المذكرة أن مكتسبات الثورة التونسية والانتقال الديمقراطي الذي تعيشه تونس تمثل فرصة غير مسبوقة لإرساء تعاون أكثر صلابة وتنوع بين تونس والولايات المتحدة الأمريكية. كما تؤكد ذات المذكرة على التزام الجانبين التونسي والأمريكي بضمان أمن البلدين من ذلك أنها تنص على التزام الولايات المتحدة الأمريكية دعم القدرات الأمنية والدفاعية لتونس وعلى مزيد تعزيز التعاون في مجال مكافحة الإرهاب من خلال برامج تمويل اقتناء التجهيزات العسكرية وبرامج التكوين العسكري والأمني. كما تنص المذكرة على تدعيم التعاون في مجال التعليم العالي وفي الميادين العلمية والثقافية إضافة إلى إحداث لجنة اقتصادية تضم القطاعين العام والخاص بالبلدين على أن تجتمع بصورة دورية في تونس وواشنطن لبحث سبل دفع المبادلات التجارية الثنائية والنهوض بالاستثمار. وتولى التوقيع على هذه المذكرة من الجانب التونسي محسن مرزوق الوزير المستشار لدى رئيس الجمهورية وعن الجانب الأمريكي جون كيري وزير الخارجية. وما يهم الولايات المتحدة الأمريكية من تونس، والذي يبقى دائما ضمن الاتفاقيات السرية غير المعلنة، هو حرص الإدارة الأمريكية على أن تمنحها تونس قاعدة عسكرية على أراضيها، إقامة قيادة عسكرية أمريكية (أفريكوم) في تونس، لاسيما بعد أن رفضت الجزائر هذا الطلب الأمريكي.
دخلت السياسة الخارجية الأمريكية في مرحلة جديدة من العلاقات مع تونس ومع بلدان القارة الإفريقية، بعد أن ابتعدت أكثرية الدول الإفريقية عن الاقتصاد الموجه شيئا فشيئا، حين كانت الدولة المركزية تتدخل في كل صغيرة وكبيرة، في الاقتصاد والمجتمع، وتعلن عن الخطط الخمسية الطموحة للتنمية، وهي في كثير من الأحيان تتبنى الاشتراكية ذات الخصوصية الوطنية. ويركز الخطاب الأمريكي الحالي على فشل العقود الماضية التي تلت سنوات الاستقلال للبلدان الإفريقية، وعلى فشل مختلف » نماذج« التنمية في تونس وبلدان إفريقية أخرى، التي اتسمت بهيمنة الحزب الواحد، الشمولي والرئاسة مدى الحياة.
وإذا كان الخطاب الأمريكي يطنب في الحديث عن التجربة الديمقراطية الناجحة الوحيدة في بلدان ما يسمى «الربيع العربي»، فإن الولايات المتحدة دعمت طول سنوات النظام الديكتاتوري السابق، والذي اتسم عهده بانتشار الفساد في معظم الحكومات، وبغياب القانون، وبتغليب مصالح المافيات على مصالح الشعب. والإدارة الأمريكية تغمض عينيها عن أماكن كثيرة تمارس القمع والإكراه، ولكنها معمدة بالمياه الأمريكية، ومحمية بروح البيت الأبيض المقدس، مثل نظام بن علي السابق الذي له مفهومه الخاص للديمقراطية، يقوم على تفضيل الحزب الواحد، ويعتبر حزبه هو الحزب الشرعي الوحيد، لأن ما يهمها بالدرجة الأولى هو التجارة، واندماج تونس في دواليب الاقتصاد العالمي.
والرئيس باراك أوباما يريد أن يطبق القانون التجاري مع تونس، والذي يندرج ضمن سياسة الولايات المتحدة الجديدة في إفريقيا والتي تعتمد على المشاركة لا على المساعدة (Trade- -Notaid) وعلى إزالة الحواجز الجمركية الأمريكية عن صادرات تونس، كما يفتح تونس للاستثمارات الأمريكية شريطة أن تتبع الليبرالية الاقتصادية وتخضع لقوانين صندوق النقد الدولي، وذلك بدلاً من سياسة المعونات.
كما يؤكد كبار الساسة الأمريكيون أن الموجة الجديدة من الديمقراطية، والدفاع عن حقوق الإنسان، واقتصاد السوق يجب أن توضع موضع التنفيذ، وعلى الولايات المتحدة أن تلعب دوراً رئيسياً في تغيير تونس على الصعد السياسية والاقتصادية والتجارية، باعتبار أن هذا الدور ضروري لتسريع عملية اندماج تونس في الاقتصاد العالمي، ولخدمة مصالح الولايات المتحدة. وهذه السياسة تقوم على تفكيك الدولة التونسية نفسها، وتسليم مهامها ووظائفها لتتولاها الشركات العملاقة متعددة الجنسيات، أو المؤسسات المالية الدولية التي تتكلم باسم هذه الشركات العملاقة مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
وتظل تونس شريكا اقتصاديا صغيراً الحجم بالنظر إلى حجم تجارة الولايات المتحدة مع العالم.أما المساعدات الخارجية الأمريكية، فهي في نقصان مستمر منذ سنة 1985، وشهدت السنوات الأخيرة تراجعاً تدريجياً في المساعدات الأمريكية للخارج. والمساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة لتونس، في إطار التعاون لا تتجاوز 180 مليون دولار، وهو مبلغ يمكن أن يقدمه الملياردير التونسي سليم الرياحي، لو كان حريصاً على تنمية الرأسمالية الوطنية في تونس.
وفي عصر العولمة الرأسمالية الجديدة، يتحدد نجاح أو تهميش الاقتصادي التونسي، بالعلاقة التي توجد ما بين التجارة الخارجية والناتج الوطني الخام، وبحجم المنتجات الصناعية من مجموع الصادرات، وبحجم الاستثمارات الأجنبية، والقدرة على وفاء الديون.
والحال هذه، فإن » المساعدات « الغربية تشكل المقوم الثاني في تشكيل الناتج الوطني الخام في تونس، باستثناء جنوب إفريقيا. وهذه المساعدات التي تمنحها الولايات المتحدة، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي تمثل في حد ذاتها صناعة استثمارية. لأن المستدينين مطالبون بفتح اعتمادات، يستخدمونها لاستيراد الخيرات الاستهلاكية والخدمات من الدول الرأسمالية الغربية، ومن أجل تنفيذ مشاريع لا تلبي حاجيات التطور المحلية للدولة التونسية.
الإعلانات عن المساعدات الأمريكية لتونس لتحسين الأوضاع في مجالات التعليم والقضاء والتجارة والبيئة، ما هي سوى قطرات لتسكين الأوجاع المزمنة. وإذا كانت شروط المعونات الاقتصادية الأمريكية لتونس هي مناهضتها للأحزاب الشيوعية والقومية وعداؤها للاتحاد السوفييتي خلال الحرب الباردة، فإن الشروط الأمريكية الحالية تتمثل في إزالة الحواجز من جانب تونس أمام التجارة الحرة، ثم تضييق تدخل الدولة في الاقتصاد، وتقويض القطاع العام وتمليكه للقطاع الخاص، وإصلاح أجهزتها وأنظمتها الإدارية والمالية والمصرفية بحيث تتقبل الاستثمارات الأجنبية الخاصة، وتضمن للشركات عبر القومية المتعدية الجنسية الضخمة، إخراج الأرباح والرساميل المستثمرة في التجارة والصناعة، واندماج تونس في عجلة الاقتصاد الرأسمالي العالمي أي العولمة، بعد أن تم تحرير الاقتصاد والتجارة فوراً ودون تدرج أو تقسيط زمني، بما يعني تعرية الاقتصاد الوطني الهش بطبيعته وتجريده من الحماية الجمركية أمام المنافسة الخارجية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8766
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3795
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3141
| 30 أكتوبر 2026